لويس بيزارو - مارتن فيتشيت - مانيكا بالاسيغارام
على الرغم من المكاسب غير العادية التي تحققت في مكافحة الوفيات بين الأطفال وأمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية، وشلل الأطفال، والملاريا، فإن النظام الصحي العالمي يخضع لضغوط لا تنبع من الموارد المتقلصة فحسب، بل ترجع أيضا إلى التدقيق غير المسبوق والتوقعات متزايدة الارتفاع.
يشير المنتقدون، عن حق، إلى أن البنية الصحية العالمية الحالية مجزأة، وباهظة التكلفة، ولا تستجيب دائما للاحتياجات المتغيرة.
وتطالب الحكومات المانحة والمتلقية، فضلا عن جهات تمويل أخرى، على نحو متزايد، بنظام أكثر كفاءة يقلل من الازدواجية، ويكسر الحواجز بين القطاعات، ويمكّن القيادة الوطنية، ويدعم الأنظمة الصحية الوطنية.
لا شك أن هذه الإصلاحات ضرورية؛ لكن إصلاح النظام الصحي العالمي يستلزم الوضوح بشأن وظائفه الأساسية، ومن أهمها توسيع نطاق الإبداع.
لن يتسنى لنا تلبية الاحتياجات الصحية الحالية -ناهيك عن احتياجات المستقبل- بالاستعانة بأدوات الماضي. فقد أصبحت مقاومة الأدوية في ازدياد، ومسببات الأمراض تتطور، ولا يزال عدد كبير جدا من السكان عاجزين عن الوصول إلى الأدوية واللقاحات ووسائل التشخيص الجديدة. إن تحسين التنسيق وتقديم الخدمات مع إهمال الإبداع ينطوي على خطر إنشاء نظام أفضل تنظيما لكنه ليس أكثر فعالية.
التحدي الحقيقي يتمثل إذن في ضمان تمكين النظام الصحي العالمي بعد إصلاحه، والذي سيكون مدفوعا باحتياجات البلدان، من الاستمرار في إنتاج الجيل القادم من الأدوات الصحية. سوف يتطلب هذا بناء علاقات بين الحكومات، والباحثين، والجهات الممولة، والشركات المصنعة لتلبية الاحتياجات التي تعجز الأسواق عن تلبيتها.
من النماذج الواجب اتباعها «شراكة تطوير المنتجات» (PDP)، وهي منظمة غير ربحية تجمع بين القوى الفاعلة في القطاعات العامة والخاصة والأكاديمية والخيرية والمجتمع المدني لتطوير الأدوية، واللقاحات، ووسائل التشخيص لمواجهة التحديات الصحية العالمية الأكثر إلحاحا في الوقت الحاضر. يتسبب عدد كبير من هذه التحديات، من الملاريا والأمراض الـمُهمَلة وصولا إلى أشكال العدوى التي تصيب الأطفال حديثي الولادة والعدوى البكتيرية المقاومة للأدوية - في معاناة إنسانية هائلة، لكنها تقع خارج نطاق التطوير الصيدلاني التقليدي الذي يحركه السوق، وذلك بسبب التكاليف المرتفعة والعوائد غير المؤكدة. ومن جانبها، تفتقر الحكومات إلى القدرة أو الإرادة للدفع بهذه التكنولوجيات عبر مراحل التطوير حتى النهاية.
تعمل شراكات تطوير المنتجات هذه على سد الفجوة بين الإمكانيات العلمية والحلول الواقعية. فمن خلال عملها على أساس غير ربحي، يمكنها تحمل المخاطر التي تعجز الجهات التجارية عن تحملها، وإعطاء الأولوية للصحة العامة على عائدات السوق. يتعامل هذا التوجه الجديد في إدارة الحوافز مع الإبداع باعتباره منفعة عامة عالمية. على مدار ما يقرب من 30 عاما، قدمت شراكات تطوير المنتجات أكثر من 79 أداة صحية مبتكرة لنحو 2.4 مليار شخص، لتساعد بهذا الفئات السكانية المعرضة للخطر - بما في ذلك الأطفال، والمواليد الجدد، والنساء الحوامل، والأشخاص الذين يعيشون في بيئات محدودة الموارد - الأقل قدرة على الاستفادة من التطورات الطبية.
لقد شهدنا شخصيا الأثر الإيجابي الذي تخلفه شراكات تطوير المنتجات. على سبيل المثال، عمل عقار Acoziborole (أكوزيبورول)، وهو دواء فموي يؤخذ في جرعة واحدة لعلاج مرض النوم طورته «مبادرة الأدوية للأمراض المهملة» (Drugs for Neglected Diseases)، على تمهيد الطريق للقضاء على هذا المرض القاتل من خلال تحسين علاج المرضى في المناطق النائية. ويُعد كوارتم بيبي (Coartem Baby)، الذي جرى تطويره من خلال شراكة بين «مبادرة أدوية الملاريا» (Medicines for Malaria Venture) وشركة Novartis، أول دواء مضاد للملاريا مخصص للأطفال الرضع الذين يتراوح وزنهم بين 2 و5 كيلوجرامات. كما يُـعَد zoliflodacin، وهو مضاد حيوي شاركت في تطويره «الشراكة العالمية للبحث والتطوير في مجال المضادات الحيوية»، أول علاج جديد منذ عقود من الزمن يجري تطويره حصريا لعلاج مرض السيلان المقاوم للأدوية - وهو أحد أكثر التهديدات المرتبطة بمضادات الميكروبات إلحاحا وخضوعا للإهمال في العالم.
تُظهر هذه الإنجازات كيف يتسنى لشراكات تطوير المنتجات أن توفر أدوات عملية منقذة للحياة للأشخاص الذين تخلّى عنهم النظام الصيدلاني التقليدي الذي يحركه الربح. وتحقق برامج تطوير الأدوية ذلك من خلال العمل عبر سلسلة متكاملة، بدءا من الاكتشاف وصولا إلى التوزيع، بما يسمح لها بدمج وظائف غالبا ما تُعامل بشكل منفصل في أماكن أخرى من النظام الصحي العالمي.
على القدر ذاته من الأهمية، لا تتعاون شراكات تطوير المنتجات مع الحكومات فحسب، بل أيضا مع القطاع الخاص، والمؤسسات البحثية، والمجتمعات المحلية، بما يتيح لها المشاركة في الأولويات الوطنية، وإجراء التجارب في البيئات التي تتحمل وطأة المرض، وضمان ملاءمة المنتجات الجديدة، وتيسير تكلفتها، وقابليتها للاستخدام في سياقات الحياة الواقعية، وهذا أمر أساسي لكيفية عمل النموذج.
مع تحول التركيز إلى القيادة الوطنية، توضح شراكات تطوير المنتجات كيف يمكن تحقيق هذه الغاية في الممارسة العملية، من خلال الشراكة بدلا من فرض الإرشادات. وتجعل بيئة التمويل الأكثر صعوبة مثل هذا النهج أكثر أهمية في الحفاظ على التقدم المحرز.
بطبيعة الحال، لا يشكل أي نموذج منفرد حلا سحريا. ويجب أن تستمر شراكات تطوير المنتجات أيضا في التطور.
فبرغم أن منظماتنا الثلاث تتعاون بشكل وثيق منذ فترة طويلة، فإننا ملتزمون الآن بتعزيز أواصر التعاون بيننا لتجميع مزيد من خبراتنا ومواردنا، والتكيف مع الفرص العلمية والتكنولوجية الجديدة، والحد من الازدواجية، وضمان خضوعنا للمساءلة أمام المجتمعات التي نخدمها.
تقدم تجاربنا الجماعية دروسا عملية لجهود الإصلاح. يجب أن يظل نظام الصحة العالمي الذي تقوده الدول قادرا على تسليم مخرجات أساسية مثل الإبداع، والذي يمكن تحقيقه من خلال تعزيز الآليات العاملة بالفعل.
هذه ليست إضافة اختيارية: ففي غياب أدوية ولقاحات ووسائل تشخيص جديدة، لن تدوم المكاسب التي تحققت اليوم، وسوف تظل احتياجات الغد قائمة دون أن يلبيها أحد. يجب أن تظل الأساليب القائمة على الشراكة في صميم أي نظام مصمم لخدمة البلدان والمجتمعات المحلية في المقام الأول.
لويس بيزارو المدير التنفيذي لمبادرة الأدوية للأمراض المهملة.
مارتن فيتشيت الرئيس التنفيذي لمشروع أدوية الملاريا.
مانيكا بالاسيغارام هي المديرة التنفيذية للشراكة العالمية للبحث والتطوير في مجال المضادات الحيوية.