واشنطن "د. ب. أ": مع تزايد وتيرة الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، تواجه الولايات المتحدة ضغوطا متزايدة على مخزونها من الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في التصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتهديدات الجوية المتقدمة. ورغم امتلاكها أكبر قاعدة صناعية دفاعية في العالم، فإن زيادة إنتاج هذه الصواريخ ليست مهمة سهلة، إذ تعوقها تحديات تتعلق بتعقيد التصنيع وسلاسل التوريد المحدودة ونقص بعض المكونات الحيوية، فضلا عن سنوات من الاعتماد على معدلات إنتاج صممت لزمن السلم لا لمواجهة استهلاك مرتفع خلال النزاعات الممتدة.
هذا ما أكده هاريسون كاس، وهو كاتب ومحام أمريكي متخصص في شؤون الأمن القومي والتكنولوجي، وذلك في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست. ويقول كاس إن واحدة من أشد أوجه الصراع التي نجمت عن حروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي الاستنزاف السريع لمخزونها من صواريخ الاعتراض المضادة للطائرات.
فقد أدت عدة أشهر من العمليات في الشرق الأوسط خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أولا عملية "روف رايدر" ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ثم العملية الأوسع بكثير "الغضب الملحمي" ضد إيران، إلى جانب الدعم المستمر للدفاعات الجوية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر إلى استهلاك صواريخ اعتراضية متقدمة بوتيرة أسرع بكثير مما تستطيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية الحالية تعويضه.
ورغم أن معظم الأمريكيين لا يقلقون بشأن معدلات إنتاج الصواريخ، فإن المشكلة ليست بسيطة. بل إنها خطيرة إلى درجة أن مخزونات الصواريخ المستنزفة لدى الولايات المتحدة باتت تؤثر الآن في التخطيط الاستراتيجي الأوسع وقرارات تموضع القوات، خصوصا في آسيا. ويقول كاس إنه لأسباب واضحة، لا تعلن وزارة الدفاع بيانات حول معدل استهلاك صواريخها أو حجم مخزوناتها الفعلي.
ومع ذلك، يمكن تكوين صورة تقريبية عن وضع الصواريخ اعتمادا على تقارير الاستخدام في الشرق الأوسط ومعرفة معدلات الإنتاج الحالية لدى منتجي المعدات العسكرية الأمريكيين. ويتضح من ذلك أن الصواريخ التي تواجه أزمة إعادة تزويد أكثر حدة هي على الأرجح "إس إم 6" و"إس إم 2"، وهي صواريخ الاعتراض الرئيسية لدى البحرية الأمريكية.
وتحمي هذه الصواريخ حاملات الطائرات والمدمرات ومجموعات البرمائيات والأصول البحرية الحيوية. وخلال الحروب الأخيرة، قامت المدمرات الأمريكية في البحر الأحمر والخليج بإطلاق رشقات كبيرة مرارا للتصدي لصواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيرة هجومية. ومعدل الاستهلاك غير قابل للاستدامة، إذ تشير التقارير إلى أنه تم استخدام مئات الصواريخ في عملية "الغضب الملحمي" وحدها.
وفي المقابل، فإن شركة "آر تي إكس" المعروفة سابقا بـ "رايثيون"، وهي المقاول الرئيسي لصاروخ إس إم 6، تنتج فقط نحو 125 إلى 200 صاروخ سنويا. وبعبارة أخرى، فقد استهلكت الولايات المتحدة عدة سنوات من الطاقة الإنتاجية في بضعة أشهر فقط من العمليات القتالية ضد إيران، في حملة محدودة الفائدة الاستراتيجية.
كما أن مخزونات صواريخ "بي إيه سي 3 إم إس إي"، التي تقع أساسا ضمن اختصاص الجيش الأمريكي، تتعرض أيضا لضغط شديد. ويشكل صاروخ "بي إيه سي3-"، المرتبط بمنظومة "إم آي إم104- باتريوت" التي يطلق منها، الركيزة الأساسية للدفاع الجوي ضد الصواريخ الباليستية والأهداف الجوية المتقدمة.
لكن شركة لوكهيد مارتن تنتج حاليا ما بين 550 إلى 650 صاروخا سنويا فقط، وهذه الكمية مخصصة للقوات الأمريكية حول العالم وليس للشرق الأوسط وحده. وكانت حرب أوكرانيا قد دفعت بالفعل الولايات المتحدة إلى تحويل صادرات "بي إيه سي 3" من حلفاء حلف شمال الأطلسي إلى أوكرانيا خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، أما الأزمة الحالية في الشرق الأوسط فقد زادت الوضع سوءا.
وأدى النقص إلى استثمارات ضخمة جديدة في إنتاج "بي إيه سي 3"، إضافة إلى حلول مبتكرة مثل الاستعانة بالإنتاج الخارجي في دول أخرى، إذ رخصت شركة لوكهيد مارتن إنتاج الصواريخ لليابان لإعادة تصديرها إلى الولايات المتحدة. كما أن صاروخ "إيه آي إم 120 أمرام"، وهو صاروخ جو جو متعدد الاستخدامات، يتعرض بدوره لضغط. والمشكلة أن هذا الصاروخ يستخدم على نطاق واسع، إذ تعتمد عليه القوات الجوية والبحرية الأمريكية، والقوات الجوية الحليفة في حلف شمال الأطلسي والمحيط الهادئ وأوكرانيا، وأنظمة الدفاع الجوي "ناسامس".
وكل هؤلاء المستخدمين يسحبون من خط إنتاج واحد، إذ تنتج الشركة المصنعة له نحو 1200 صاروخ سنويا، رغم أنها تخطط لمضاعفة القدرة الإنتاجية بحلول عام2028 وقد استثمرت بالفعل في خطوط إنتاج جديدة. وللتخفيف من النقص، يقال إن البنتاجون يدرس أيضا شراء مخزونات قديمة من الصاروخ من الدول الشريكة.
ويقول كاس إن القيود الأساسية ليست مالية، بل تتعلق بالقدرة الصناعية، إذ توجد عدة مدخلات رئيسية يصعب زيادة إنتاجها، ما يخلق اختناقات في سلسلة توريد الصواريخ. والخلاصة أن القاعدة الصناعية صممت للإنتاج التدريجي في وقت السلم، وليس لزيادة مفاجئة في وقت الحرب. وتستجيب واشنطن بقوة، بالطريقة الوحيدة التي تعرفها. فقد شهدت ميزانيات الدفاع الأخيرة زيادات كبيرة في تمويل المشتريات. إذ ارتفع تمويل صواريخ "إس إم" من 26ر1 مليار دولار إلى 5ر8 مليار دولار بين السنة المالية 2026 والسنة المالية 2027 . والهدف هو إعادة بناء المخزونات مع توسيع القدرة الإنتاجية المستقبلية. لكن للأسف، لا يمكن إعادة تزويد الصواريخ بسرعة. فحتى مع توفر كل الأموال الممكنة، لن يعود مخزون "إس إم 6" إلى مستويات ما قبل عام 2025 إلا في عام 2028 و2029، و"بي إيه سي 3" حتى منتصف 2029 وثاد حتى أواخر2029 أما صاروخ توماهوك، وهو صاروخ كروز استخدم أيضا بكثافة في إيران، فحوالي عام .2030 وتتطلب العديد من صواريخ الاعتراض المتقدمة نحو عامين من الإنتاج من مرحلة تصنيع المكونات حتى التسليم النهائي.
ويختتم كاس تقريره بأن هذه الفجوة الزمنية تحمل عواقب استراتيجية كبيرة. إذ تعتمد خطط البنتاجون في منطقة المحيط الهادئ بشكل كبير على "إس إم 6" وباتريوت وثاد، وهي أسلحة ستكون حاسمة في أي صراع مع الصين. وكل صاروخ اعتراض يطلق في الشرق الأوسط يعني صاروخا أقل متاحا في المحيط الهادئ. وبالتالي فإن استخدام صواريخ اعتراض باهظة التكلفة لمواجهة طائرات مسيرة رخيصة في الشرق الأوسط يمثل خسارة استراتيجية.