غالبا ما يوصف عصرنا، الذي سماه مارك كارني عصر «التصدع العالمي»، بأنه زمن تحكمه «شريعة الغاب»، حيث يفعل الأقوياء ما يستطيعون، ويقاسي الضعفاء ما لا يملكون دفعه، وقد تهشّم القانون الدولي، وأُفرغت المنظمات متعددة الأطراف من معناها.
تبدو حرب روسيا وأوكرانيا، والهجوم الإسرائيلي على غزة، والضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران ولبنان، كأنها تؤكد هذا المشهد القاتم. غير أن نظرة أكثر تمعنا إلى هذه الحروب تكشف دلالة أخرى، وأكثر إشراقا بكثير، على الطريق الممكن إلى الأمام. كانت روسيا، التي عُدّت طويلا قوة عسكرية هائلة، متوقعا لها أن تسحق أوكرانيا، ذلك البلد الأصغر والأضعف بكثير، والمدعوم من غرب منقسم وخائف ومتردد. وحتى بعدما تحولت الحرب إلى مأزق طويل، بقي الاعتقاد السائد أن أوكرانيا محكوم عليها بالهزيمة. لكن السردية تغيرت.
نعم، داست روسيا القانون الدولي، وما زالت الطرف الأقوى عسكريا وديموغرافيا. ونعم، لقد خانت الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب أوكرانيا، وبينما ظل الدعم الأوروبي قويا وثابتا، فإنه بقي غير كاف. ومع ذلك، تقف أوكرانيا مرفوعة الرأس.
وفي الشرق الأوسط، هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران مرتين، في انتهاك صارخ آخر للقانون الدولي. وقد تهرب القادة الأوروبيون في البداية، بصورة مخزية، من سؤال المشروعية القانونية، قبل أن يقروا في نهاية المطاف بهذه الحقيقة. ولم يكن ثمة شك قط في موازين القوة: الولايات المتحدة، القوة العسكرية العظمى في العالم، وإلى جانبها إسرائيل الساعية إلى تثبيت نفسها بوصفها القوة المهيمنة إقليميا، ضربتا إيران، وهي بلد أضعفته الاحتجاجات الداخلية. وقد أقنع بنيامين نتنياهو ترامب بأن دفعة أخيرة كفيلة بإسقاط الجمهورية الإسلامية كما لو كانت بيتا من ورق.
بعد أربعة أشهر، جرى الاتفاق على مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني نفسه؛ نظام صار الآن أكثر شبابا، وأشد عسكرة، وأكثر تشددا، وأعيد بموجبها فتح مضيق هرمز. وجرى الاعتراف، بحكم الأمر الواقع، بالسيطرة الإيرانية على المضيق، ومن المتوقع أن تبدأ أصول إيران المجمدة بالتدفق مرة أخرى، وأن تُعلّق عقوبات النفط مؤقتا مع استئناف المفاوضات النووية. كانت مذكرة التفاهم أفضل صفقة استطاع ترامب انتزاعها، لكنها لم تكن صفقة جيدة للولايات المتحدة ولا لإسرائيل، والانتقادات تتصاعد في البلدين. غير أن ذلك لا يغير من الاعتراف الضمني الذي تنطوي عليه المذكرة: أن الأقوى لم ينتصر.
تمثل هاتان الحربان، في آن واحد، انتهاكات فاضحة للقانون الدولي، وتدلان على أن أولئك القابعين في قمة هرم القوة يمكن أن يفشلوا. هل ستستثمر أوروبا، التي وقفت مع كييف ومع القانون الدولي، بينما غازلت بنفاق التخلي عنه في الشرق الأوسط، هذه اللحظة لإعادة تأكيد التزامها بالمعايير الدولية؟ هناك إشارتان مشجعتان. فقد شكّل تحالف يضم نحو أربعين دولة، بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة، قوة عمل تُنشر في مضيق هرمز لتطهيره من الألغام وتأمين الممر الملاحي أمام حركة الشحن. وتدل هذه المبادرة على استعداد أوروبا للعب دور نشط وبنّاء. كما تعيد إحياء الغريزة الأوروبية متعددة الأطراف، من خلال إشراك مجموعة واسعة من الدول غير المنخرطة مباشرة في الأعمال العدائية. وهي توضح أيضا أن أي انتشار عسكري سيكون مؤسسا على القانون الدولي، ومنسقا مع جميع الدول الساحلية، وفي مقدمتها إيران.
على الأرجح، لن تمضي العملية قدما. فكما هي الحال مع «تحالف الراغبين» المزمع لنشر قوة طمأنة في أوكرانيا بعد وقف محتمل لإطلاق النار، فإن تحالف هرمز الافتراضي يهدف، في المقام الأول، إلى إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة؛ فهو إشارة إلى واشنطن بأن الحكومات الأوروبية، وإن لم تكن مستعدة للقتال في الحرب، فإنها جاهزة للمساهمة في تأمين السلام.
غير أن ترامب أوضح أنه غير مهتم بالمبادرات الأوروبية، كما كرر ذلك في قمة مجموعة السبع في إيفيان. وفوق ذلك كله، ترفض إيران فكرة وجود سفن حربية أوروبية في المضيق. ومن دون موافقة طهران، يقر الأوروبيون، لن تكون هناك عملية.
غير أن مبادرة أوروبية ثانية، أكثر واقعية وفائدة بكثير، أخذت تتشكل بهدوء بعيدا عن الأضواء.
فالنرويج، التي تمتلك رصيدا سياسيا قويا في الشرق الأوسط، إذ أدانت الحرب بوضوح منذ بدايتها، كما فعلت إسبانيا، تملك أيضا صدقية وخبرة في قانون البحار. وقد صادقت معظم دول العالم على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما تبقى الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بين الدول القليلة التي لم تنضم إليها.
والخبر الجيد أن الولايات المتحدة وإيران، رغم أنهما ليستا طرفين في الاتفاقية، تبديان اهتماما باحترام أحكامها في المضيق. ومن هنا، قدمت النرويج مشورة قانونية لا تقدر بثمن لإيران وعُمان، وكذلك للوسطاء الباكستانيين والقطريين، لضمان بقاء أي ترتيبات تالية لأزمة المضيق منسجمة مع المبدأ الجوهري في اتفاقية قانون البحار: حرية الملاحة. ومن خلال هذا النوع من الإسهام الهادئ والناعم والقائم على الطلب، يستطيع الأوروبيون استعادة صدقيتهم ولعب دور مفيد في المنطقة.
أما الموضع الذي ما زالت فيه الصدقية الأوروبية ممزقة، فهو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ حيث لم يتحول «القلق» الأوروبي من أفعال إسرائيل، كما هي الحال في لبنان، إلى سياسة ذات معنى. ويبلغ سحق إسرائيل للقانون الدولي ذروته هنا، إذ ما زالت بمنأى تام عن المساءلة على جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وربما جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وقد أدت الحكومات الأوروبية دورا غير قليل في حماية إسرائيل من التزاماتها القانونية الدولية.
ومع ذلك، ربما يكون التغيير قد بدأ أخيرا يلوح في الأفق، فالعقوبات الأوروبية على الوزيرين الإسرائيليين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لن ترى النور، لأنها تتطلب إجماعا يستحيل تحقيقه. لكن، في كل الأحوال، فإن الدولة الإسرائيلية هي التي ينبغي أن تخضع للمساءلة، لا الوزراء الأفراد. أما الخطوة الأشد أهمية بكثير، والتي أوضحت الدائرة القانونية في الاتحاد الأوروبي أنها لا تتطلب سوى تصويت بالأغلبية المؤهلة، فهي حظر الواردات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة.
وتؤيد غالبية الدول الأعضاء هذه الخطوة بالفعل. وهناك دول أخرى، مثل إيطاليا، كانت تعارضها في السابق، لكنها أرسلت إشارات إلى احتمال تبدل موقفها. وتبقى ألمانيا الدولة الكبيرة الوحيدة المعارضة، بحجة أن حظر تجارة المستوطنات سيذكّر بالتمييز النازي ضد اليهود. وهذه حجة فاحشة، لأنها توحي بمساواة أخلاقية بين المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية اليوم، والشعب اليهودي الذي تعرض للاضطهاد في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي.
لحسن الحظ، يتصاعد الضغط، فقد طلبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مدفوعة بموقف غالبية حكومات الدول الأعضاء، رسميا من المفوضية الأوروبية تقديم مقترح في هذا الشأن. وقد تحاول رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، المراوغة مرة أخرى. غير أن عدم قابلية تجارة الاتحاد الأوروبي مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية للدفاع عنها باتت واضحة للجميع. وبدلا من خوض معركة خاسرة، والإصرار بعناد على رفض صون القانون الدولي، سيكون أجدى لأوروبا أن تعود إلى الجانب الرابح، عبر احتضان حكم القانون من جديد.
ناتالي توتشي كاتبة عمود في نسخة الجارديان الأوروبية.