في خطوة غير متوقعة، وفي وقت كان الجميع ينتظر فيه توقيع التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، على يد محمد باقر قاليباف وجي دي فانس، يوم الجمعة، قام رئيسا إيران والولايات المتحدة، يوم الأربعاء، بتوقيع مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بندا، معلنين الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
وتعهد الطرفان، بموجبها، بألا يشن أي منهما من الآن فصاعدا حربا أو عملية عسكرية ضد الآخر، وأن يمتنعا عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما بعضا، وأن يحترم كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه، وأن يمتنع عن التدخل في شؤونه الداخلية. ورغم وجود بعض الالتباس في بنود مختلفة، من بينها البند الأول المتعلق بما يقصده الطرفان بعبارة «جميع الجبهات»، فقد استمرت الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ الساعة الأولى، وأعلنت إسرائيل أن هذا الكيان لا يرى نفسه ملزما بالبند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، وأنه لن ينسحب من جنوب لبنان إلى أن يتم نزع سلاح حزب الله. ولا يقتصر هذا التفاهم على وقف العمليات العسكرية، بل يشمل أيضا إعادة فتح الممرات البحرية الحيوية، ومن بينها رفع الحصار عن مضيق هرمز، وتخفيف القيود الاقتصادية. فبموجب البند السابع من التفاهم، تلتزم الولايات المتحدة بأن «تنهي جميع أنواع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، الأولية والثانوية، وفق جدول زمني متفق عليه بوصف ذلك جزءا من الاتفاق النهائي». كما «تلتزم بأن تتيح بالكامل، مع تنفيذ مذكرة التفاهم هذه، الأموال والأصول المقيّدة أو المجمدة العائدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية لاستخدامها». وبموجب هذا التفاهم، تلتزم الولايات المتحدة كذلك، خلال 30 يوما من الاتفاق النهائي، بسحب قواتها العسكرية من النطاق المحيط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، من دون تقديم تعريف محدد لهذا «النطاق المحيط». في المقابل، قبلت إيران أيضا بتعهدات تتعلق بعدم إنتاج السلاح النووي أو اقتنائه، وبعبور السفن التجارية بأمان ومن دون رسوم لمدة 60 يوما من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس. ويعترف هذا التفاهم بحق إيران في تحديد الشكل المستقبلي لإدارة مضيق هرمز وخدماته البحرية، وفقا للقانون الدولي، شريطة أن يتم ذلك عبر الحوار مع عُمان وبالتشاور مع سائر دول الخليج.
واللافت أن إيران قالت مرارا إنها لا تسعى إلى امتلاك قنبلة نووية، كما أن مضيق هرمز كان مفتوحا قبل الهجوم الأمريكي؛ ولذلك فإن هذين الأمرين لا يقدمان، عمليا، مكسبا إيرانيا جديدا للولايات المتحدة مقارنة بما كان قائما قبل الحرب. أما النقطة المهمة فهي أن هذا الاتفاق لم يذكر أي ضمانات جديدة لتنفيذه. وعلى هذا الأساس، وبالنظر إلى الملاحظات السابقة، يبدو أن السمة الأهم في مذكرة التفاهم المنشورة لا تكمن في ما تتنازل عنه إيران، بل في ما تحصل عليه. وهذا تحديدا ما أثار غضب نتنياهو، ودفع إلى تصعيد الهجمات الإسرائيلية على لبنان وغزة والضفة الغربية.
وبالإحالة إلى بعض جوانب الغموض في نص مذكرة التفاهم، وإلى الشك في نية المفاوضين الأمريكيين وهم يقدمون امتيازات مهمة لإيران، يمكن النظر إلى التطورات الأخيرة في العلاقات الإيرانية الأمريكية، ولا سيما توقيع مذكرة التفاهم ذاتها، بوصفها إحدى أهم نقاط التحول في المعادلات الجيوسياسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فهذا التفاهم، الذي جاء بعد أشهر من التوتر العسكري والمفاوضات غير المباشرة والضغوط الاقتصادية، يبدو إطارا لإدارة الأزمة وكسب الوقت وصولا إلى اتفاق أكثر شمولا حول القضايا الخلافية، أكثر مما يبدو اتفاقا نهائيا، وإن كان يمكن في الوقت نفسه، أن يشكل فرصة لإعادة البناء واستئناف الحرب بإمكانات أكبر. ومع التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم، تتجه الأنظار كلها إلى سؤالين أساسيين: هل يستطيع هذا التفاهم أن يصمد؟ وهل يمكن الوثوق بأمريكا ترامب طرفا قادرا على مواصلة هذا المسار حتى الوصول إلى الاتفاق النهائي؟
وعلى الرغم من التحديات والشكوك وانعدام الثقة بالولايات المتحدة، فقد قوبل هذا التوقيع بترحيب عالمي، واعتُبر خطوة كبيرة نحو اتفاق ينهي أهم أزمة عالمية في القرن الحادي والعشرين. لقد رحّلت مذكرة التفاهم القضايا الأساسية إلى المستقبل، وفضّل الطرفان في المرحلة الأولى منع تفاقم الأزمة، ثم الدخول لاحقا في مساومات أكثر تعقيدا. وخلال الشهرين المقبلين، سيتعين على المفاوضين أن يواجهوا بعضا من أصعب الأسئلة التي ظلت تشغل دبلوماسية الولايات المتحدة وإيران طوال عقود. غير أن النقاشات المتعلقة ببرنامج إيران الصاروخي ودعمها لحلفائها الإقليميين، ورغم مطالب الولايات المتحدة في بداية الحرب، أُزيلت من جدول أعمال المفاوضات. إنه تفاهم بدا فيه ترامب، بتجاهله هذه المطالب الأساسية، كأنه وضع إسرائيل، التي ما زالت تصر عليهما، على الهامش.
وبصرف النظر عن نص التفاهم، الذي يتضمن نقاطا إيجابية كثيرة لصالح إيران، ومع الأخذ في الاعتبار تجربة الولايات المتحدة في نقض العهود، وهي تجربة تزيد الشكوك والتردد، فإن ترامب أدلى، على هامش قمة مجموعة السبع، بتصريحات إيجابية نسبيا، غير متوقعة ومختلفة عن مواقفه المعتادة، بشأن الأصول الإيرانية المجمدة، والبرنامج الصاروخي، واليورانيوم المخصب المدفون في أعماق الأرض، واستمرار البرنامج النووي الإيراني عند مستوى محدد، واستثمار دول الخليج العربية أو أفراد منها في إيران. كانت تلك تصريحات تُطرح للمرة الأولى، وكان من المستبعد جدا سماعها من ترامب.
ومع ذلك، فإن التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، أكثر من كونه نهاية لأزمة، هو بداية مرحلة جديدة من التنافس المُدار؛ فمستقبل هذا المسار يتوقف على عوامل متعددة: مدى مرونة الطرفين في المفاوضات، واستقرار وضع ترامب ومواقفه، ودور اللاعبين الآخرين، مثل إسرائيل والدول العربية، وكذلك التطورات الداخلية في كلا البلدين. وعلى الرغم من أن هذا التفاهم استطاع أن يقلل خطر الحرب الفورية، فإنه لا يمكن النظر إليه حتى الآن بوصفه اتفاقا مستقرا ونهائيا. ومن زاوية استراتيجية، لا يقدم هذا التفاهم ضمانة للاستقرار طويل الأمد، بل يعمل، في المقام الأول، أداة لمنع حرب واسعة وضبط أسواق الطاقة، وخصوصا بعد إعادة فتح مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، تشكل هذا التفاهم في سياق مفاوضات طويلة ومعقدة، وهو ما يدل على أن النص الذي جرى الاتفاق عليه أخيرا لم يكن حدثا مفاجئا، بل نتيجة مسار تدريجي طويل لخفض التوتر.
فمنذ مطلع عام 2026، بدأت مفاوضات غير مباشرة بوساطة سلطنة عمان ولاعبين إقليميين آخرين، واقترب الطرفان تدريجيا من مبادئ إرشادية لاتفاق كان يُظن في وقت ما أنه بات قريبا من كل الجوانب. لكن اندلاع الجولة الجديدة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 9 إسفند أزاح تلك المبادئ إلى الظل. ومع عدم تحقق الأهداف الحربية التي كان يُتصور أنها ستُنجز خلال ثلاثة أو أربعة أيام عبر استسلام إيران بلا قيد أو شرط، وإسقاط النظام، وتدمير القوة البحرية والصاروخية والنووية للبلاد، وهي أهداف لم تتحقق، أدى إغلاق مضيق هرمز وتغيّر المعادلات وآثار الحرب على الاقتصاد العالمي، وارتفاع التضخم في الولايات المتحدة، وتراجع شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها، وتحركات الديمقراطيين ضده، وتصاعد المعارضة داخل الحزب الجمهوري، والضرر الذي لحق بمصالح الحلفاء وعائلة ترامب في دول الخليج، واقتراب الانتخابات النصفية التي يُرجح أن يخسر فيها الجمهوريون عددا من مقاعدهم، إلى دفع ترامب نحو التردد والحركة في آن واحد.
كان ترامب يريد نصرا سريعا ونظيفا على الطريقة الفنزويلية، لكنه، منذ اتضح أن إيران لن تستسلم، اضطر إلى تغيير مواقفه. وبتعبير كثيرين، فإن حرب إيران، من بين كل الهزائم العسكرية التي تكبدتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ربما تكون أهمها، وكانت هذه الهزيمة باهظة على ترامب الذي يبحث دائما عن الانتصار.
ومن جهة أخرى، أعادت هذه الهزيمة تشكيل مشروع النظام الجديد في الشرق الأوسط على نحو مغاير تماما لما كانت إسرائيل تتصوره للمنطقة. فقد عدّ بعض المحللين العسكريين الإسرائيليين، مثل عاموس هرئيل، المحلل العسكري في «هآرتس»، تفاهم ترامب مع إيران أكبر فشل أمني لنتنياهو منذ عملية 7 أكتوبر 2023. لقد وجه توقيع التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، من دون أخذ اعتبارات نتنياهو في الحسبان، أشد ضربة إلى إسرائيل، وعمّق الفجوة بين الطرفين. ويوم الثلاثاء، قال ترامب في تصريحاته للصحفيين في فرنسا، على هامش قمة مجموعة السبع، إنه لو لم تتدخل الولايات المتحدة، ولو لم يتدخل هو شخصيا، «لما كانت إسرائيل موجودة الآن»، مضيفا أن «كل شخص ذكي في إسرائيل يعرف ذلك». لقد تغيرت المنطقة بالفعل، لكن ليس على النحو الذي صممه نتنياهو وسار في تنفيذه خطوة بعد أخرى وتمنى بلوغه. وتدل الظواهر على أن التفاهم بين إيران والولايات المتحدة أفضى إلى أول شرخ استراتيجي كبير بين إسرائيل وأمريكا. ومن أجل ترميم هذا الشرخ وإفشال التفاهم، لن يتردد نتنياهو في ارتكاب أي مشاغبة سياسية. وعلى أي حال، فإن غياب آليات رقابية قوية قد يؤدي إلى «وضع رمادي» تشتري فيه إيران والولايات المتحدة الوقت، من دون أن تعالجا جذور الخلافات بينهما. أما نجاح هذا التفاهم في الوصول إلى اتفاق نهائي فيتوقف على جدية الطرفين، وعلى طريقة إدارة المفاوضات المقبلة.
جميلة كديور كاتبة وسياسية إيرانية إصلاحية، ونائبة سابقة عن طهران في مجلس الشورى الإيراني، وعضوة سابقة في مجلس مدينة طهران.
عن صحيفة إطلاعات الإيرانية وتم ترجمته من الفارسية.