كادت مذكرة التفاهم الموقعة الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وإيران أن تسقط عندما قالت بحرية الحرس الثوري الإيراني أمس إنها أغلقت مضيق هرمز مرة أخرى إثر عدم توقف القتال في جبهة جنوب لبنان وإصرار إسرائيل أنها غير معنية بما جاء في المذكرة. شعر العالم بلحظة خطر حقيقية، وبشكل خاص الولايات المتحدة التي كانت الطرف الأول في مذكرة التفاهم والتي دافع عنها الرئيس ترامب وكذلك فعل وزير خارجيته. لم يمض وقت طويل قبل أن يأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بعد تنسيق مع الولايات المتحدة بحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، وقف إطلاق النار في لبنان دون الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في جنوب لبنان.

ورغم أن أحدا لا يستطيع ضمان التزام إسرائيل، فإن سرعة التدخل الأمريكي لإنقاذ مذكرة التفاهم تدل على أن واشنطن متمسكة بها ولا تبحث عن عذر للخروج منها بعد الانتقادات التي وجهت لترامب في واشنطن وتل أبيب بسبب المكاسب التي أعطتها المذكرة لإيران.

بحسب التفاصيل المعلنة للمذكرة فإنها تنص صراحة على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، وتذكر لبنان بالاسم، ما يعني التزاما مكتوبا وليس تفسيرا أو مجرد أمنيات على هامش مذكرة التفاهم. ولعل ما حدث أمس الخلل الأكبر منذ بدء الاتفاق، وخلف هذا الخلل كانت إسرائيل التي خاضت الحرب ولم تجلس إلى طاولة التفاوض؛ ولذلك أعلنت غير مرة على لسان بعض وزرائها وسفرائها أنها غير ملزمة بالبند الذي ينص على وقف الحرب في جبهة لبنان وأنها لن تسحب قواتها من الجنوب اللبناني. تحتج إسرائيل أنها في حالة دفاع عن النفس لكن النتيجة أن إسرائيل تمنح نفسها حق نقض لحظة سلام كانت المنطقة والعالم في أمس الحاجة لها سواء كان ذلك على مستوى الأمن أم على المستوى الاقتصادي الذي أثر على العالم أجمع وهدد بإدخال الاقتصاد العالمي في موجة اضطراب جديدة في الطاقة والتجارة.

إن ما تصر عليه إسرائيل من شأنه أن يفقد المنطقة استقرارها مرة أخرى وتتحول هدنة الأيام الستين من جسر نحو التسوية إلى عد تنازلي نحو انهيارها وعودة نذر الحرب مرة أخرى.

والمنطق الذي يسوّق لاستثناء لبنان من المذكرة منطق خادع. تقول إسرائيل إن بقاء عملياتها واستمرار بقائها في الجنوب ضمانة أمنية لها، لكن التجربة منذ هدنة 2024 تقول العكس تماما.

لم ينتج الاحتلال الجزئي استقرارا، وظل ذريعة مفتوحة لعودة الحرب. وكل يوم تبقى فيه الدبابات على تلال النبطية يعزز حجة قوى المقاومة في الدفاع عن أرضها، وتُمنح فيه القوى الرافضة للتسوية مبرّرا لإعادة الحرب.

لا تطلب المنطقة تحقيق معجزات تعيد لها ما تداعى من أمنها واقتصادها لكنها تطلب أن يحترم ما تم التوقيع عليه وأن تُمنح الأيام الستون فرصتها الكاملة لمحاولة بناء سلام دائم في المنطقة.

لقد كان السلام في المنطقة هشا بشكل دائم، لكن المنطقة من حقها أن تستشعر لحظات أمن انتظرتها لأشهر من أجل القليل من التنفس. ومن حق وسطاء السلام الذين يعملون ليلا ونهارا لوقف نيران الحرب أن يكملوا وساطتهم ورؤيتهم للاستقرار. وتعرف سلطنة عُمان التي احتضنت بعض جولات هذا المسار، أكثر من غيرها، أن الجسور لا تُبنى مرتين بالسهولة ذاتها وبالتكلفة نفسها. ما زالت النافذة مفتوحة؛ والسؤال الوحيد هو من سيملك الجرأة على إبقائها كذلك لفترة طويلة تمنح المنطقة فرصة بناء نفسها مرة أخرى.