متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي :
استضاف النادي الثقافي مساء أمس جلسة تأبينية بعنوان "خميس العدوي.. شهادات وفاء" احتفاء بمسيرة المفكر والباحث العُماني الراحل خميس بن راشد العدوي واستذكارا لإسهاماته الفكرية والثقافية والبحثية، وذلك بحضور معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام، وبمشاركة عدد من المثقفين والباحثين والأكاديميين من داخل سلطنة عُمان وخارجها، فيما أدار الجلسة الباحث أحمد بن أحمد النوفلي.
واستهلت الأمسية بعرض فيلم وثائقي استعرض محطات من حياة الراحل ومسيرته الفكرية والثقافية، متوقفا عند أبرز مؤلفاته وإصداراته ومشاركاته البحثية، إلى جانب حضوره في المؤسسات الثقافية والفكرية وإسهاماته في إثراء المشهد الثقافي العُماني والخليجي، وما تركه من أثر معرفي وإنساني لدى زملائه وتلامذته ومحبيه.
قيم راسخة
في كلمة ألقاها نيابة عن عائلة الراحل استعاد أحمد العبري جانبا من سيرة خميس العدوي الإنسانية والفكرية، مشيرا إلى أن ما تركه الراحل منظومة من القيم والمبادئ التي ظل يؤمن بها ويدافع عنها في حياته العامة والخاصة، حيث كان منحازا إلى الحرية المسؤولة وإعمال العقل واحترام الاختلاف، وأنه تعامل مع المعرفة باعتبارها وسيلة لفهم الإنسان والحياة لا أداة للإقصاء أو التصنيف.
وأشار "العبري" إلى أن الراحل آمن بالحوار سبيلا للتقارب بين الناس، وبأهمية التفكير النقدي في بناء الوعي، وظل حريصا على ترسيخ هذه القيم في محيطه الأسري والثقافي، مؤكدا أن أثره تجاوز حدود الأسرة والأصدقاء ليصل إلى أجيال من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي الذين وجدوا في تجربته نموذجا للباحث المنفتح على الأسئلة الكبرى للمعرفة والإنسان.
وأضاف أن خميس العدوي ظل وفيا لقناعاته الفكرية والأخلاقية، وأن حضوره لم يكن مرتبطا بالمناصب أو الأدوار الرسمية بقدر ما ارتبط بما حمله من صدق في الموقف ونزاهة في التفكير وحرص دائم على خدمة الثقافة والمعرفة، وهي القيم التي ستبقى حاضرة في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه وتتلمذوا على أفكاره.
مركز الندوة
من جانبه تحدث سالم الهميمي عن العلاقة التي جمعت الراحل خميس العدوي بمركز الندوة الثقافي، مشيرا إلى أن "العدوي" كان أحد الأسماء التي ارتبطت بالمركز منذ سنواته الأولى وأسهمت في ترسيخ حضوره في فضاء الحوار والمعرفة وتبادل الأفكار، وأن هذا الحضور لم يكن مقتصرا على المشاركة في الأنشطة والبرامج الثقافية، وإنما امتد إلى الإسهام في بناء رؤية المركز وتطوير مسارات عمله وتعزيز دوره في المشهد الثقافي العُماني، فالراحل آمن بأهمية العمل الثقافي القائم على الشراكة والانفتاح واحترام التعددية الفكرية، وهو ما انعكس على طبيعة حضوره في المركز وعلى علاقته بالمثقفين والباحثين من مختلف الاتجاهات، حيث ظل حريصا على أن يكون الحوار مدخلا للتفاهم وبناء المعرفة.
وأضاف أن الراحل ترك أثرا واضحا في ذاكرة المركز ورواده من خلال ما عُرف به من تواضع وسعة أفق وحرص على تشجيع المبادرات الثقافية ودعم الأجيال الشابة، حيث أن ما أنجزه على امتداد سنوات طويلة سيبقى جزءا من الذاكرة الثقافية للمركز ومن التجربة الثقافية العُمانية بصورة عامة.
حب عُمان
وفي شهادته استعاد صلاح الدين قوجه جوانب من علاقته بالراحل خميس العدوي، متوقفا عند حضوره الثقافي والإنساني واتساع اهتماماته المعرفية وقال: أن ما ميّز "العدوي" لم يكن فقط اشتغاله بالفكر والثقافة، وإنما ارتباطه العميق بعُمان وتاريخها وإنسانها وحرصه المستمر على قراءة التحولات التي شهدها المجتمع العُماني من منظور ثقافي وإنساني واسع، حيث امتلك قدرة لافتة على بناء الجسور بين الناس وبين الأفكار المختلفة، وظل منفتحا على الحوار والتفاعل مع الآراء المتنوعة دون أن يفقد استقلاليته الفكرية أو وضوح مواقفه.
كما استذكر "قوجة" لقاءات ومواقف جمعتهما على امتداد سنوات طويلة، عكست ما كان يتمتع به الراحل من تواضع ودماثة خلق واهتمام حقيقي بالإنسان وقضاياه، مؤكدا أن رحيل خميس العدوي لا يمثل خسارة لأسرته وأصدقائه فحسب، وإنما للمشهد الثقافي العُماني والخليجي أيضا، لما تركه من أثر في مجالات الفكر والكتابة والعمل الثقافي، وما مثّله من نموذج للمثقف الذي جمع بين المعرفة والانفتاح والالتزام بقضايا مجتمعه.
رسالة باقية
وتضمنت الأمسية شهادة مسجلة للدكتور نادر رجب من مملكة البحرين، استعاد فيها جوانب من تجربته مع الراحل خميس العدوي، مشيرا إلى ما جمعهما من اهتمام مشترك بالفكر والثقافة وقضايا المعرفة، وأنه كان صاحب مشروع فكري واضح يقوم على البحث والحوار والانفتاح على الأسئلة الكبرى المرتبطة بالهوية والثقافة والتحولات الاجتماعية. وأشار إلى أن الراحل امتلك حضورا مؤثرا لم يكن تأثيره محصورا في ما كتبه ونشره من مؤلفات ودراسات، وإنما في قدرته على تحفيز النقاشات الفكرية وإثراء الحوارات الثقافية التي شارك فيها على امتداد سنوات طويلة، كما لفت إلى أن العدوي حافظ على استقلاليته الفكرية وحرصه الدائم على تقديم رؤى تستند إلى المعرفة والبحث بعيدا عن الأحكام الجاهزة أو المواقف المسبقة.
ذاكرة عابرة
ومن فرنسا قدّم الدكتور مهدي عياشي شهادة مسجلة أوضح فيها أن الراحل امتلك حسا إنسانيا عميقا جعله قريبا من الناس ومن قضاياهم، وأنه جمع بين الرصانة الفكرية والتواضع الشخصي، فكان قادرا على إدارة النقاشات الفكرية بهدوء وانفتاح واحترام للاختلاف، مؤكدا أن ما يميز تجربة خميس العدوي هو قدرته على الجمع بين الانتماء العميق لبيئته وثقافته المحلية والانفتاح على الفضاء الإنساني الأوسع، الأمر الذي منح مشروعه الفكري بعدا يتجاوز الإطار المحلي ويجعله جزءا من حوار ثقافي ومعرفي أكثر اتساعا.
المقال العميق
من جانبه استعاد عاصم بن سالم الشيدي رئيس تحرير جريدة عُمان جانبا من علاقته بالراحل خميس العدوي، مشيرا إلى أن معرفته به بدأت من خلال المقالات التي كان ينشرها في ملحق "شرفات"، والتي شهدت سجالات حول عدد من القضايا الثقافية والفكرية، وظلّت تلك السجالات عالقة في الذاكرة لما اتسمت به من عمق في الطرح وابتعاد عن المعالجات السريعة والتسطيح الذي يطغى أحيانا على النقاشات اليومية.
وأشار "الشيدي" إلى أن علاقته بالعدوي تعززت بعد التحاقه بجريدة عُمان حيث أتيحت له فرصة التعرف إليه عن قرب ومرافقته في عدد من المناسبات والأسفار، وأن الراحل كان من القلة الذين ينظرون إلى القضايا من زوايا متعددة، فعندما يكتب في السياسة أو الثقافة أو الشأن العام كان يربط بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، ويقرأ الظواهر في سياقاتها المختلفة دون أن يطغى جانب على آخر.
كما تحدث عن المقال الأسبوعي الذي كان العدوي يكتبه في جريدة عُمان خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن تنوع موضوعاته كان يثير نقاشا داخل هيئة التحرير حول موقع نشره وهو ما عكس اتساع اهتماماته وصعوبة حصر كتاباته في حقل واحد. مؤكدا أن "العدوي" كان من الكتّاب الذين أثروا الجريدة بمقالاتهم المنتظمة خلال السنوات الأخيرة وأن كتاباته كانت تحظى بمتابعة وتقدير لما تتسم به من عمق وجدية.
ودعا "الشيدي" إلى تنظيم قراءات ودراسات أكثر عمقا لمشروع خميس العدوي الفكري مشيرا إلى أن رحيله يجعل من الضروري إعادة قراءة هذا المنجز في سياقه العلمي والتاريخي، والنظر إلى أفكاره وكتاباته باعتبارها مشروعا متكاملا يستحق الدراسة والتحليل مؤكدا أن أفضل أشكال الوفاء للراحل تتمثل في الانشغال الجاد بإرثه الفكري والمعرفي واستحضاره في النقاشات الثقافية المقبلة.
الأخلاق أولا
من جانبها استحضرت الدكتورة شميسة النعماني جوانب من علاقتها الشخصية والمهنية بالراحل خميس العدوي وقالت إن الحديث عنه لا يقتصر على كونه مفكرا وباحثا ومثقفا عرفه الجميع، بل يمتد إلى كونه أستاذا وأخا وسندا ومرآة للحوار المنفتح ونموذجا للتفكير الحر، مؤكدة أن رحيله شكّل فقدانا لشخصية كانت تمثل معيارا أخلاقيا وإنسانيا لدى كثيرين ممن عرفوه وعملوا معه.
واستعادت "النعمانية" بدايات عملها معه في الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء وأنه كان من أوائل الداعمين لها في مسيرتها المهنية، وتوقفت كذلك عند دعمه لها خلال فترة دراستها للدكتوراه في المملكة المتحدة، معتبرة أن هذا الموقف ظل واحدا من أكثر المواقف الإنسانية تأثيرا في حياتها. كما أشارت إلى تعاونها معه في تحرير كتاب "عُمان في زمن كورونا"، حيث لمست عن قرب منهجه في العمل الثقافي القائم على المسؤولية المجتمعية والإيمان بأهمية إيصال الصوت الثقافي إلى الناس.
وأكدت أن خميس العدوي ظل حتى أسابيعه الأخيرة مشغولا بالمبادرات والأفكار الثقافية الجديدة، إذ اقترح عليها العمل معه في مشروع بودكاست ثقافي قبل رحيله بوقت قصير، معتبرة أن ما تركه لا يقتصر على منجزه الفكري لكنه يمتد ليشمل منظومة من القيم والأخلاق والمواقف التي ستبقى حاضرة في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه.
جمعية الكتّاب
وتوقفت الدكتورة سعيدة خاطر عند مسيرة خميس العدوي في الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء، مشيرة إلى أنه كان من أوائل المنضمين إليها منذ تأسيسها، واستعرضت المراحل التي شغل خلالها مناصب مختلفة في مجلس إدارة الجمعية، وأشارت إلى أن العدوي أسهم من خلال عمله في الجمعية في تنظيم عدد من الفعاليات والبرامج الثقافية والمؤتمرات، وكان مهتما ببناء الوعي الثقافي وتعزيز الحوار الفكري على مستوى سلطنة عُمان ومنطقة الخليج العربي. كما استعرضت جانبا من إصداراته ومشروعاته الفكرية المرتبطة بالجمعية، ومنها كتاب "الفكر ودوره في بناء الوعي في الخليج العربي" الذي تولى تحريره، وكتاب "عُمان في زمن كورونا" الذي شارك في تحريره، إلى جانب عدد من مؤلفاته الفكرية الأخرى، و أن مسيرته في الجمعية امتدت على مدى سنوات طويلة بين المسؤولية الإدارية والعمل الثقافي والفكري.
اختلاف واتفاق
وأعتبر الدكتور محمد المعشني أن من أبرز ما ميّز شخصية "العدوي" الفكرية قدرته على الجمع بين الاتفاق مع محيطه الثقافي والديني والاجتماعي والاختلاف عنه في الوقت ذاته، وهي سمة رأى أنها لا تتوافر إلا لدى الشخصيات الاستثنائية القادرة على بناء رؤيتها الخاصة دون القطيعة مع بيئتها ومرجعياتها.
وأوضح "المعشني": أن الراحل انطلق في مشروعه الفكري من الثوابت الكبرى التي يؤمن بها المجتمع لكنه سعى إلى إعادة النظر في عدد من القضايا والمفاهيم المتداولة وقراءتها من زوايا مختلفة مستشهدا بطرحه لقضايا تتصل بمفهوم الغيب والسنة والإمامة والنظرية السياسية الإسلامية ومفهوم الفرقة الناجية، حيث أن العدوي لم يكن يسعى إلى هدم هذه المفاهيم أو نفيها لكن إلى توسيع دوائر النظر فيها وإخضاعها للبحث والمراجعة وإعادة القراءة.
وأضاف أن "العدوي" ظل مؤمنا بالثوابت الدينية والفكرية التي ينطلق منها المجتمع لكنه في الوقت نفسه كان يطرح اجتهادات وأسئلة تتجاوز القراءات التقليدية لبعض القضايا الفرعية، ساعيا إلى تقديم فهم أكثر اتساعا وانفتاحا دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو أن ما يقدمه يمثل نهاية المعرفة أو آخر ما يمكن قوله في هذه الموضوعات.
ورأى "المعشني" أن هذه القدرة على الجمع بين المشترك والخصوصي، وبين الانتماء والاجتهاد، جعلت تجربته أقرب إلى التجربة العُمانية نفسها، التي تحافظ على ثوابتها الدينية والثقافية وفي الوقت ذاته تمتلك خصوصيتها واجتهاداتها التي تميزها، مؤكدا أن الراحل ظل طوال مسيرته الفكرية باحثا عن الأقرب إلى الصواب من خلال الحوار والمعرفة والنقاش المفتوح.
مشروع التفكير
من جانبه تناول الدكتور زكريا المحرمي المشروع الفكري لخميس العدوي من زاوية التحولات التي شهدها الخطاب الديني والفكري في عُمان خلال العقود الأخيرة، مشيرا إلى أن الراحل ظهر في سياق ثقافي اتسم بتنامي تأثير تيارات الصحوة الإسلامية وما رافقها من جدل حول عدد من القضايا العقدية والفكرية، ورأى أن أهمية العدوي لا تكمن في انخراطه في تلك السجالات التقليدية، وإنما في انتقاله إلى أسئلة أخرى أكثر اتصالا بحياة الناس ووعيهم اليومي.
وأوضح أن "العدوي" وجّه اهتمامه إلى القضايا المرتبطة بالخرافة والمعتقدات الشائعة وتأثيرها في المجتمع، متوقفا عند كتابه "الإيمان بين الغيب والخرافة" حيث أن طرحه شكّل صدمة لدى بعض القراءات التقليدية لأنه نقل النقاش من الجدل النظري إلى مساءلة الموروث السائد وإخضاعه للفحص والنقد، فـ "الراحل" آمن بأهمية التفكير وإعمال العقل، وظل طوال مسيرته منخرطا في طرح الأسئلة ومراجعة الأفكار السائدة، كما أن قيمته الفكرية لا تختزل في المقالات التي كتبها أو القضايا الآنية التي ناقشها، بل في كونه أحد الأصوات التي سعت إلى توجيه العقل العُماني نحو القضايا المرتبطة ببناء الحياة والوعي والمعرفة. كما أشار إلى أن العدوي تعامل مع القراءة باعتبارها مدخلا إلى الفعل والإنتاج المعرفي وهو ما انعكس في مشاريعه الفكرية والثقافية المتعددة التي ظل يعمل عليها حتى سنواته الأخيرة.
وأكد "المحرمي" أن خميس العدوي ترك وراءه مشروعا فكريا ما زالت كثير من أسئلته وأفكاره مفتوحة على النقاش، وأن ما أنجزه يمثل أرضية يمكن البناء عليها واستكمالها من قبل محبيه والمهتمين بإرثه الفكري والمعرفي.
رؤية مؤسسية
وفي آخر الشهادات تناول عوض اللويهي تجربة خميس العدوي في المنتدى الأدبي، متوقفا عند المرحلة التي تولى خلالها رئاسة المنتدى عام 2015، مشيرا إلى أنه جاء حاملا رؤية لتطوير المؤسسة والبناء على منجزها البحثي والثقافي الذي تحقق عبر عقود من خلال الندوات العلمية وإصدارات المنتدى التي شكلت مراجع مهمة في التاريخ والفكر والحضارة العُمانية.
وأوضح أن "العدوي" وضع تصورا يمتد بين عامي 2015 و2025 لتطوير المنتدى الأدبي وتحويله إلى بيت خبرة وإنتاج معرفي وبحثي يقوم على إعداد الدراسات والبحوث المعمقة ونشر الكتب العلمية التي تثري المكتبة العُمانية والعربية، وتقدم قراءة أوسع للثقافة العُمانية ومكوناتها الحضارية والفكرية، كما كان يؤمن بأهمية الاستثمار في الجانب الثقافي والمعرفي بما يتيح للمؤسسة تنويع مصادر دخلها وتعزيز استدامتها إلى جانب الدعم الحكومي.
وأشار إلى أن من أبرز القضايا التي شغلت "العدوي" بناء هيكل إداري أكثر قدرة على تحقيق أهداف المنتدى، من خلال توفير كادر متخصص وتوسيع الصلاحيات الإدارية والمالية، وإتاحة مساحة أكبر من الاستقلالية للمؤسسات الثقافية، انطلاقا من قناعته بأن العمل الثقافي يحتاج إلى قدر من المرونة والتمكين يتيح له أداء دوره المعرفي والتنويري بكفاءة أكبر.
كما استعاد ما عُرف به الراحل من أحلام كبيرة وتطلعات واسعة تجاه مستقبل الثقافة في عُمان، مشيرا إلى أن كثيرا من الأفكار التي كان يطرحها بدت في وقتها بعيدة المنال، لكنها كانت قادرة على تحفيز من حوله وإيقاظ الطموح لديهم والعمل من أجل تحويل تلك الرؤى إلى واقع.
مقترحات الوفاء
وشهدت الأمسية مداخلات من الحضور استحضرت جوانب من سيرته حيث دعا مروان الحجري إلى العمل على جمع مقالاته وكتاباته المتناثرة في الصحف والمنابر المختلفة وحفظها في إصدارات توثيقية تتيح للأجيال المقبلة الاطلاع على مشروعه الفكري والمعرفي. وتناولت مداخلات أخرى أثر العدوي في المشهد الثقافي العُماني، وما عُرف به من حضور فاعل في النقاشات الفكرية والثقافية، مؤكدين أن استذكار تجربته لا ينبغي أن يقتصر على الجانب العاطفي، وإنما أن يمتد إلى الاهتمام بإرثه الفكري والبحثي والعمل على إتاحته للباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي.
شهادة شخصية
وفي ختام المداخلات، استحضرت مريم بنت حمدان المفرجية جانبا من علاقتها الشخصية بالراحل خميس العدوي، مشيرة إلى حضوره في محطات مهمة من حياتها، ولا سيما خلال فترة تدريبها في وزارة الثقافة، حيث اعتادت الرجوع إليه طلبا للمشورة والتوجيه. وأوضحت أن العدوي كان يشجعها باستمرار على القراءة والبحث والاطلاع، مؤمنا بأن المعرفة تُكتسب بالسعي والاجتهاد، وأن بناء الإنسان يبدأ من بناء وعيه ومعرفته. كما استذكرت عددا من وصاياه وكلماته التي ظلت حاضرة في ذاكرتها، معتبرة أن الأثر الذي يتركه الإنسان في عقول الناس وقلوبهم هو ما يبقى بعد الرحيل.
__________
عبدالله الحراصي: خميس العدوي مثّل الصلابة المقاومة وكتاباته جسدت عمق الثقافة العُمانية
في مداخلة له في الجلسة أكد معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام أن كتابات خميس العدوي تمثل فكرا عميقا يعبر عن عُمان ويجسد الثقافة الحقيقية في أصالتها وعمقها، وقال "معاليه": إن مقالات "العدوي" كانت تُترجم وتنشر في النسخة الإنجليزية من جريدة "عُمان أوبزرفر" لما تحمله من عمق فكري وقدرة على تمثيل عُمان بصورة حقيقية ليس بالمعنى الوطني البسيط فحسب، وإنما من خلال ما تعكسه من بناء معرفي وثقافي يسهم في صناعة المستقبل وبناء الحياة.
وأشار"معاليه" إلى أن الأجيال المعاصرة والمنطقة بأسرها تتعرض لكثير من محاولات التهشيم والتمييع، مؤكدا أن خميس العدوي كان يمثل "الصلابة المقاومة" في مواجهة هذه التحولات وما الحضور الكبير الذي شهدته الأمسية الا تجسيد في جانب منه هذه القيم التي آمن بها الراحل ودافع عنها.
واستعاد "الحراصي" جانبا من تجربته الشخصية مع الراحل موضحا أنه عمل معه وتفاعل معه لسنوات طويلة سواء في الموسوعة العُمانية أو في محطات ثقافية أخرى وقال: لـ "العدوي" دورا كبيرا في الموسوعة العُمانية، ولا سيما في البحوث والمداخل المتعلقة بالشخصيات العُمانية والأحداث التاريخية والثقافية.
وأشار معالي الدكتور عبدالله الحراصي إلى أن اللقاءات الودية التي جمعته بالراحل خلال السنوات الأخيرة كانت تمتد إلى نقاشات فكرية وثقافية أثمرت مقالات ومبادرات وفعاليات، وأسهمت أحيانا في تشكيل توجهات وسياسات ثقافية، وأن المشهد الثقافي العُماني فقد برحيل خميس العدوي قامة فكرية وثقافية كبيرة كان لها حضور مؤثر في مجالات المعرفة والثقافة والعمل العام، لكن الثقافة الحقيقية لا تموت لأن في داخلها بذور الاستمرار والحياة، وأن "العدوي" بشخصه وإنتاجه الثقافي، كان نموذجا للصفاء والصدق والوضوح والالتزام بالقيم التي آمن بها وفي مقدمتها الحرية المسؤولة والعمق المعرفي والبناء الثقافي الرصين الذي سيبقى أثره ممتدا في الأجيال القادمة.