1. تتويج

طوال الوقت كان عدم الارتياح والتَّوتُّر باديَيْن على محيَّاه، فهذا ما نقلته الكاميرات الفوتوغرافيَّة والتلفزيونيَّة إلى الملأ بصورة واضحة للجميع، ما تسبَّب في حالة من القلق الوطنيٍّ الذي تراوح بين الشُّعور بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه والتعاطف معه، وبين ترجيح أنه سيعلن الحرب على الجيران الذين أمعنوا في استفزازاتهم.

لكنه، فور انتهاء حفل التَّتويج المهيب، هرع إلى المرحاض المطرَّز بالذهب، وتأوَّه بارتياح.

2. مطبخ

هرع الأول جالبًا ما طلبه الثاني. «تفضَّل يا سيدي»، قال الخادم. تفكَّر برهةً وهو يحدِّق في الفراغ، وحكَّ رأسه قبل أن يسأل: «في أي وقت من اليوم نحن»؟

ردَّ الخادم: «لا علم لي يا سيدي».

3. مملكة

دخل إلى غرفته الشَّاسعة الملاصقة لقاعة اجتماعات الطوارئ القصوى، فاستقبله هواء راكد ونتن في مساحة فارغة، وموحشة، ومليئة بالأشباح وخيوط العناكب التي تغلِّف صور أجداده الصَّامتة على الجدران العالية، فسعل وغطَّى أنفه بالوشاح المُذَّهب المائل إلى الصُّفرة الباهتة، اقشْعرَّ.

كان ذلك آخر الأحداث الموثَّقة قبل زوال المملكة.

4. أب

لم يُثِر ذلك فضولي على نحوٍ خاص، بل إنني كنت أقرب إلى اللامبالاة والفتور حين علمتُ بالنبأ. أظن أن الأمر بسبب طبيعة العمل المليء بأحداث استثنائيَّة فيها الكثير من الإثارة في كل يوم تقريبًا، لكنها صارت روتينية ومتكررة، بحيث أنها لا تستدعي اهتمامًا خاصًا أو جهدًا فريدًا. غير أني تلقيت أمرًا مباشرًا من رئيس التحرير بتغطية قصة ما جرى، وذلك في الوقت الذي كنت أتوقع فيه أن يُكَلَّف زميل غيري بتلك المهمة. وقد توقعت ذلك لسبب بسيط هو أنني سلَّمت مؤخرًا تغطيات كثيرة كنت مكلَّفًا ببعضها أصلًا، غير أن العديد منها أجريته نيابة عن بعض الزملاء الذين تعرضوا لظروف شخصيَّة غير مواتية لأداء العمل في حينه، ورئيس التحرير أول من يعلم بذلك.

في أية حال، ذهبت إلى هناك. كان المكان مليئًا بعربات عسكريَّة، وأخرى تتبع الشرطة، وأخرى غريبة الشَّكل أراها للمرة الأولى، والمكان كلُّه مطوَّق بسياج مؤقت يمنع من الاقتراب، والأضواء الحمراء والزرقاء تنير المكان.

كانت الطائرة جاثمة على منتصف المدرج تقريبًا، وغطاء قمرتها مرفوع إلى الأعلى، ومقدمتها منحنية للأمام بسبب تمزق العجلات، بينما انشغل الفنيُّون بتخليص تذخيرها المكون، حسب ما رأيت، من أربعة صواريخ تحت جناحيها.

دهشت لرؤيته بين تلك الجموع، وقلت لنفسي إني سأثير الأمر معه حين نلتقي على الغداء.

لكني لم أتحدث عن الأمر معه ونحن نتناول الطعام، ولا هو أشار إليه.

5. حانة

جلس على مقعد في الحانة المفتوحة على الشارع المزدحم.

طلب شرابا ثقيلا، وأخذ يرقب المشاة الذين يكتظ بهم الرصيف الواقع أمامه تحت المطر الغزير.

في الليلة التالية كانت هناك حانة مفتوحة على الشارع المزدحم، ومطر غزير لا أحد تحته.

6. طاغيتان

أحبَّ الرَّعيَّة الطَّاغية، وأسرفوا على أنفسهم في طاعته، وإبداء مظاهر الولاء له بطريقة تليق بالعصور المظلمة، وذلك على الرغم من أنه لم يطلب منهم أن ينحنوا أمامه بطريقة تلحق الأذى بأعمدتهم الفقريَّة فذلك من شأنه إضافة أعباء يمكن لأقسام العظام والعلاج الطَّبيعي تجنُّبها في مستشفيات الدولة، ويقبِّلوا رأسه، وكتفيه، ويديه، بل إنه - وفقًا لبعض الرُّواة من الأحياء والأموات -- كان يزجرهم حين كانوا يبالغون في الإسفاف والابتذال. ما حدث -- بشهادة الشُّهود الثّقات -- أنهم أحبَّوا الطَّاغية وأغرموا به من تلقاء أنفسهم.

وبعد ذلك، جاء الطَّاغية الثَّاني الذي تعامل معهم بطريقة أخرى

7. ظلام

في البدء كانت قريتنا وحدها، ثم جاءت الكلمة والكُتب.

قيل في النَّاموس هو الطُّوفان وما يفعل الإله بالنَّاس حين يشاء قوله، وتريد حكمته، وتضرب مغازيه في الأرض. وقد جاءت الكلمة إلى قريتنا من صوب البحر الذي أغرق اليابسة في هيولى، وشُواشًَا، وهسهسات، ودمدمات أشبه ما تكون بالتَّراتيل الخافتة والنَّاقصة في ليلٍ بهيم، وذلك قبل أن تنبثق الأعمدة من القاع في كل مكان.

لا أحد في قريتنا يعرف كيف انتصبت تلك الأعمدة حين خرجت من منتصف الماء سفينة مترنحة تحت العاصفة، حتى جنحت على الشاطئ، وخرجت منها الكائنات وهي تحمل فوانيس ملونة علَّقتها على الأعمدة.

وتلك الأعمدة لم تعد موجودة اليوم، ولا السَّفينة.

8. كوخ

عاش طوال حياته وحيدًا في كوخ صغير ومعزول على طرف الغابة، وكان يتدبَّر كل أموره بصورة عصاميَّة. لكنه، مع تقدُّم العمر إلى الحد الأرذل، تفكَّر في صباح هذا اليوم أنه لا بد أن يكون هناك، في الغابة أو على أطرافها، أناس لا يريدون أن يموتوا وحيدين. ولذلك فقد أخذ معه منظاره المقرِّب، وزوادة غذائية صغيرة، وبندقيته المزوَّد مخزنها بطلقات قليلة من باب الدفاع عن النَّفس إذا ما استدعت الضَّرورة، ودخل إلى الغابة.

حين عاد في المساء وجد كوخه مليئًا بطيور، وحيوانات، وزواحف ميتة.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني