تعتمد مشاركة المرأة في المجالس البرلمانية على الإيمان بأهمية الدور الذي تقدمه في هذه المجالس، والأهداف التي يمكن أن تخدم القضايا الوطنية والمجالات الاجتماعية والاقتصادية التي تواكب تطلعات المجتمع.

ولهذا، فإن هذه المشاركة تكتسب شرعيتها من تلك الإمكانات التي يمكن أن تقدمها المرأة في تحقيق التنمية المستدامة، والمساهمة في دعم توجهات الدولة ورؤيتها المستقبلية من خلال مشاركتها الفاعلة في إعداد السياسات والتشريعات وصياغتها بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وأولوياته.

ولأن العمل البرلماني يعد تمثيلا لمفاهيم العدالة والمساواة المجتمعية؛ فإنه يوفِّر مساحة واسعة للمرأة للتعبير عن رأيها، والمشاركة بخبرتها الواسعة في كافة المجالات؛ لإحداث أثر على مستوى القطاعات التنموية والتشريعات الوطنية.

وبالتالي؛ فإن تيسير سبل وصولها إلى قبة البرلمان، وتذليل التحديات التي تواجهها، من أهم السبل لتمكينها من خدمة مجتمعها وتمثيله سياسيا؛ لذا فقد حرصت الدول على تعزيز مشاركة المرأة من خلال استحداث سياسات وأنظمة تزيد من فرص هذه المشاركة.

وعلى الرغم من ذلك فإن تقرير الاتحاد البرلماني الدولي (IPU) يخبرنا أن نسبة مشاركة النساء في البرلمانات على مستوى العالم بلغت في يناير 2026 (27.5%)؛ حيث حقَّقت ارتفاعا متواضعا عن نسبة مشاركتهن خلال 2025 التي سجَّلت (27.2%) في حين انخفضت نسبة النساء رئيسات البرلمانات إلى (19.9%) مقارنة بنسبة (23.7%) في العام 2025؛ لذلك فالتقرير يشير إلى أن هناك تحديات عدة تعيق تمثيل النساء في المجالس البرلمانية، وأن التقديرات تشير إلى أن التكافؤ التام بين الجنسين في هذه المجالس لن يتحقَّق قبل عام 2068 إذا استمر النمو السنوي الحالي عند حدود (0.5%). في حين أن سلطنة عُمان وفَّرت للمرأة مجالا واسعا للمشاركة البرلمانية في مجلس الشورى؛ فمنذ العام 1994 منحتها حق الانتخاب والترشُّح، لتكون أول دولة على مستوى المنطقة تقدِّم للمرأة هذا الحق، ومنذ ذلك الحين والمرأة العمانية تمارس هذه الحقوق، وفي كل دورة انتخابية يتزايد الإقبال على الانتخاب والترشُّح، إلاَّ أنه خلال أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما فإن وصول المرأة العمانية إلى قبة المجلس تراوح ما بين (0-2) من المترشحات في كل دورة برلمانية، الأمر الذي انعكس على ضعف تمثيلها في المجلس، وبالتالي محدودية مشاركتها في القضايا البرلمانية والتشريعية. إن مشاركة المرأة العمانية في الانتخاب شهد خلال الدورات الأخيرة بشكل خاص ارتفاعا وإقبالا واسعا، مما يدل على الوعي المجتمعي بأهمية دورها في دعم هذه الانتحابات الوطنية، إلا أن ضعف وصول المترشحات إلى قبة مجلس الشورى خلال الدورات البرلمانية الماضية بالرغم من توفير مساحة واسعة للترُّشح بالتساوي مع الرجل، يعكس مجموعة من التحديات الاجتماعية التي ما زالت تمثِّل إشكالا؛ لذلك فإن إشراكها في عضوية مجلس الدولة والمجالس البلدية يكشف الرؤية السامية الداعية إلى تعزيز مشاركتها السياسية والاجتماعية، وتمكين قدراتها ومهاراتها. ولقد جاءت التوجيهات السامية من لدُن جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - لتخصيص أحد عشر مقعدا في مجلس الشورى للمرأة العمانية لتمثيل المحافظات، لتكون قيمة مجتمعية وتقديرا من لدن جلالته لدور المرأة العمانية في دعم توجهات الدولة من ناحية، وترسيخ لمبادئ المساواة والعدالة التي يؤسِّسها النظام الأساسي للدولة من ناحية أخرى، والتقليل من تلك التحديات الاجتماعية التي واجهت وصول المرأة إلى قبة المجلس من ناحية ثالثة.

لهذا فإن هذا التوجيه لا يوِّفر مقاعد برلمانية للمرأة وحسب، بل يقدِّم لها فرصا للمشاركة الفاعلة، وإثبات جدارتها وقدرتها على خدمة الوطن. إن هذه التوجيهات تُسهم في تجويد القرار الوطني، وتنويع الرؤى والأفكار وزوايا النظر إلى الموضوعات المجتمعية، والقضايا التنموية بما يدعم مسيرة البناء والتكامل التنموي والسياسي بين أفراد المجتمع، وبالتالي تحقيق شراكة فاعلة في بناء الحاضر وصناعة المستقبل؛ ذلك لأن التكامل الفكري بين المرأة والرجل، والتوازن في وجهات النظر سيضيف قيمة تنموية في صناعة القرارات الوطنية التي يتبناها المجلس، إضافة إلى ما يقدمه ذلك من تعزيز للتمثيل الجغرافي للمحافظات، لتكون المرأة صوت محافظتها الواعي الذي يرسِّخ مفاهيم المصلحة الوطنية العامة، الأمر الذي يُعد حافزا مهما لإقبال المرأة العمانية على الترشُّح والمنافسة في انتخابات المجلس لدور الانعقاد المقبل.

إضافة إلى أن آلية التنافس للمقاعد الأحد عشر لا يمثِّل ضمان وجود المرأة في قبة مجلس الشورى وحسب، بل وجودها المستحق القائم على التنافس المجتمعي الذي يؤدي إلى وصول الكفاءات الوطنية ذات القاعدة الجماهيرية الأعلى إلى تلك المقاعد، مما يوفِّر أساسا موضوعيا، وتنافسا وطنيا مجتمعيا مبنيا على أساس الانتخاب، ومعتمدا على وعي المجتمع في انتخاب المرأة المستحقِّة ودعمها للوصول إلى قبة المجلس، وتمثيل محافظتها وفقا لمبادئ الشفافية والمصداقية؛ وبالتالي تمكين الكفاءات والخبرات العمانية من تولي المهام البرلمانية التشريعية والمشاركة في أعمال المجلس بفاعلية وإيجابية. إن تمثيل المرأة العمانية في المجالس البرلمانية عموما وفي مجلس الشورى بشكل خاص، ومشاركتها الفاعلة في القيام بمهامه وأعماله يوفِّر قاعدة مهمة وأساسية لصناعة الكفاءات في القطاعات المختلفة؛ فبقدر ما تقوم هذه المجالس على الخبرات العملية والفكرية للأعضاء تُسهم في صناعة مهاراتهم في المجالات السياسية والتشريعية، وتُقدِّم لهم مجالا واسعا للمشاركة في دعم التنمية، وتُسهم في توسعة مداركهم وفهمهم العميق لقضايا المجتمع؛ ولهذا فإنها تبني قاعدة قيادية للمستقبل، وصناعة الكفاءات من خلال تأهيل كوادر نسائية قادرة على تولي مهام تنموية واعدة.

لقد جاءت هذه التوجيهات السامية ضمن رؤية حكيمة من لدن جلالته التي تسعى إلى تعزيز شراكة المرأة في التنمية، وتفعيل أدوار المحافظات في دعم القرار، وتعزيز جودة التشريعات خاصة تلك المرتبطة بالرفاه والحماية الاجتماعية من ناحية، وتحقيق مستهدفات رؤية «عمان 2040»، لتنقل هذه التوجهات مفاهيم دعم المرأة من التمكين إلى القيادة؛ بحيث لا تكون مستفيدة من برامج التنمية، وحسب بل صانعة لها من داخل القبة البرلمانية وموجهة إيجابية إلى توازنها وتطويرها بما يتوافق مع احتياجات المحافظات وأولوياتها. إن التوجيهات السامية هذه تنطلق من أبعاد محلية وطنية وتنموية إلى أبعاد إقليمية وعالمية؛ حيث ستؤدي إلى تحسين مراتب عُمان في المؤشرات الدولية؛ خاصة في مؤشر الفجوة العالمي بين الجنسين في مجال التمكين السياسي، والمؤشر العالمي للمرأة والسلام والأمن، والمؤشر العالمي للمرأة والأعمال والقانون؛ وبالتالي فإن هذه الرؤية الثاقبة تدعم تطلعات الدولة على المستوى الوطني والعالمي، وتُعزِّز إمكانات دعم القرارات السياسية والتشريعية، وتفتح مجالات واسعة لمشاركة المرأة في التنمية.

عليه فإن تخصيص مقاعد لتمثيل المرأة العمانية في مجلس الشورى يُعد دعامة تشريعية واجتماعية لتعزيز دور المرأة ومشاركتها في تمثيل المحافظات؛ لضمان التوجيه العادل للموارد، وتعزيز ثقة المجتمع في كفاءة المرأة التي رشَّحها بما يمنحها من فرص لتقوم بالأدوار التشريعية والرقابية التي تخدم محافظتها، وتطوُّر من أدائها وأدوات التواصل مع البرلمانات العربية والدولية التي تتيح لها نقل الخبرات والمبادرات ذات القيمة المضافة.

فبكل فخر واعتزاز نبارك للمرأة العمانية هذا التكريم وهذه العناية التي تحتاج منها إلى الإقبال والترشُّح في انتخابات مجلس الشورى للفترة الحادية عشرة، لنشهد منافسة جديرة بالمرأة العمانية؛ فما قدمه الوطن خلال مسيرة التنمية أسهم في إبراز نساء عمانيات في كافة القطاعات التنموية، وكفاءات قادرة على المنافسة والوصول إلى قبة المجلس بكل اقتدار.

فلنؤمن جميعا بهذه الكفاءات وندعم هذه القدرات الوطنية لمستقبل أفضل ومشاركة وطنية أوسع.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.