١ ـ بمجرد دخول العامل إلى المسجد في فصل الصيف، يبدأ الهمز واللمز، وتنداح عبارات التأفف بسبب هيئته، واتساخ ملابسه، ورائحة جسده الذي أرهقته الشمس.
تُوجَّه كلمات الازدراء لشخص لاذ إلى بيت الله عابدًا، ويُتَفادى الاصطفاف إلى جانبه، رغم اليقين أنه لم يأتِ إلينا سائحًا، إنما جاء نتيجة الفقر والحاجة. يهربون من المكان الذي يقف فيه، وكأنه رفض العمل تحت برودة المكيفات، فتصله بذلك رسالة مفادها: «أنت غير مُرحب بك في بيت الله، إنك تؤذي عباده المتعطرين والمتبخرين والمتأنقين».
ورد في السيرة النبوية أن الصحابي زاهر بن حرام جاء يومًا من البادية، فقصد بيتًا من بيوتات النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يجده، فذهب إلى السوق. ولما أُبلغ النبي بذلك، بحث عنه حتى وجده فاحتضنه من خلفه، وأغلق النبي عيني البدوي الرث وهو يقول له ممازحًا: «من يشتري هذا العبد؟». فيجيب زاهر المتعرق وهو يدعك ظهره بصدر رسول الله: «والله ستجدني كاسدًا يا رسول الله». فيقول النبي: «لكنك عند الله لست بكاسد».
خاتم الأنبياء يحتضن بدويًا جاء من الصحراء، في مكان عام كالسوق -وليس في المسجد- ليُشعره بمحبته وعظمة الدين، وأن الله لا ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأموالنا، إنما إلى قلوبنا، ونحن ننزعج من دخول عامل مسلم يكافح من أجل كسب الرزق إلى المسجد؛ لأن هيئته ورائحته لا تروقان لنا.
٢ ـ تأخر عامل المقهى «البريستا» في إحضار الطلب، فقفز الشاب الذي كان يتحدث في هاتفه بصوت عالٍ ينم عن وجود خلاف ما مع الطرف الآخر، واندفع باتجاه صانع القهوة الضئيل، فأمسكه من خناقه وطرحه أرضًا.
هرع مرتادو المقهى، وبعض من جمهور المتسوقين، لإنقاذ الرجل الذي كادت أنفاسه تتقطع، وبعد جهد جهيد تمكنوا من تخليصه ليستعيد هدوءه. بعد حوالي نصف ساعة من الموقف، شاهدت الشاب الآسيوي «البريستا» حزينًا، فاعتذرت له: «آسف كثيرًا لما حصل، هذا المتنطع لا يمثل دينه، ولا يمثلنا، ولا يمثل تربيتنا ولا أخلاقنا، إنه لا يمثل إلا نفسه».
٣ ـ انتظرت داخل سيارتي لأتمكن من الحديث إلى مسؤول الميكانيكيين «الفورمان». أنا أثق في الورشة «الكراج»؛ لجميل تعامل مسؤولها ولجودة العمل. يبدو أن الرجل كان قد دخل في مشاجرة مع شاب قدم لإصلاح سيارته، انتهت برفض تقديم الخدمة له. قال، دون أن أطلب منه: «للمرة الثالثة نُصلح له مركبته، لكنه يرفض أن يدفع لنا أجرنا. عذرناه في المرة الأولى، وتجاوزنا عنه في الثانية، وتعاطف معه صاحب الورشة قبل يومين، لكننا لا نقدم خدماتنا بالمجان، ولدينا رواتب ومتطلبات كثيرة والتزامات».
عرفت منه أن الرجل يمارس هذه اللعبة مع معظم أصحاب الكراجات؛ يُصلح مركبته كل مرة عند أحدهم ويتهرب من الدفع، ويكذب ويماطل. وبعد ذهاب الشخص، تلفت «الفورمان» يمنة ويسرة، وهمس في أذني، وقد وارى فمه بحركة أضحكتني: «هذا نفر ما برابر، سلري ماله كبير كبير، لكن يِشرب وااااااجد».
عُمر العبري كاتب عُماني