حوار ـ فيصل بن سعيد العلوي
يصعب الحديث عن تجربة يحيى اللزامي من زاوية واحدة؛ فالكتب التي فقدها مرتين ما زالت حاضرة في ذاكرته كجرح مفتوح، والقصيدة لديه ليست حدثا منفصلا عن القراءة والتأمل والإنصات الطويل لما يدور في الداخل. فبين الحنين والذاكرة، والصورة الشعرية والصمت تتشكل ملامح تجربة تراكمت عبر سنوات من الانشغال باللغة وأسئلتها. في هذا الحوار يقترب الشاعر العماني يحيى اللزامي من عدد من القضايا التي شغلت تجربته الشعرية متحدثا عن أثر فقدان مكتبته الشخصية، وعلاقته بالقصيدة والقراءة والذاكرة والصورة الشعرية، ورؤيته لموقع الشاعر في زمن تتسارع فيه الكتابة والنشر، وأهمية الصمت والتأمل في إنضاج الكتابة.. كما يتوقف عند عدد من الأسئلة التي رافقت تجربته منذ البدايات مستعيدا بعض تأملاته في الشعر والقراءة والحياة.
فقدت مكتبتك الشخصية مرتين -حسب علمي- بسبب ظروف مناخية، وهو فقد يتجاوز الأشياء إلى الذاكرة والعلاقة الأولى بالقراءة.. كيف عشت هذه التجربة إنسانيا؟ وما الأثر الذي تركته في نظرتك للكتاب ولمعنى الامتلاك الثقافي؟
لا أخفيك أنني لم أتعاف كليا من هول تلك الكارثة التي غدت كابوسا مؤرقا على الصعيد الوجداني رغم انقضاء ما يناهز تسعة عشر عاما على أولى الكوارث؛ ذلك أن العلاقة مع الكتب - كما تعلم - مما يصعب وصفه ناهيك بشرحه والتعبير عنه، لاسيما أن منها ما أدين له بالفضل في تكويني والمساهمة بشكل أو بآخر في الأخذ بيدي، ومما يفاقم الحسرة أن بعضها يحمل إهداءات مؤلفيها الذين رحلوا. لقد تعبت كثيرا في جمعها وما زلت أتذكر الظروف المحيطة باقتنائها بما في ذلك الأمكنة والأزمنة، وهو ما ترك جرحا غائرا لا يندمل وأثرا نفسيا عميقا يتجدد باستمرار، وإذا كنت قد فقدت أعدادا من الكتب مرتين بفعل الطبيعة فقد فقدت ما يفوقها بسبب الإعارة، ولم أستفد من نصيحة القائل:
ألا يا مستعير الكتب دعني
فإن إعارتي للكتب عار
فمحبوبي من الدنيا كتابي
وهل نبئت محبوبا يعار
لقد ضربت بنصيحته عرض الحائط فلم أظن بكتاب في يوم ما على راغب في القراءة والبحث والمعرفة من باب نشر العلم وتوسيع نطاق القراءة وبناء الوعي، لكن ندمي على الإفراط في حسن الظن بمن ليس أهلا يفوق «ندامة الكسعي».
متى شعرت أن القصيدة في حياتك لم تعد مجرد مساحة للكتابة، وصارت مكانا لاختبار الذات وأسئلتها.. وربما لمراجعة علاقتك بالعالم أيضا؟
لا أستطيع تحديد زمن ما، وأرجح أنها نشأت ذات حالة استثنائية اتفق فيها الشعر والسحر، بما يشبه التواطؤ، فتلبساني معا، لحظة تداخل الواقعي بالحلمي امتزاج المرئي بغير المرئي، كنت كمن يحمل إزميلا ليفلق الصخر بحثا عن أسئلة تتناسل دون إجابات لأجدني موزعا بين الرؤية والرؤيا، فأدركت حينها أنني إزاء حدث ما يعتمل داخلي. أدركت بعد حين أن حالة كتلك تشبه موعد الارتطام الأول بالشعر، فصرت أترنح بين اليقظة والمنام فسقطت مغشيا عليّ. لا أعرف كم لبثت رهين تلك الحالة حتى تراءى لي الشعر بسحره وغموضه بقوته واندفاعه بسلطته وسطوته. إنه المخاتل والمخادع أشبه بنهر يغريك تدفقه وجريانه، صخبه وهدوؤه؛ لهذا يستعصي على التعريف والتأطير منذ جهود ابن سلاّم وابن قتيبة وابن رشيق وابن طباطبا، حتى مدارس ما بعد الحداثة لم تستطع الإجماع على تعريف جامع مانع. تقرأ الشعر فترى ذاتك قد أفلتت منك. هنا تقف موقفا مزدحما بأسئلة الوجود والمصير، الذات والآخر. تتنازعك عوالم شتى متناقضة متصارعة كأنك أمام فرقاء كل يسعى لاستمالتك. هنا عليك أن تقف مليا أمام ذاتك في مواجهة أسئلة كبرى؛ لتحديد الوجهة التي أنت موليها لتحتفظ بسحنتك التي تميزك وصوتك الذي لا يشبه غيره، وهذه المرحلة أشبه بالصراط المستقيم من عبرها بسلام فقد نجا.
في نصوصك حضور واضح للتأمل والقلق يظهر في بنية اللغة نفسها أكثر مما يظهر في الموضوع.. هل جاءت هذه النبرة مع البدايات، أم تشكّلت تدريجيا مع التجربة والقراءة؟
ملاحظتك في محلها وقد أشار إلى ذلك بعض من تكرم بالقراءة. أستطيع القول بحذر: إنها بدأت منذ أن انقدحت في ذهني شرارة الشعر الأولى تلقائيا عفويا؛ ذلك أنني اعتدت النظر إلى الشعر بصفته سليل التأمل والقلق، فهو ابن لهما؛ فالأول يسهم في تخيل الملامح الأولية للنص شكله، وطبيعته، وعمقه، ووضوحه، وهل سيكون على نحو مغاير للمألوف؛ كي لا يكون نسجا على «نول» تجارب شعرية سابقة بشكل مباشر أم ضمني؟ فهو شاهد على مراحل تكوينه حتى لحظة خط أولى الحروف، والثاني يعصمه من الزوائد المفضية إلى التشوهات ويقيه الحشو والإطالة ليحافظ على جوهره الأسنى. ولا ريب أنّ طول الصحبة تعمِّق المعرفة، وتصقل التجربة وتشذبها، كما لا يمكن إغفال الممارسة القرائية ذات المنحى الانتقائي، وتكثيف الاطلاع على التجارب الشعرية المختلفة الاتجاهات والمشارب، والاطلاع على المناهج النقدية القديمة والحديثة، ثم أليس الشعر في جوهره إقامة بين تأمل وقلق، والشاعر يحيا بين تينك الحياتين؟!
تميل لغتك الشعرية إلى التكثيف والاقتصاد، وكأنك تكتب ضد الإطالة والشرح.. هل هو خيار جمالي واعٍ، أم نتيجة طبيعية لعلاقة حذرة مع المعنى واليقين؟
الشعر كما تعلم هو مطاردة الرؤى البكر والسفر الممض إلى الأمكنة التي لم تزل تحتفظ ببكارتها. إنه محاولة القبض على لحظة منفلتة من عقال الزمن. الشعر الحقيقي هو ذلك المكتفي بذاته المستغني عن الشرح؛ فالإطالة تفسده، والشرح يسلبه بريقه ويجرده من معناه. لقد أبدع أبو عبادة وأجاد بقوله:
وَالشِعرُ لَمحٌ تَكفي إِشارَتُهُ
وَلَيسَ بِالهَذرِ طُوِّلَت خُطَبُه
لهذا كلما قرأت المتن الشعري العربي عبر مراحله وحقبه منذ الملك الضِّليل إلى الغلام القتيل وقوفا عند عمنا مالئ الكون وشاغل الناس إلى آخر تلك السلالة تستوقفني بضعة أبيات أشعر بسحرها، فلا أستطيع مواصلة القراءة أحيانا؛ لفرط الدهشة، كأنني بلغت الغاية والهدف، ولعل ذلك ينسجم مع قول أرسطو:
والشعر ما يحدث في النفس «انقباضا أو انبساطا»، وأحيانا أغالب الطبع، وأستمر في القراءة بحثا عن الأجمل الأكمل، وأستمر حتى يفرغ الشاعر ما في كنانته؛ لعلي أجد ما يلامس مقولة ابن بحر: إذا مَرَّ بك الشِّعر الذي يَصْلُح للمَثَل وللحفظ فلا تنسَ حظَّكَ مِن حِفْظه.
فأقف لا إراديا، وأصرخ بأعلى صوتي: هنا يكمن الجمال، هنا تجب سجدة الشعر، وحينها يغدو ما عداه حشوا أو قريبا منه؛ لهذا سك النقاد القدامى مصطلح «بيت القصيد». أعود الآن لسؤالك العميق لأقول: إنه خيار جمالي أخاله إلى الوعي أقرب؛ كي لا يضحي الشاعر أحد الأربعة أو رابعهم، أما المعنى واليقين فأمل يراود الشعراء، وما هم ببالغيه؛ فالمعنى التام واليقين الخالص ذروة سنام الكمال، والكمال عزيز.
تواصلا مع الفكرة السابقة.. في «حنين بحجم حبة خردل» الحنين هنا لا يظهر كاسترجاع صريح أو بوح عاطفي، بل كأثر صغير مكثف داخل اللغة.. كيف اشتغلت على ضبط هذا الحنين ومنعه من الانفلات؟ وما الذي كنت تخشاه لو اتسعت مساحته في القصيدة؟
هذا سؤال باذخ تقنيا وجماليا حاولت قدر المستطاع التعامل مع الحنين ليس بوصفه «نوستالجيا» أو نكوصا إلى ماض متخيل مشتهى. لا أخفيك أنني حاولت تقمص دور (مايسترو) يسعى لضبط إيقاع الحنين خشية نشاز يحدثه تداخل الأصوات، فيحدث تشوها يفقد الصوت ملامحه، فيصبح كائنا هلاميا قابلا للتماهي والذوبان. لقد كان ماكرا مخاتلا، حتى كاد أن يفلت مني، ليعلن تمرده بالخروج عن السيطرة. حاول مرارا بأسلوب هين لين تارة وعنيف مشاغب حينا آخر، أما ما كنت أخشاه فهو قولا واحدا أني أخشى على الشعر ألا يغدو « منفيستو»، أو في أحسن الأحوال تكرارا للسائد والمألوف، لكن هل نجحت في ذلك؟ هذا حكم متروك لأولي الاختصاص ولعموم القراء الكرام.
تلعب الصورة دورا محوريا في قصيدتك، وتسهم في بناء الدلالة داخل النص.. كيف تتشكّل الصورة لديك؟ وما المسافة بين الإحساس الأول ولحظة صياغته في اللغة؟
لا ريب أن الصورة إحدى «مداميك» الشعر، وتشكل أهمية كبرى في بناء القصيدة ومعمارها، فالصور المبتكرة روح الشعر، وهي التي تولد الدهشة والإعجاب، لكنها تغدو عبئا ثقيلا إذا ما تحولت إلى أشكال من الزخارف المقحمة والأشكال المصطنعة، فحينئذ تضحى أقرب إلى المساحيق الضرورية لإخفاء تجاعيد القصيدة وترهلها، لكن الشاعر الحقيقي يفر من ذلك المسلك «فرار السليم من الأجرب»؛ لذلك لا أجنح إلى الاشتغال اللغوي إلا بقدر إزالة الزوائد التي تثقل كاهلها؛ حتى لا أدخل مناطق الخطر، وأعني مرحلة التكلف والصنعة التي قد تفقد الشعر توهجه وتسلبه محاسنه.
إلى أي حد تحضر الذاكرة الشخصية في نصك؟ وكيف تدير علاقتك بها حتى تبقى القصيدة قصيدة، ولا تتحول إلى سيرة ذاتية؟
من الصعب إن لم يكن من المستحيل مقاومة غواية الذاكرة وإغراءاتها. إنها في حالة سيولة دائمة، تنثال بقوة لتحتل مساحات شاسعة تعتبرها مناطق امتياز؛ لهذا لا مناص من مشاغبتها حينا، ومهادنتها حينا آخر بسلوك طرق التفافية. أحاول دائما الاحتفاظ بمسافة أمان كافية للإفلات من سطوتها لضمان البقاء في نطاق «المنزلة بين المنزلين».
كيف ترى موقع تجربتك داخل المشهد الشعري العماني اليوم؟ هل تشعر أنك تتحرك ضمن امتداد طبيعي، أم أنك تكتب من مسافة هادئة عن الأشكال السائدة؟
لا أمنح نفسي حق رؤية تموقع الذات فهناك من هو أقدر مني على ذلك، بيد أنني حتما لست منبت الصلة بالمشهد الشعري في عمومه وعلى إطلاقه. بعيدا عن حواجز الجغرافيا وتحقيب النقاد وتصنيفاتهم؛ لا أؤمن بالسكنى في خيمة أحد أو الانضواء تحت راية أحد، ولن أستظل بشجرة أحد؛ فلست مريدا لشيخ؛ كي لا أصبح مجبرا على اتباع طريقته. لم ولن أكون منتميا إلى «غزية في حالتي غوايتها ورشدها»؛ ذلك أن الشعر صنو التمرد، لا يقبل التبعية وما تستوجبه من طاعة مطلقة؛ فالإبداع كما أفهمه وتعلمه فردي، والشعر لفرط حساسيته لا يقبل بديلا بالحرية، ولا يقايض بالاستقلال .
ما الذي أضافته لك الأمسيات الشعرية والنشر والحضور الثقافي العام؟ وإلى أين قادك هذا الاحتكاك في النظر إلى تجربتك الشعرية وأسئلتها؟
لا ريب أن للأمسيات الشعرية، والنشر والحضور الثقافي العام، أهمية في إنضاج التجربة وصقلها ناهيك عن وظيفتها التواصلية وتعميق المعارف الإنسانية، والاطلاع على التجارب المختلفة، لكنها غالبا ما تكون محاطة بسلسلة متصلة الحلقات من العلاقات التي تعتمد شبكة معقدة من الأطر المنظمة والحواجز الصارمة.
ما السبيل إلى الحفاظ على حق القصيدة في البطء والتأمل في زمن تتسارع فيه الكتابة والنشر؟ وأين يقع الصمت في مسار الشاعر؛ جزء منه أم فراغ بين محطاته؟
سؤلك يتسم بالحصافة والفطنة كسائر أسئلتك؛ فحق القصيدة في النمو الطبيعي يحميها من الهشاشة والضعف والفراغ والهزال والتلاشي، ولن يتأتى ذلك إلا بجعلها تنمو على سجيتها دون «مكملات» تجعلها تكبر قبل أوانها بدواعي ملاحقة الأحداث كما يفعل شعراء المناسبات المستعدون لقول أي شيء في أي وقت لمنافسة كتاب الأعمدة. لست ميالا إلى ملاحقة القصيدة وإقلاق راحتها؛ فذلك يجعل حضورها باهتا وأثرها لحظويا عابرا وعمرها قصيرا، وذلك يندرج في إطار «القتل العمد» بذرائع شتى أهمها شهوة النشر.
ما برحت أنظر إلى الصمت على أنه تمرين على رؤية غير المرئي في الكون، وهو محفز على تأمل سيرورة الحياة وتشكل الواقع وتحولات الزمن وصيرورة الوقائع والأحداث. من هنا تكتسب الكتابة الآتية بعده فرادتها وألقها ونضجها، وهو ما يمنحها ميزة نسبية تجعلها أقدر على التنبؤ والاستبصار.
أخيرا.. أثناء الكتابة في أي لحظة تشعر أن القصيدة تقودك أنت، لا أنك تقودها؟ وماذا تفعل حين تصل إلى هذه اللحظة: تترك النص يذهب، أم تتدخّل لإنقاذه؟
القصيدة حبيبة عنيدة مزاجية الطبع نرجسية السلوك أشبه بحصان جامح يستعصي على الترويض، تطرق بابها فتغلقه في وجهك، تتوسل إليها فتزداد عتوا واستكبارا، تعدك فتخلف بحجج واهية وأعذار مصنوعة، ثقتها بنفسها تجعلها مطمئنة إلى أن العاشق الحقيقي يجب أن يرى كل ذلك الخفر والدلال والتمنع والسهر والترقب أشهى من الشهد، فيحافظ على «شعرة معاوية». لا أخفيك أن نصوصا عدة جميلة وفاتنة طرقتني بين نصف يقظة ونصف منام، وفي ذروة انشغال بأمر ما أتركها تتشكل وتتبلور وتنضج، فإذا بها تعاقبني بالحرمان، فتدخلني في حالة حزن قد تمتد طويلا وهكذا دواليك.