كتبت- عهود الجيلاني
تتصاعد الجرائم الإلكترونية عاما بعد عام؛ نظرا لاتساع استخدام وسائل التقنية في حياتنا اليومية؛ ففي عام ٢٠٢٥م سجل الادعاء العام ٣٣٦٦ قضية وسط تزايد الدعوات لمعالجة الفجوة الناجمة عن ضعف الحوار الأسري، وتراجع الدور الرقابي للوالدين باعتبارهما من أبرز التحديات التي تؤثر في حماية الأطفال من المخاطر المتزايدة في العصر الحالي؛ حيث إن قضايا العنف الأسري والابتزاز الإلكتروني والتحرش عبر الإنترنت لم تعد عابرة في المجتمع، ولكنها أصبحت ظواهر تتطلب تضافر جهود مختلف مؤسسات المجتمع وأفراده؛ للحد من آثارها، وتعزيز سبل الوقاية منها، وتمكين الآباء والأمهات من الأدوات والمعارف اللازمة لحماية أبنائهم من هذه الجرائم والتصدي لها.
وتوضح عدد من الجهات المختصة لـ "عمان" العديد من الجوانب المرتبطة بالجرائم الإلكترونية والعنف الأسري وسبل الوقاية منها، والإجراءات القانونية والاجتماعية المتبعة لحماية الأفراد والأسرة والمجتمع..
يقول الدكتور راشد بن عبيد الكعبي مساعد المدعي العام: إن ما يميز التحرش الإلكتروني عن التحرش التقليدي هو استخدام وسائل التقنية الحديثة في ارتكاب الفعل مبينا أن التحرش الإلكتروني هو سلوك مخالف للقانون يؤدي إلى مضايقة شخص ما عبر وسائل التقنية الحديثة.
وأشار إلى أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (٢٠٢٦/٦١) تضمن صورا لهذه الجرائم منها استراق السمع، وتسجيل المحادثات، والتقاط الصور من دون رضا صاحبها، وتتبع الموقع الجغرافي، وتركيب الصور والأصوات بما يجعل الشخص محل ازدراء أو سخرية، فضلًا عن التهديد والابتزاز وغيرها من الأفعال المجرمة قانونًا.
وحول الأساس القانوني المعتمد لإثبات جرائم التحرش الإلكتروني قال الكعبي: لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، وهذا مبدأ عام يحدد متى يُعد الفعل جريمة تستوجب العقاب، ويُعد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المرجع الرئيس في تحديد جرائم التحرش الإلكتروني، وهو قانون حديث يواكب التطورات المتسارعة في مجال التقنية الحديثة.
تزايد القضايا الرقمية
وأفاد الكعبي أن قضايا تقنية المعلومات تتزايد عاما بعد عام؛ نظرا لاتساع استخدام وسائل التقنية في حياتنا اليومية؛ ففي عام ٢٠٢٥م سجل الادعاء العام ٣٣٦٦ قضية.
وتنبّه الادعاء العام في وقت مبكر إلى تزايد جرائم تقنية المعلومات، فعمل على تأهيل الكوادر القادرة على التحقيق واستخلاص الدليل الرقمي، وأنشأ دائرة مختصة بالتحقيق والتصرف في الجرائم الإلكترونية.
وأكد أن الادعاء العام يتخذ تدابير عاجلة في مثل هذه القضايا أولها المحافظة على الدليل الرقمي الذي يثبت حق الضحية، ثم تحديد هوية الجاني، وبعد ذلك تُتخذ الإجراءات القانونية اللازمة للوصول إليه.
وأضاف: كثيرا ما نسعى إلى نشر التوعية القانونية بين أفراد المجتمع، ونحذر من إقامة العلاقات مع المجهولين، ونقصد بهم أصدقاء العالم الرقمي، كما نؤكد دائمًا أن الحذر هو خط الدفاع الأول، وأن الثقة المطلقة في فضاء المجتمع الرقمي قد تؤدي بالإنسان في نهاية المطاف إلى الندم.
وأضاف الكعبي أن الادعاء العام سلطة تحقيق، وله في سبيل ذلك البحث عن الأدلة بالطرق القانونية المتاحة، ويعاونه في أداء مهامه الموكلة إليه مأمورو الضبط القضائي المختصون في مجالات مختلفة.
وأوضح مساعد المدعي العام أن الأدلة في جرائم التحرش الإلكتروني هي أدلة رقمية يجرى الحصول عليها من الأنظمة الإلكترونية والمواقع الإلكترونية ووسائل تقنية المعلومات المختلفة.
كما حذر من إعادة نشر المحتوى المخالف للقانون في المواقع العامة فهي جريمة يعاقب عليها القانون، ولا يُقبل تبرير الناشر فعله بأنه نقل المحتوى من مصدر آخر ولم يقم بإنتاجه بنفسه.
وأشار مساعد المدعي العام إلى وقوع بعض الأطفال ضحايا للجرائم الإلكترونية؛ نتيجة غياب الرقابة والتوجيه وضعف التوعية بمخاطر التعامل مع وسائل تقنية المعلومات مؤكدا أن المشرع شدد العقوبات إذا كان المجني عليه طفلًا.
وأوضح الدكتور الكعبي أن الجرائم الرقمية جرائم سهلة الارتكاب من حيث الوسيلة والجهد، لكنها صعبة من حيث إجراءات التحقيق فيها، وخطيرة من حيث نتائجها وآثارها. لذلك نؤكد على ضرورة أن يسارع من يقع ضحية لمثل هذه الجرائم إلى الإبلاغ عنها، وأن يتعامل مع بلاغه بحرص وسرية؛ حتى تتمكن الجهات المختصة من ضبط الأدلة والوصول إلى الجاني؛ لأن الدليل الرقمي يسهل العبث به، مما قد يؤدي إلى ضياع حق الضحية؛ حيث إن عدم إبلاغ السلطات المختصة من قبل الضحية خوفًا من الجاني أو من التأثير على حياته ومستقبله يجعله رهينة لهذا الجاني الذي يتمادى في ابتزازه. لذلك فإن مسارعة الضحية إلى إبلاغ الجهات المختصة تحقق مصلحة له، وتسهم كذلك في حماية المجتمع والوطن.
الابتزاز الإلكتروني
من جانبه، قال المقدم محمد بن سلام الهشامي، مدير العلاقات والإعلام الأمني بشرطة عُمان السلطانية: إن الابتزاز الإلكتروني يتمثل في استخدام وسائل التقنية أو شبكة الإنترنت لتهديد شخص أو إلزامه على القيام بفعل معيّن، ومن أبرز أنماط الابتزاز الإلكتروني التي يتم رصدها حاليًا تتركز في استدراج الضحايا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانتحال الشخصيات والحسابات الوهمية، وتهديد الضحية بنشر الصور أو المقاطع الشخصية، وطلب مبالغ مالية مقابل عدم التشهير أو النشر، واستغلال العلاقات العاطفية أو الثقة الإلكترونية للحصول على منفعة مادية أو معنوية.
وأشار إلى أن هذه الأفعال مجرمة بموجب التشريعات النافذة في سلطنة عُمان كقانون الجزاء العماني، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني 61/2026، وقانون مساءلة الأحداث في الحالات التي يكون أحد أطرافها حدثًا وتختلف العقوبات القانونية وفقًا لطبيعة الجريمة وظروفها، وقد تشمل السجن والغرامات المالية، مع تشديد العقوبة في حال اقتران الجريمة بالتهديد أو التشهير أو استهداف القُصّر أو استخدام وسائل تقنية متعددة، ويتم تقدير ذلك وفق التكييف القانوني لكل قضية والأدلة المتوفرة فيها.
حماية خاصة للأحداث
وبين المقدم مدير العلاقات والإعلام الأمني أن التعامل مع القضايا التي يكون أحد أطرافها حدثًا يتم وفق أحكام قانون مساءلة الأحداث والذي يهدف إلى الإصلاح والتقويم ومراعاة الجوانب الاجتماعية والنفسية، مع اتخاذ التدابير القانونية المناسبة لكل حالة.
ودعا مدير العلاقات والإعلام الأمني الأشخاص الذين يتعرضون للابتزاز الإلكتروني إلى عدم الاستجابة لطلبات المبتز، والتوقف عن التواصل معه فورًا، مع الاحتفاظ بالأدلة الرقمية وعدم حذف الرسائل أو الحسابات المرتبطة بالقضية، والتوجه مباشرةً إلى الجهات المختصة للإبلاغ واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأوضح أن التواصل الإلكتروني يتحول إلى جريمة متى ما توافرت الأركان القانونية للفعل مثل وجود تهديد أو ابتزاز أو إساءة استخدام للصور أو البيانات أو محاولة الحصول على منفعة غير مشروعة، وتقدير ذلك يتم من قبل جهات التحقيق وفق الوقائع والأدلة المتوفرة.
ولفت إلى أن بعض حالات الابتزاز تبدأ بعلاقات اعتيادية عبر وسائل التواصل، ثم تتطور إلى تبادل صور أو معلومات خاصة يستغلها الجاني في التهديد أو الابتزاز أو طلب الأموال أو إجبار الضحية على القيام بتصرفات معينة.
الأدلة الرقمية
وأشار مدير العلاقات والإعلام الأمني إلى أن الأدلة الرقمية تعتبر مهمة في التحقيق، وتشمل المحادثات الإلكترونية، والصور ومقاطع الفيديو، والروابط الإلكترونية، والحسابات المستخدمة في التواصل، وأرقام الهواتف، والحسابات البنكية المرتبطة بالفعل، والتسجيلات الصوتية، والبيانات الفنية المرتبطة بالقضية.
وأضاف: جهات التحقيق تعتمد على الوسائل الفنية والأدلة الرقمية المتاحة، وفق الإجراءات القانونية المتبعة، لذلك يُنصح دائمًا بسرعة الإبلاغ وعدم العبث بالأدلة. مبينًا أن استخدام حسابات وهمية أو بيانات مزيفة يشكل أحد أبرز التحديات في تتبع المبتزين إلكترونيًا، ويتم التعامل مع قضايا التطبيقات المراسلة المشفّرة وفق الأطر القانونية والتعاون الفني والقضائي المتاح، مع الاستفادة من الأدلة الرقمية والقرائن الفنية المرتبطة بالقضية.
التوعية خط الدفاع الأول
وأكد المقدم مدير العلاقات والإعلام الأمني أن التوعية المجتمعية تعد من أهم وسائل الوقاية من جرائم الابتزاز الإلكتروني، من خلال نشر الثقافة الرقمية الآمنة، والتحذير من مشاركة الصور والبيانات الخاصة، وتوعية أفراد المجتمع بمخاطر الحسابات الوهمية، وتنفيذ برامج ومحاضرات توعوية بالتعاون مع المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية.
عقوبات رادعة
وعن مدى اعتبار التهديد جريمة حتى دون تنفيذ، أوضح المقدم مدير العلاقات والإعلام الأمني أن مجرد التهديد أو الابتزاز أو محاولة إجبار الضحية على القيام بفعل معين مقابل عدم النشر أو التشهير، قد يشكل جريمة مكتملة الأركان قانونًا، حتى وإن لم يتم نشر الصور أو المقاطع فعليًا.
وأشار إلى أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يعاقب على الأفعال المرتبطة بالابتزاز أو التهديد أو إساءة استخدام وسائل التقنية، ومن أبرز العقوبات السجن والغرامة المالية، وقد تشدد العقوبة إذا ارتبط الفعل بنشر صور أو مقاطع أو بيانات تمس الحياة الخاصة أو السمعة أو الكرامة، وتقدر الغرامات المالية في بعض الجرائم التقنية بحسب جسامة الفعل والضرر الناتج عنه. وتُصادر الأجهزة أو الوسائل المستخدمة في ارتكاب الجريمة متى ما قررت المحكمة ذلك.
وأوضح أن المادة (40) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تنص على معاقبة كل من استخدم موقعًا إلكترونيًا أو نظامًا معلوماتيًا أو وسيلة تقنية المعلومات في تهديد شخص، أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، حتى ولو كان مشروعًا بالسجن مدة لا تقل عن سنة، ولا تزيد على (٣) سنوات، وبغرامة لا تقل عن (١٠٠٠) ريال عماني، ولا تزيد على (٣٠٠٠) ريال عماني. وتكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن (٣) سنوات، ولا تزيد على (١٠) سنوات، وبغرامة لا تقل عن (٣٠٠٠) ريال عماني، ولا تزيد على (١٠٫٠٠٠) ريال عماني، إذا كان التهديد أو الابتزاز بارتكاب جناية، أو بإتيان أمور مخلة بالشرف أو الكرامة.
وبين أن المادة (36) من القانون تنص على معاقبة كل من استخدم موقعًا إلكترونيًا أو نظامًا معلوماتيًا أو وسيلة تقنية المعلومات بقصد الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد بالسجن مدة لا تقل عن (٣) أشهر، ولا تزيد على (٣) سنوات، وبغرامة لا تقل عن (١٠٠٠) ريال عماني، ولا تزيد على (٥٠٠٠) ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
..................
الحوار الأسري
وقالت حوراء بنت شرف الموسوي مديرة دائرة الإرشاد والاستشارات الأسرية بوزارة التنمية الاجتماعية: يُعدّ الحوار الأسري الواعي والمستمر من أهم العوامل التي تسهم في بناء أسرة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات والمتغيرات الاجتماعية المعاصرة. فالحوار لا يقتصر على تبادل الحديث بين أفراد الأسرة، بل يمثل وسيلة تربوية واجتماعية فعّالة لتعزيز الثقة والاحترام المتبادل، وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية، وخلق مساحة آمنة تُمكّن الأبناء من التعبير عن أفكارهم ومخاوفهم وتساؤلاتهم دون تردد أو خوف من النقد أو العقاب. وتشير العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن الأسر التي تعتمد الحوار نهجًا دائمًا في تعاملاتها تكون أكثر قدرة على احتواء المشكلات ومعالجتها في مراحلها المبكرة، مقارنة بالأسر التي يغيب فيها التواصل الفعّال أو يقتصر على التوجيه والأوامر.
وأضافت: في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، وما يصاحبها من تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي والتغيرات الثقافية والفكرية، تبرز أهمية الحوار الأسري بوصفه خط الدفاع الأول في حماية الأبناء من العديد من التحديات والمخاطر. فعندما يجد الأبناء من يستمع إليهم، ويمنحهم الاهتمام والتوجيه داخل الأسرة يصبحون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات سليمة والتعامل مع الضغوط المختلفة بثقة ووعي. فعلى سبيل المثال؛ يمكن للحوار المنتظم بين الوالدين والأبناء أن يسهم في الحد من المشكلات المرتبطة بالاستخدام المفرط للتقنيات الحديثة، أو التأثر بالأفكار والسلوكيات السلبية المتداولة عبر المنصات الرقمية، من خلال النقاش الواعي والتوجيه القائم على الإقناع لا على المنع فقط.
وأكدت أن الحوار الأسري يؤدي دورًا محوريًا في الحد من الخلافات الأسرية وسوء الفهم بين أفراد الأسرة، إذ يساعد على توضيح التوقعات المتبادلة، وفهم احتياجات كل فرد، وإيجاد حلول مشتركة للمشكلات اليومية. وفي كثير من الحالات تكون المشكلات السلوكية أو التعليمية أو النفسية التي يواجهها الأبناء انعكاسًا لضعف التواصل داخل الأسرة أو غياب المساحات التي تسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم وتحدياتهم. ومن هنا، فإن تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة لا يسهم فقط في معالجة المشكلات القائمة، بل يمثل استثمارًا طويل الأمد في بناء أجيال أكثر وعيًا واتزانًا وقدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع ،وعليه، فإن ترسيخ الحوار الأسري باعتباره ممارسة يومية قائمة على الإصغاء والاحترام والتفاهم المتبادل يُعدّ من أهم الحلول الوقائية والعلاجية للقضايا الأسرية والاجتماعية، وأحد المرتكزات الأساسية لتعزيز الاستقرار الأسري، وحماية الأبناء، ودعم التنمية الاجتماعية المستدامة.
.................................................................
العنف الأسري .. الأطفال الأكثر تضررا
وفي جانب آخر أوضح هيثم بن سالم الخضوري، مدير دائرة الحماية الأسرية بوزارة التنمية الاجتماعية أن العنف الأسري هو نمط من السلوكيات العدوانية التي يمارسها أحد أفراد الأسرة ضد فرد آخر داخل إطار العائلة (مثل الزوج، الزوجة، الأطفال، أو كبار السن)، وأشار إلى أن هناك أنواعا عديدة منها العنف الجسدي، والنفسي، واللفظي، والجنسي، والإهمال والعنف الاقتصادي.
وأشار إلى تسجيل حالتين لنساء و(33) حالة من الأطفال الذين تم إيداعهم في دار الحماية خلال الربع الأول من العام الجاري.
ولفت إلى أن أكثر أنواع العنف انتشارا حسب التقرير الربعي الأول لعام 2026م لوزارة التنمية الاجتماعية هو الإهمال ثم الإساءة الجسدية، وفئة الأطفال هي الأكثر تعرضا للعنف.
وأرجع الخضوري الفجوة بين ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي وانخفاض البلاغات الفعلية إلى عدة عوامل مترابطة؛ إذ إن زيادة الوعي لا تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مباشر في الإبلاغ، ومن أبرز التفسيرات: الخوف من الوصمة الاجتماعية أو التفكك الأسري، والخوف من العواقب أو الانتقام، وضعف الثقة أو محدودية المعرفة، والتطبيع مع بعض أشكال العنف أو الإساءة، والعوامل النفسية والعاطفية، ووجود بدائل غير رسمية للحل.
وأوضح أن الوزارة أتاحت قنوات للإبلاغ عن حالات العنف الأسري من بينها الخط الساخن لحماية الطفل على رقم 1100 ومركز الاتصالات التابع للوزارة رقم 1555. والإجراء الفوري للتعامل مع الحالات يكون بتقديم بلاغ فوري وإيداع الأسرة في دار الحماية بشكل عاجل، كما يتم – في بعض الحالات –التنسيق مع شرطة عمان السلطانية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات تضمن سلامة الضحايا.
حماية الطفل أولوية
وأشار الخضوري إلى أن وزارة التنمية الاجتماعية توفر منظومة متكاملة من خدمات الحماية والرعاية للضحايا، انطلاقاً من حرصها على ضمان سلامتهم الجسدية والنفسية والاجتماعية؛ حيث يتم التعامل مع الحالات بسرية وخصوصية عالية من خلال فرق متخصصة تعمل وفق منهجية مهنية وإنسانية، وتشمل الخدمات المقدمة الدعم الاجتماعي من خلال دراسة أوضاع الحالة، وتقييم احتياجاتها ووضع خطط التدخل المناسبة، إضافة إلى تقديم الإرشاد الأسري والعمل على تعزيز الاستقرار الأسري متى ما كان ذلك في مصلحة الحالة، كما يتم توفير الدعم المناسب عبر الجلسات الإرشادية والعلاجية التي تساعد الضحايا على تجاوز الآثار النفسية الناتجة عن الإساءة أو العنف واستعادة الشعور بالأمان والاستقرار، كذلك يشمل الدعم الجانب القانوني من خلال توعية الضحايا بحقوقهم القانونية والتنسيق مع الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات اللازمة، إلى جانب توفير الحماية والرعاية المؤقتة للحالات التي تستدعي الإيداع في دار الحماية.
ولا يقتصر دور الوزارة على التدخل الآني فقط، بل يمتد إلى المتابعة المستمرة للحالات بعد تقديم الخدمة من خلال تقييم مدى التحسن والاستقرار وضمان استمرار الدعم وفق احتياجات كل حالة، كما يتم التنسيق مع الجهات الصحية والتعليمية والأمنية ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة لضمان تقديم خدمات متكاملة وشاملة، وتبذل الفرق المختصة جهوداً كبيرة في التعامل مع الحالات؛ نظراً لما تتطلبه بعض القضايا من تدخلات عاجلة ومتابعات مكثفة.
وحول ضمان الوزارة عدم تعريض الضحية لمزيد من الضرر أثناء مسار التعامل أوضح الخضوري: نتبع إجراءات مهنية تراعي الجوانب الإنسانية والنفسية والاجتماعية للحالة؛ حيث يتم التعامل مع البلاغات بسرية وخصوصية تامة حفاظاً على كرامة الضحية وحقوقها مع توفير بيئة آمنة وداعمة تساعدها على الشعور بالأمان والاستقرار، كما يتم دراسة كل حالة بعناية من خلال فريق متعدد التخصصات يضم مختصين اجتماعيين ونفسيين وقانونيين؛ لضمان اتخاذ القرارات المناسبة وفق مصلحة الضحية. وتحرص الوزارة كذلك على الحد من تعريض الضحية لتكرار سرد تفاصيل الإساءة قدر الإمكان؛ لما قد يسببه ذلك من آثار نفسية إضافية عن طريق التنسيق بين الجهات المعنية، وتوثيق المعلومات بصورة مهنية تسهل متابعة الحالة دون إرهاق الضحية نفسياً.
وأكد أن برامج إعادة تأهيل الجُناة للحد من تكرار العنف توجد بشكل محدود وغير إلزامية؛ حيث يقتصر تأهيل الجناة من فئة الأحداث فقط، كما أنها تتوفر خدمة الإرشاد والتوجيه الأسري إلا أنها خدمة اختيارية وليست إلزامية؛ حيث يتم عرض الخدمة للمسيء في حالة رغبته من عدمه لها.
أما عن الأخطاء التي تقع فيها الأسر عند احتواء العنف داخل المنزل فقد فقال: نلخص الأخطاء – من واقع الحالات التي تم التعامل معها – في تقديم الستر على حساب الحماية، ويكمن ذلك في إجبار الضحية على تحمل العنف الجسدي أو اللفظي تجنبا لنقل الأخبار خارج جدران المنزل، خاصة إذا كان المُعنِّف أحد الأقارب؛ حيث يتم تقديم التنازلات ومحاولة إرضاء الضحية، واحتواء العنف بدون تدخل جهات إنفاذ القانون. كذلك الخوف من الوصمة الاجتماعية عند طلب الاستشارة المهنية؛ حيث تتجنب بعض الأسر اللجوء إلى المختصين خوفا من كلام الناس أو الوصمة الاجتماعية المرتبطة بزيارة المؤسسات الاجتماعية مفضلين استمرار المشكلة على تلقي توجيه مهني. ومنها تحميل الضحية مسؤولية العنف؛ حيث يتم توجيه اللوم للضحية أنه هو من بدأ باستفزاز المُعنِّف وإجباره على استخدام القوة بعناده وسوء تصرفه، وأخيرا الخلط في تربية الأبناء بين مفهوم استخدام الحزم واستخدام العنف والتهديد المستمر.
وشدد مدير دائرة الحماية الأسرية على ضمان سرية البلاغ وحماية المُبلّغ من أي تبعات اجتماعية أو انتقامية عن طريق التحفظ على هوية المبلغ مهما كانت الظروف.
وأضاف: لا تزال هناك حالات لا يتم الإبلاغ عنها على الرغم من زيادة الوعي المجتمعي عن طريق المحاضرات التوعوية، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها: الخوف من التعرض لمزيد من العنف والتهديد، والخوف من تأثير الإبلاغ على الأبناء والعلاقات الأسرية، والشعور بالخجل أو الوصمة الاجتماعية، والخوف من نظرة المجتمع. الخوف من عدم أخذ الشكوى على محمل الجد، والرغبة في الحفاظ على الخصوصية الأسرية وعدم إشراك الآخرين في المشكلات الأسرية، ووجود مشاعر عاطفية تجاه المعتدي أو الأمل في تغير سلوكه، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الدعم والحماية أو عدم معرفة طرق التواصل معه.
وحرصا على مصلحة الطفل الفضلى وتوفير البيئة المناسبة والحياة الكريمة للطفل؛ فقد عملت وزارة التنمية الاجتماعية على إنشاء لجان حماية الطفل على مستوى المحافظات بالقرار الوزاري رقم (168/2015)، وأعادت تشكيل هذه اللجان بالقرار رقم (172/2019)؛ لتوسيع مشاركة المجتمع المدني في هذه اللجان، وإعداد أدلة إرشادية من أجل حماية الطفل، وتكوين فريق عمل وطني من المدربين، وتدشين الخط الساخن للحماية (1100) في يناير 2017م.
وتقوم اللجنة عبر مندوبي حماية الطفل وفقا للإجراءات القانونية برفع توصية للادعاء العام حول إيداع الأطفال المعرضين للعنف أو الاستغلال أو الإساءة بدار الرعاية المؤقتة (دار الحماية)، أو إخراجهم منها، ومتابعتهم بعد خروجهم؛ لضمان حمايتهم وتأهيلهم واندماجهم في المجتمع، وتنفيذ الزيارات الميدانية لمقابلة الأطفال المعرضين أو الذين تعرضوا للعنف أو الاستغلال أو الإساءة، أو الانتهاك لحقوقهم، أو مقابلة أسرهم، والوقوف على الأسباب التي أدت بهم لذلك، وتقدير درجة خطورتها، ووضع خطط العلاج المناسبة لتحقيق الاستقرار النفسي-الاجتماعي للطفل.
واختتم حديثه بتوجيه رسالة للضحايا الذين يترددون في الإبلاغ خوفا من الوصمة، ونقول لهم: إنهم ليسوا وحدهم، وإننا نساندهم، وإن الإبلاغ هو حقهم القانوني والخطوة الأولى نحو استعادة قوتهم والتعافي، وإننا كمختصين نضمن لهم السرية التامة والخصوصية في كافة الإجراءات مع توفير الدعم النفسي والقانوني.