بيروت - وفاء عواد


على مدى نحو أربعة أشهر، وتحديدًا منذ 2 مارس الفائت، كان جنوب لبنان مسرحًا للتفاوض بالنار، ومعه تحوّل لبنان إلى "صندوق بريد"، وآخر الرسائل وصلت وقفًا شاملًا ودائمًا لإطلاق النار، منصوصًا عليها في مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، التي دخلت حيّز التنفيذ الفوري بالتوقيع عن بُعد، بعد تقديم توقيتها يومًا على الساعة السويسرية، بلا احتفالية ولا مظاهر خارجة عن المألوف. إلا أنّ ما كُتب على الورق لا يطابق مواصفات الميدان جنوبًا، حيث إن إسرائيل حوّلت "المنطقة الصفراء" إلى "منطقة حمراء"، وضمّت إليها مرتفعات علي الطاهر، حيث تخوض أشرس المعارك مع مقاتلي "حزب الله"، كما هو حال النبطية ومنطقتها، التي تكاد تخلط كلّ الأوراق.
ومنذ 15 من الجاري، وبعد وقف لإطلاق النار، بقي هشًّا ومفتوحًا على كلّ الاحتمالات، وما تلاه من موافقة "حزب الله" وإسرائيل على تعليق الأعمال العدائية في اتفاق بوساطة قطرية-أمريكية-إيرانية، بحيث إن الهدنة بينهما دخلت حيّز التنفيذ بدءًا من الرابعة من مساء يوم الجمعة الفائت، بعد ليل تصعيدي صاخب، ونهار قلق على توتر وخرق ومواجهات. كان الجنوب وجهة الكثيرين من أبنائه، الذين -بالرغم من الأذى والدمار والخسارات- كان لهم مع العودة مواعيد عصيّة على الزمن والنار، فعادوا إلى قراهم بخطى مثقلة بالذاكرة والقلق في آن واحد، وخصوصًا أن إسرائيل تنصّلت تمامًا من البند الأوّل من الاتفاق الإيراني-الأمريكي، والقاضي بوقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كلّ الجبهات، بما في ذلك لبنان، واعتبرت نفسها غير معنية به. وعلى الرغم من دعوات التريّث، فإن مشهد "الحشر" إبان النزوح انقلب عودة الآلاف بالاتجاه المعاكس، فهم أصحاب الأرض وملّاكها، دفعوا ضريبتها غالية. وإلى مناطقها الآمنة عادوا، مع التقيّد ببيان الجيش اللبناني الذي دعاهم إلى عدم التوجه نحو القرى الحدودية.
"هدنة هشّة"
وما بين المشهدين، بدا وقف النار الجديد، الذي سرى مفعوله في الساعة الرابعة بعد ظهر أمس، شديد الهشاشة وقابلًا للانهيار التامّ من اللحظة الأولى لسريانه، إذْ تواصلت عمليات القصف المدفعي والغارات الجوية جنوبًا، وإن تراجعت حدّتها نسبيًا، ما أعاد تسليط الأضواء على الساحة اللبنانية باعتبارها نقطة تشابك وتعقيد أولية للعوامل التي أدّت إلى تفجير "اللغم الأوّل" أمام مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية. أمّا في المعلومات المستقاة من أكثر من مصدر، فإشارة إلى أن مذكرة التفاهم غير الواضحة بالنسبة إلى لبنان وإلى الدور الإيراني فيه، وخصوصًا بالنسبة إلى وضع "حزب الله" ودوره مستقبلًا، هي التي تحدّد اتجاهات المرحلة المقبلة. ولذلك، كانت المفاوضات بالنار في الجنوب والبقاع البديل خلال الساعات الماضية عن المفاوضات الدبلوماسية في "بورغنشتوك" السويسرية، وهذا يعني أن ما تبقّى من الأيام الستين المقبلة خطِر وحساس، والمعيار هو جنوب لبنان، وأن صمود وقف إطلاق النار يعني أن المحادثات في سويسرا يمكن أن تحقق نتيجة. أمّا على الجانب الآخر من الصورة، فقراءتان مختلفتان لما يجري؛ الأولى ترى أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني فتح مسارًا جديدًا في الشرق الأوسط، ولبنان من ضمنه، أمّا الثانية فتشير إلى أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن إسرائيل ستبذل كلّ ما باستطاعتها لتمنع ترجمة الاتفاق إلى وقائع سياسية وأمنية في لبنان.
وما بين المشهدين أيضًا، اعتبرت أوساط "حزب الله" أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني لم يأتِ منسجمًا مع رؤية تلّ أبيب، الأمر الذي يفسّر استمرار محاولاتها لتعطيله أو الالتفاف عليه، في حين ضجّت القراءات المتعدّدة بالأسئلة المرتبطة بهذا السياق، ومفادها: هل أُعيد ربط لبنان بالمسار الإيراني؟ وعلى هذا، ما هو تأثير هذا التطور على الجولة الخامسة من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية الأسبوع المقبل في واشنطن؟
"طاولة واشنطن"
وفي معرض الإجابة عن هذين السؤالين، أشارت مصادر سياسية متابعة إلى أنه على الرغم من التصعيد الإسرائيلي، ومحاولة فرض معادلات ميدانية جديدة، وتحقيق المزيد من المكاسب عبر التمدّد والتوسّع واحتدام المواجهات بين القوات الإسرائيلية و"حزب الله"، شُغِّلت المحرّكات الدولية والإقليمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعدم انزلاق الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه، فنشطت الجهود على الواقع اللبناني المشتعل.
وعلى واقع الالتزام من الطرفين، معطوفًا على الأدوات الشرطية، دخل لبنان في أجواء التحضيرات لجولات المفاوضات المباشرة في واشنطن الأسبوع المقبل، وعلى مدى ثلاثة أيام، حيث ستضمّ الجلسة الأولى الوفدين العسكري والدبلوماسي، على أن تكون الثانية للعسكري والثالثة للدبلوماسية وحدها. ومن المفترض، بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التطبيق الفعلي، أن يستأنف الوفد اللبناني مفاوضاته من البند الثاني، ألا وهو الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، علمًا أن إسرائيل سبق لها أن حاولت في الأيام الأخيرة -عبر الضغط بالنار- رسم وقائع ميدانية جديدة لتحويلها إلى أوراق تفاوضية على الطاولة، وأبرزها التمسّك بالمنطقة الأمنية داخل الأراضي اللبنانية.
أمّا على الخطّ اللبناني، فتقول المعلومات إنّ ورقة "إعلان النوايا" خضعت لإعادة قراءة ونقاش وترتيب، على ضوء التطوّرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وقد غادر الوفد اللبناني متوجهًا إلى واشنطن، مزوّدًا بتوجيهات المراجع السياسية اللبنانية مجتمعة.
وعليه، تتجه الأنظار إلى المفاوضات المباشرة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، يوم 23 و24 و25 من الشهر الجاري، التي ستركّز مجددًا على تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وفق تأكيد مصادر رسمية لـ"عُمان"، والاتفاق على نموذج تجريبي يقضي بانتشار الجيش اللبناني في مناطق محدّدة في الجنوب، في محاولة لسحب سلاح "حزب الله" مقابل الانسحاب الإسرائيلي منها؛ وذلك في إطار ترتيبات سياسية شاملة للمرحلة المقبلة، أو لما بات يُعرف بـ"اليوم التالي". علمًا أن النقاش يتركّز حول ماهية هذه المناطق؛ فهل تكون منطقة قلعة الشقيف، وأرنون، ويحمر، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية؟ أم الطرح الذي قدّمه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، القاضي بالانسحاب من الأقضية، على أن يبدأ من قضاء النبطية، ثم قضاء صور، وصولًا في مرحلة لاحقة إلى قضاءي مرجعيون وبنت جبيل؟ وماذا عن النقطة العالقة، المتمثلة برفض "حزب الله" مبدأ سحب السلاح إلا بعد الانسحاب الكامل، وضمن استراتيجية دفاعية تعتمد مبدأ "احتواء السلاح"؟