في قطاع غزة، لم تعد «سنة التوجيهي» مجرد محطة دراسية تقليدية تحدد مستقبل اليافعين، بل تحولت هذا العام إلى رحلة شاقة ومعقدة في «البقاء الرقمي». فبينما يضبط العالم ساعاته على سرعات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، يجد طلاب غزة أنفسهم مجبرين على ضبط أحلامهم الأكاديمية على «إشارة يتيمة» تلتقطها هواتفهم المتهالكة تحت حرارة الخيام المشتعلة، أو بجوار أنقاض مدارس كانت يومًا منابر للعلم، وأصبحت اليوم مراكز نزوح تكتظ بالوجع.


انطلقت امتحانات الثانوية العامة وسط ظروف بالغة القسوة والتعقيد؛ ظروف يغيب فيها كل ما هو مألوف عن أجواء الامتحانات المصيرية. ووفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي، يشارك في هذه الامتحانات نحو 37,698 طالبًا وطالبة من داخل القطاع المحاصر، بالإضافة إلى 1,941 من طلبة غزة الذين هُجِّروا خارج فلسطين، ويتوزعون حاليًا على 46 دولة حول العالم، محاولين التشبث بفرصتهم في التعليم رغم البعد والشتات.


الانحناء لـ«عمود الإشارة»
في أحد أزقة مدينة خان يونس المدمرة، يظهر الطالب النازح هاني أبو صلاح، غير جالس في غرفته الهادئة خلف مكتب مريح، بل يقطع يوميًا مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، ليقضي ساعات طوالًا واقفًا أو مستندًا إلى جوار «عمود إرسال» أو حائط متهدم في منطقة مرتفعة تتوفر فيها تغطية لشبكات الاتصال.


هذا العمود الحديدي لم يعد مجرد قطعة من البنية التحتية، بل تحول في عين هاني إلى «شريان الحياة» الوحيد الذي يصله بالعالم الافتراضي، ليرتشف منه دروسه ومراجعاته الأكاديمية، ويؤدي امتحاناته. هناك، وسط الغبار المتصاعد وحرارة الشمس الحارقة التي لا ترحم، ينحني هاني على شاشة هاتفه بتركيز يثير الذهول، متجاهلًا آلام قدميه وتعب جسده المنهك، ليدرس في «مدرسة الشارع» التي فرضتها الحرب، حيث باتت جودة الإشارة هي المتحكم الأول والأخير في مساره ومستقبله الدراسي.


يقول الطالب هاني لـ«عُمان»: «كنت أحلم طوال السنوات الماضية أن أتعب وأجتهد حتى أصل لمرحلة الثانوية العامة. كان يتملكني الشوق لأن أتقدم للامتحانات وأنا في منزلي وفي مكاني الخاص، حيث تتوفر الكهرباء والإنترنت والكمبيوتر المحمول، ولكن الحمد لله لا يوجد أي شيء من ذلك الآن. إن وضع الخيمة صعب جدًا، وأنا أحتاج لمكان هادئ بعيدًا عن ضجيج الأطفال في الخارج».


ويضيف: «لا يوجد إنترنت هنا، فأضطر للذهاب إلى منطقة أخرى بعيدة، وأجلس بجانب عمود إرسال أو حائط تتوفر به شبكة، حيث أشتري بطاقة إنترنت وأفتح الشبكة هناك لأبحث عما أحتاج إليه من مراجعات وأؤدي الامتحان، وأبقى هناك حتى أنتهي من غرضي ثم أعود إلى الخيمة».


الرهان الصعب في «السايبر» المزدحم
وعلى الجانب الآخر، تبرز مأساة طلاب آخرين يضطرون، تحت وطأة انعدام التغطية والكهرباء، إلى اللجوء إلى «مقاهي الإنترنت» المرتجلة، أو ما يُعرف محليًا بـ«السايبر»، لتقديم امتحاناتهم ومتابعة موادهم. تخيل طالبًا يحاول حل معادلات رياضية معقدة، أو تحليل نصوص أدبية وفلسفية دقيقة، بينما يحيط به صخب لا ينقطع من كل جانب؛ مراهقون يصرخون بحماس وهم يلعبون ألعابًا إلكترونية جماعية مثل «ببجي»، وضجيج الموسيقى الشعبية المتداخلة وضحكات الزوار المرتفعة.


في هذا الواقع السريالي، يضطر الطالب لدفع «خمسة شواكل» -وهو مبلغ يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على العائلات النازحة في ظل الحصار وانعدام الدخل- ليشتري بها «ساعة هدوء مستحيلة» وسط الزحام. يحاول الطالب جاهدًا فصل عقله تمامًا عن محيطه الصاخب، مركزًا بصره في شاشة الكمبيوتر، في اختبار حقيقي لقوة الإرادة النفسية والذهنية قبل أن يكون اختبارًا في المنهج الدراسي نفسه.


العيش داخل «قاعة الامتحان»
وتكتمل صورة الوجع والمفارقة المأساوية داخل الفصول الدراسية التي تحولت قسرًا إلى «بيوت». ففي المدارس التي كان من المفترض أن تكون قاعات رسمية للامتحانات تخيم عليها الهيبة والهدوء، تعيش آلاف الأسر النازحة. يدرس الطالب هناك بجوار «موقد النار» المنبعث منه الدخان الخانق، ووسط «بكاء الأطفال» المستمر، وعناء أمه التي تحاول تدبير شؤون المعيشة ببدائية شديدة. لقد فقدت القاعات قدسيتها الدراسية المعتادة، وأصبح الطالب يواجه شعورًا قاسيًا بـ«الاغتراب» داخل مدرسته؛ فهو تلميذ يسكن في فصله، لكنه لا يجد «كرسيًا وطاولة» يدرس عليهما بكرامة.


يقول الطالب علي طارق، من غرفته في مركز الإيواء والشبيهة بالمطبخ الكبير: «نحن نعيش الآن في الفصل الدراسي الذي كان من المفترض أن أتعلم فيه وأتقدم للامتحانات من خلاله كطالب نظامي. كان من المفترض أيضًا أن أعيش في منزلي مستقرًا، ولكن للأسف بسبب الحرب فقدت منزلي وأعيش في هذه المدرسة منذ ثلاث سنوات».


ويتابع لـ«عُمان»: «أواجه صعوبات هائلة في الدراسة، ولا أعرف كيف سأستمر بسبب ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء الدائم. سأضطر للذهاب إلى مقهى إنترنت لتقديم الامتحانات، وسأدفع مقابل ذلك حوالي 5 شواكل في كل مرة للحصول على اتصال مستقر، وهو ما يضغط على عائلتي المثقلة أصلًا بالهموم».


التكيف الرقمي مع واقع الإبادة
هذه الظروف الاستثنائية والقاهرة دفعت وزارة التربية والتعليم العالي في غزة إلى التكيف مع الواقع الذي فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة منذ نحو 3 أعوام، وذلك عبر الاستمرار في تنظيم امتحانات الثانوية العامة إلكترونيًا بالكامل للعام الثالث على التوالي. وتتم هذه العملية التعليمية المعقدة عبر منصة «وايز سكول» الرقمية، التي صُممت لتتماشى مع الهواتف المحمولة والشبكات الضعيفة لتسهيل وصول الطلاب للامتحانات وتوثيق إجاباتهم.


يوضح محمد أبو رمضان، مدير تعليم شرق خان يونس لـ«عُمان»: «قامت الطواقم في مديريات التربية والتعليم، وبالتنسيق الكامل مع رؤساء أقسام الامتحانات في المديريات، بعقد لقاءات تعريفية وإرشادية مكثفة لطلبة الثانوية العامة حول آليات التسجيل عبر البرنامج وعبر التطبيق الإلكتروني، لضمان قدرة كل طالب على الدخول إلى المنصة وتقديم امتحانه بسلاسة رغم العقبات التقنية».