محمد بن سليمان الحضرمي 

رغم مرور أكثر من مائة عام، على حادثة اغتيال الإمام سالم بن راشد الخروصي (حكم: 1913 - 1920م)، إلا أن جرحها المميت لم يندمل بعد، ولا تزال النفوس مكلومة، والآباء وكبار السن يتداولونها في أحاديثهم بشيء من الفداحة، نُصِّبَ الإمام في مسجد «الشَّرع» بقرية «تنوف»، (في الساعة الثانية عشرة من يوم الاثنين، 12 جمادى الثانية، 1331هـ/ 1913م)، بحضور جملة من كبار الفقهاء العُمانيين آنذاك الوقت، على رأسهَم الشيخ نورالدين عبدالله بن حميد السالمي (ت: 1914م)، ومن بينهم الشيخان الحكيمان عامر بن خميس بن مسعود المالكي (ت: 1928م)، وأبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الرِّيامي (ت: 1945م)، وجملة من الفقهاء وزعماء القبائل والمشايخ، فكان نَهارًا بألف كما يقال، وحُلمًا حققه الشيخ السالمي، الذي آمن بالفكرة، وخطط لها، حتى أنجزها في لحظة قَدَرِيَّة.
وسارت سبع سنوات، على إمامة الإمام سالم بن راشد الخروصي، لداخلية عُمان وما حولها، حتى جاء عام 1338هـ، ليكون عام حزن عليه، بسبب حادثة اغتياله، ويروي الشيخ «الشيبة» محمد بن عبدالله السالمي (ت: 1985م)، في كتابه «نَهضَة الأعيان بِحُرِّيَّة عُمان»، قصة مقتل الإمام سالم، أنه خرج من نزوى مع عسكره، لإنفاذ الحكم في رجالات من إحدى القبائل العُمانية، وكان قد دعاهم فامتنعوا عليه، فنزل في قرية «خَضْراء بني دَفَّاع» المُحاذية لوادي عندام بإزكي، بعد أن ودَّع مَنَح ونزوى، فنام بين أصحابه في صفحة واديها، ولا يحسُّ من أحَدٍ بِشَرٍ، آمنًا غائلة الرَّعية، فاغتاله أعرابي يقال له «سطين» وكنيته «أبو بسْرة»، وفاضت روحه في الساعة الخامسة من ليلة الخامس، من شهر ذي القعدة 1338هـ/ 21 يوليو 1920م.
لم يكن حدثًا عاديًا، فاغتيال إمام حادثة شنيعة، شهدتها عُمان في تلك الفترة، ولكن كيف وصل «سطين أبو بسْرة» إلى مرقد الإمام وهو نائم بين أصحابه؟ وكيف عرفه وميَّزه دون غيره؟ وهل كان بينهم في تلك الليلة؟ أم تسلَّل إلى مرقد الإمام دون أن يشعر به أحَد؟ وكيف استطاع الهرب من العسكر، بعد أن أجْهَز على الإمام بطلق ناري؟ الأمر يدعو إلى ريبة، ولكن المؤكد أن الإمام سالم لقي حتفه برصاص الغدر، والغدر قد يأتي ممن يُؤمَن جانبه!
الغدر، إحدى الطباع التي يتصف بها بعض البشر، بسبب الأحقاد الدفينة، فالحاقد لا يدخل في وجدانه قيم الصَّفح والمسامحة، والعفو عند المقدرة، هذه مفردات لا تتناسب مع شخصية الحاقد، لأنه لا يرى شيئًا غير شبح الحقد، ماثلًا أمامه ويساور أوهامه، ويتلوَّى كدخان كريه الرائحة، فلا يشمُّ إلا تلك الرائحة، رائحة الغدر المقيتة، لذلك بعض الأحقاد تؤدي إلى إزهاق الأرواح والقتل العمْد، والاغتيال بغير إحساس بالذنب، وحادثة اغتيال الإمام سالم بن راشد، زرعت الخوف في النفوس، ولذلك كان لابد من إحكام القبْضَة، وهذا ما قام به الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، حينما تولى الإمامة، بعد اغتيال الإمام سالم مباشرة، فكان أن اختار شخصيات إدارية حازمة، لتتولى إدارة بعض المدن، المشوبة بالإرهاب الاجتماعي، وينعدم فيها الأمان.
ولم يمض زمن طويل من السنين، حتى اغتيل الأديب السَّمائلي عيسى بن ثاني بن خلفان البكري (ت 1362هـ/ 1943م)، بفداحة وخِسَّة من القاتل؛ حيث كمن له في مُصلَّاه، ليكون مكانًا يزهق فيه روحه غيلة، دون إحساس بأيِّ ذنب، وأنَّ المسجد بيت الله، ومن دخله فهو آمن، نعلم خبر اغتياله من المدخل الخاص به في «الموسُوعة العُمانية»، ذُكِرَ في المدخل أنه ولد في سمائل، ونشأ فيها فترة، ثم رحل إلى نزوى طلبا للعلم، وفيها لازم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي (ت: 1954م) وتعلَّم على يديه، وعيَّنه الإمام في سمائل، كاتبًا للصكوك الشرعية ومدرسًا للنحو، وعمل كاتبًا لأستاذه الشيخ حمد بن عبيد السليمي (ت 1971م)، إلى أن توفي الأديب عيسى بن ثاني مقتولًا، في 26 ربيع الثاني 1362هـ/ 3 يناير 1943م.
لم يتحدث المدخل عن الأسباب التي اغتيل فيها، ولكن في سيرة مختصرة لا تزال مخطوطة، عن (تراجم بعض الأعلام المعاصرين بعُمان)، كتبها الشاعر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي (ت: 2000م)، ذكر فيها إشارة إلى سبب خفي، وصفه بأن عيسى بن ثاني، يقوم بأعمال خطيرة!، يقول: (يقوم بأعمال خطيرة في بلاده، شأن كبار الرِّجال والشخصيات البارزة، مما أدى إلى الفتك به شَهيدًا)، ووصف ساعة اغتياله بقوله: (صَلَّى ليلةً صلاة المغرب في مسجده، فنام في صَرحَة المسجد، نومة الآمن المطمئن، لأنه ما يعهد ذنبًا يخفيه، ولا جريرة كانت منه، وليس من أهل الجَرائر، حاشاه عن ذلك)، ثم يصف الحاقد المُغتال بقوله: (إن ذلك الجاهل الذي يفعل في نفسه، ما لا يرضاه في غيره، والذي ودَّع شمس نهاره، بقلب يكاد يتغيظ حِقدًا، ويتلهَّب حسَدًا، وأمسى ينتظر سواد ليله البَهيم، لينتقم للوحشية الضارية، من الإنسانية الوادعة، بقيَ يداعب بندقيته الغَرْثى، ليملأ بطنها من ذلك الدم البريء، وفعلًا، فقد اتخذ مكمنه، بالقرب من ذلك النائم على مصلاه، وأطلق رصاصته القاتلة، التي قضت على تلك النفس الطاهرة).
ومرة أخرى، تأتي طريقة الاغتيال، والمقتول في حالة نوم، حالتان متشابهتان، بين إمام ينام (بين أصحابه، ولا يحس من أحد بِشَرٍ، آمنًا غائلة الرَّعية)، فتنطلق رصاصة الغدر إليه، وبين أديب نائم في (صَرْحَة المسجد، نومة الآمِن المُطمَئن)، فتنطلق رصاصة الغدر من (بندقيته الغَرْثى، ليملأ بطنها من ذلك الدم البريء)، يبدو أنَّ وضعية النوم أسهل طريقة للاغتيال، ولكن ما هي الأعمال الخطيرة، التي كان يقوم بها الأديب عيسى بن ثاني البكري حتى يغتال بسببها؟ لم يذكر الشيخ عبدالله أي شيء منها، ولا حتى إشارة إليها، سوى أنها أعمال خطيرة، لعله يقصد الأعمال ذات الأهمية الجليلة، كما لم يذكر شيئًا عن الشخص الذي قام بفعل الاغتيال، وأطلق عليه رصاصة الغدر.
ترك الأديب عيسى بن ثاني البكري إرثًا شِعْريًا، ويتداول عنه أنَّ له قصائد كثيرة، من بينها قصيدة في وصف سمائل، ذكرها الأديب محمد بن راشد الخصيبي (ت: 1990م)، في كتابه الرائق «شقائق النعمان»، ومنها: (قد شَاقنِي ذِكْرُ المَعاهِدِ والدِّمَنْ - وَغَدا يُحَرِّكُ مِنْ فُؤادِي ما سَكَنْ)، (دِمَنٌ هي الفيْحاءُ مَسْقَطِ رَأسِنا - وَضِياءِ بَهجَتِنا وَمْرْبَعِنا الحَسَنْ)، (دِمَنٌ زَهَتْ حَمِيَ الذمار بها وَقَدْ - عَزَّ الجِوَارُ فنِعْمَ ذَيَّاكَ الوَطَنْ)، وهو والد الشاعر النحوي موسى بن عيسى البكري، وقد جمعتني به جلسات، في مجلس شيخنا أمير البيان عبدالله بن علي الخليلي رحمهما الله.
ولم يسلم الشيخ عبدالله الخليلي من محاولة اغتيال، وفي المدخل الخاص به في الموسوعة العُمانية، توثيق مفصَّل عن تلك الحادثة، وأنَّ الشيخ تعرَّض لحادثة اغتيال في سمائل، بطلق ناري من مسدس، بتاريخ 12 يناير 1978م، عندما كان يصعد إلى مسجد «رجب» المجاور لمنزله، لأداء صلاة العصر، إلا أنه نجا من الموت، فقد وقعت رصاصات الغدر في موضع غير مهلك بجسده، ما سوى رصاصة واحدة، بقيت مستقرة في جوفه، بمنطقة آمنة على حياته، ولم تُنتَزع منه.
محاولة اغتياله هذه، وقعت وهو متوضئ، وأمام عتبات المسجد، دون أن يأبه الفاعل بحرمة المكان، وبعد أربع سنوات من تلك الحادثة، وتحديدًا في عام 1982م، بدأت على الشيخ عبدالله أعراض مرض شلل الرُّعاش، عانى منه سنوات طويلة بلغت 18 عامًا، حتى توفاه الله عام 2000م، أيكون لهذا الشَّلل الذي تأذَّى منه، علاقة بتلك الرُّصاصَة المستقرة في أحشائه، سؤال لا أملك الإجابة عليه، أما الشاعر فقد وثَّق الحادثة في قصيدة أسماها «إلى المَوْمَاء»، منشورة في ديوانه «فارسُ الضَّاد»، و«المَوْمَاء» كما وردت في قوامِيس اللغة تعني: المَفازة، أو الصَّحراء الواسعة، أو الفلاة، وجمعها مَوامِي، مطلع القصيدة: (إلى المَوماءِ يا مُهْرِي - على ألحانِها نَسْري)، (نَمُسُّ أديمَها كالنمْلِ أحْيانًا وكالنِّمْرِ)، ومنها: (ولا يَنقُصُ مِن مَجْدِي - رُصَاصُ الخَصْم في سَحْرِي)، (ولا طلقاتُهُ الحَمْراءُ - في سَحْرِي وفي نَحْرِي)، (ولا رَمْياتُه اللاتِي - رَمانِيها على ذُعْرِي)، (ولا سَمٌ سَقانِيهِ - وأطْعَمْنيهِ في غَدْرِ).