التوجيه الذي صدر عن مجلس الوزراء الأسبوع الماضي بتقييم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقمية وإعداد ضوابط لتنظيمه يبدو -للوهلة الأولى- إجراء إداريا بين إجراءات كثيرة.

غير أن التوجيه يلامس واحدا من أعمق التحوّلات التي طرأت على الطفولة منذ جيل وهو أن جزءا كبيرا من تكوين الطفل العقلي والعاطفي صار يجري خارج البيت والمدرسة، في فضاء تديره شركات لا تعرفه ولا تدين له بشيء، همّها الوحيد هو الربح، ووسيلتها إلى الربح أن تصنع وعيا على مقاس يخدمها.

ومن المفيد أن نكون دقيقين في تسمية المشكلة؛ فالخطر لا يكمن في الشاشة وحدها، وإنما في البنية الاقتصادية والتقنية التي تجعل من الانتباه موردا قابلا للبيع، ذلك أن النموذج الاقتصادي الذي تمثّله الشركات المالكة لتلك الأدوات يتحقق فيه الربح بمقدار ما يُبقي المستخدم متصلا، فتُهندَس خوارزمياته لاصطياد الانتباه وإطالته. وحين يكون المستخدم طفلا في العاشرة، أو أكبر قليلا، يتحول الأمر إلى تجربة سلوكية تُدار على كائن لم تكتمل قدرته على المقاومة ولا يملك الوعي الذي يضبط فيه سلوكه أو الحد المعقول للاكتفاء.

لهذا حظرت أستراليا المنصّات على من هم دون السادسة عشرة، وشدّدت حكومات أوروبية قيودها، استنادا إلى تراكم بحثي يربط الإفراط الرقمي باضطراب النوم والقلق وتراجع التركيز.

ومن الإنصاف الاعتراف بأن التنظيم ليس سهلا ولا بريئا من المخاطر. المنع المتسرّع، دون دراسة واعية، قد يحرم الطفل من نافذة معرفية صار العالم كله يطل منها، وقد يدفع الأكثر مهارة إلى التحايل، وقد يمنح الأسر شعورا زائفا بأن المسألة حُسمت بقرار حكومي فتتراخى عن دورها الأوسع. التجارب الدولية التي دعا مجلس الوزراء إلى الاستفادة منها تُعلّمنا الحذر بقدر ما تُعلمنا الإقدام؛ فبعضها أثبت محدوديته حين اكتفى بالحظر دون أن يبني بديلا.

لذلك فإن قيمة التوجيه الحقيقية أنه يُعيد المسؤولية إلى حيث ينبغي أن تتوزّع: بين الدولة التي تضع الحد الأدنى عبر الدراسة وسنّ القوانين، وبين الأسرة التي تملك وحدها ما لا يملكه قانون ولا توجيه. يستطيع القانون أن يرفع السن المسموح بها، لكنه لا يستطيع أن يجلس مع طفل ويصغي إليه ويُعلمه قيمة انتباهه.

سيأخذ التقييم وقته، وهذا حقه؛ فالرؤية المتكاملة لا تُبنى على عجل. أما التحول الذي يجري في عقول الأطفال فلا ينتظر اكتمال أعمال اللجان. وبين صدور التوجيه وصدور الضوابط مسافة زمنية يكبر فيها الأطفال وتتشكل عاداتهم، والرهان الأهم أن تنهض الأسر بدورها قبل التوجيه وبعده، وقبل الضوابط وبعدها؛ لأن أعمق ما يحمي الطفولة لن تجده الأسر في اللوائح، إنما تعايشه في تشكلات وعي أطفالها الذين يكبرون أمامها كل يوم.