يُعد الاستثمار في الكفاءات الشابة العمانية أحد أبرز المرتكزات الوطنية التي تتبناها سلطنة عُمان لمواكبة التطور في عملية التعليم وتعزيز قدرتها على المنافسة عالميًا، ويأتي برنامج "روّاد عُمان" كأحد المبادرات الوطنية التي تسعى إلى اكتشاف المواهب العمانية وتطويرها وتمكينها من خلال خوض تجارب تعليمية عالمية تسهم في إعداد جيل قادر على قيادة المستقبل والمشاركة في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية.
ويستهدف البرنامج طلبة الصف الحادي عشر، حيث يخضع المشاركون لسلسلة من الاختبارات والمعايير التي تقيس القدرات الذهنية والتفكير التحليلي والسمات الشخصية ومستوى إجادة اللغة الإنجليزية، إلى جانب مهارات القرن الحادي والعشرين، بما يضمن اختيار الطلبة القادرين على الاستفادة من التجربة وتحويلها إلى مسارات نجاح طويلة الأمد.
وخلال السنوات الماضية، أثمر البرنامج عن ابتعاث أكثر من 250 شابًا وشابة إلى عدد من أعرق الجامعات والمؤسسات التعليمية الدولية، فيما تخرج العديد منهم ليشغلوا مواقع مهمة في مؤسسات محلية وعالمية، الأمر الذي عزز مكانة البرنامج بوصفه أحد النماذج الناجحة في الاستثمار في رأس المال البشري.
في البداية قال يوسف بن حمد العبري، الحاصل على بعثة برنامج روّاد عُمان لدراسة الهندسة الكهربائية في جمهورية الصين الشعبية: إن تجربته مع البرنامج بدأت قبل سنوات من حصوله على البعثة، عندما سمع عنه لأول مرة خلال دراسته في الصف العاشر، وكان البرنامج معروفًا بين الطلبة بأنه من أكثر البرامج تنافسية، وأن الالتحاق به يتطلب مستوى مرتفعًا من المهارات الأكاديمية واللغوية، الأمر الذي أثار فضوله ودفعه إلى خوض التحدي، وكانت فكرة الانضمام إلى برنامج يجمع نخبة الطلبة من مختلف المحافظات بحد ذاتها مصدر إلهام له، وشجعته على التقدم رغم إدراكه لحجم المنافسة.
وأشار إلى أن مرحلة التعلم الذاتي كانت الأصعب خلال مسيرته في البرنامج، لأنها وضعت كل مشارك أمام اختبار حقيقي لقدراته على الانضباط وتحمل المسؤولية وإدارة الوقت، فقد تزامنت هذه المرحلة مع الدراسة في الصف الثاني عشر، الأمر الذي تطلب منه الموازنة بين متطلبات الدراسة المدرسية ومتطلبات البرنامج في الوقت نفسه.
ويرى العبري أن هذه المرحلة كانت من أكثر التجارب التي أثرت في شخصيته، لأنها علمته أن النجاح لا يعتمد على وجود من يراقب أداءك أو يحفزك باستمرار، وإنما على قدرتك على تحفيز نفسك بنفسك والاستمرار في العمل نحو الهدف رغم الضغوط والتحديات.
وأكد أن البرنامج ساعده على اكتساب مهارات متعددة ما زال يستفيد منها حتى اليوم، من بينها إدارة الوقت والعمل الجماعي والتواصل الفعّال والقيادة، وأن العمل ضمن فرق تضم طلبة من بيئات مختلفة عزز لديه القدرة على تقبّل وجهات النظر المتنوعة والتعاون لتحقيق أهداف مشتركة.
وأوضح أن التجربة غيّرت نظرته للحياة الأكاديمية ولتجربة الابتعاث بشكل عام، حيث أدرك أن النجاح يتعدى الاجتهاد الدراسي ليشمل القدرة على بناء شخصية متوازنة قادرة على إدارة الوقت وتنمية المهارات والاستفادة من الفرص المتاحة، وأن القيمة الحقيقية للبرنامج تكمن في ما يتركه من أثر طويل الأمد في شخصية الطالب وقدرته على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واستقلالية.
ويصف لحظة قبوله في البرنامج بأنها من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته الدراسية، حيث شعر حينها بأنه بدأ رحلة جديدة ستفتح أمامه آفاقًا لم يكن يتصورها من قبل، ويستذكر البرنامج الصيفي الداخلي باعتباره من أبرز المحطات التي شكلت شخصيته من خلال الأنشطة الأكاديمية والتدريبية والعلاقات الإنسانية التي بناها مع زملائه.
وفي السياق ذاته، قدّمت هاجر بنت عبدالله العبري، خريجة برنامج روّاد عُمان والحاصلة على درجة الماجستير في الهندسة بتخصص الكيمياء التطبيقية من اليابان، نموذجًا آخر للأثر العميق الذي يمكن أن تتركه التجارب التعليمية النوعية في حياة الشباب، فقد بدأت رحلتها مع البرنامج عام 2015، قبل أن تنطلق في مسار أكاديمي امتد نحو تسع سنوات بين الدراسة والبحث العلمي والتجارب الشخصية التي أسهمت في تشكيل شخصيتها وتوسيع آفاقها.
واوضحت أنها بدأت بدراسة المرحلة الثانوية لمدة عامين في إحدى المدارس الداخلية بمنطقة "ناجانو" اليابانية، ثم انتقلت إلى جامعة واسيدا في طوكيو لدراسة الهندسة الكيميائية، قبل أن تواصل رحلتها العلمية بالحصول على درجة الماجستير من الجامعة نفسها، من خلال بحث متخصص في إنتاج الهيدروجين الأخضر من الأمونيا، وهو أحد المجالات المرتبطة بتقنيات الطاقة المستدامة والتحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وأكدت أن سنوات الدراسة كانت رحلة متكاملة لاكتساب المهارات والمعارف والخبرات، فعلى الصعيد العلمي أسهمت التجربة في تطوير مهارات التعلم الذاتي والبحث الأكاديمي والتحليل النقدي والابتكار، كما أتيحت لها فرصة عرض أبحاثها العلمية في مؤتمرات متخصصة، من بينها مؤتمر الجمعية اليابانية للمهندسين الكيميائيين ومؤتمر اتحاد آسيا والمحيط الهادئ للهندسة الكيميائية، وهي تجارب عززت لديها مهارات العرض العلمي والنقاش الأكاديمي والثقة بالنفس.
وسلطت الضوء على أبرز تجاربها العلمية في تأسيس مشروع مع عدد من زملائها يهدف إلى تعزيز التعلم من خلال استكشاف الطبيعة وممارسة الأنشطة البدنية.
وحول التحديات التي واجهتها، أشارت إلى أن المنافسة الأكاديمية كانت من أبرز التحديات، خاصة في بيئة تعليمية تتطلب مستويات عالية من الالتزام والانضباط، وتوضح أنها مرت بفترات كانت تضغط فيها على نفسها بشكل كبير لتحقيق نتائج أكاديمية متميزة، قبل أن تدرك أهمية التوازن بين الدراسة والراحة والصحة النفسية، مؤكدة أن دعم الأسرة والأصدقاء لعب دورًا مهمًا في تجاوز تلك المرحلة.
بالإضافة إلى مشاركتها في محاكاة لمؤتمر دولي حول قضايا الطاقة والاستدامة خلال إحدى الورش التدريبية، وتقول إنها فوجئت بنفسها وهي تتحدث بثقة وحزم أمام المشاركين للدفع باتجاه إيجاد حلول مشتركة وتحقيق أهداف النقاش، مؤكدة أن تلك اللحظة جعلتها تدرك حجم التغيير الذي أحدثه البرنامج في شخصيتها وقدرتها على التعبير عن أفكارها وقيادة الحوار.
وترى أن البرنامج منحها أساسًا قويًا قبل الابتعاث، وساعدها على تطوير مهارات الاعتماد على النفس والتكيف مع البيئات الجديدة والخروج من منطقة الراحة، وهي مهارات استفادت منها طوال رحلتها الدراسية في الخارج، وبعد مرور 10 سنوات على انضمامها للبرنامج، أكدت أن البرنامج أصبح جزءًا من مسيرتها الشخصية والمهنية، فبعد أن كانت إحدى المستفيدات منه، أصبحت اليوم جزءًا من الفريق الذي يعمل على دعمه وتطويره ومساندة الأجيال الجديدة من المشاركين.
ووجهت العبريّة رسالة إلى الطلبة الراغبين في الالتحاق بالبرنامج، دعت فيها إلى المبادرة وعدم الخوف من التحديات أو المقارنات مع الآخرين، مؤكدة أن لكل شخص مساره الخاص وقدراته الفريدة، وأن النجاح الحقيقي يبدأ من فهم الذات واستثمار نقاط القوة والعمل على تطوير جوانب الضعف.
من جانب آخر، أشارت نرجس الذهلية، الملتحقة بالبرنامج الإثرائي في عام 2016 والحاصلة على البعثة الدولية عام 2017، إلى الأثر الذي يمكن أن تحدثه الفرص التعليمية النوعية في حياة الشباب، حيث أشارت إلى أن حلم الدراسة خارج سلطنة عُمان رافقها منذ سنوات الدراسة المدرسية، إلا أن تعرفها على برنامج روّاد عُمان فتح أمامها نافذة جديدة لرؤية هذا الحلم باعتباره هدفًا يمكن تحقيقه وليس مجرد أمنية بعيدة.
وحول تجاربها العلمية، تحدثت نرجس عن مشاركتها في أحد أكبر المؤتمرات العالمية المتخصصة في علوم العقل، حيث وقفت لتقديم عرض علمي أمام نخبة من الباحثين والعلماء من مختلف أنحاء العالم، معتبرة أن تلك اللحظة اختصرت سنوات من العمل والاجتهاد والتعلم.
وترى أن برنامج روّاد عُمان كان له دور بارز في توسيع تصوراتها حول ما يمكن أن يحققه الشباب العُماني عندما تتوفر له الفرصة المناسبة، مؤكدة أن طموحها المستقبلي يتمثل في الإسهام في بناء منظومة بحثية متقدمة، وإنشاء مختبر متخصص في الذكاء الاصطناعي العصبي يسهم في إعداد جيل جديد من الباحثين العُمانيين.
وأوضحت الذهلية أن ما جذبها إلى البرنامج لم يكن الابتعاث وحده، بل الفلسفة التي يقوم عليها والمتمثلة في الاستثمار في الكفاءات وتمكينها من النمو على المستوى الأكاديمي والشخصي، علاوة على رؤيتها للبرنامج كفرصة لتطوير قدراتها واكتشاف إمكاناتها والانضمام إلى مجتمع من الطلبة الطموحين.
وبعد حصولها على البعثة بدأت رحلتها الأكاديمية في مدرسة سانت مايكلز بكندا، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراستها الجامعية في جامعة كولومبيا، حيث حصلت نرجس على درجة البكالوريوس في علوم الحاسوب والعلوم المعرفية، لتواصل مسيرتها العلمية في جامعة كاليفورنيا – بيركلي، حيث حصلت على درجة الماجستير وتتابع حاليًا دراسة الدكتوراه.
وتصف رحلتها بأنها تجربة إنسانية ومعرفية متكاملة ساعدتها على اكتساب مهارات جديدة في التفكير والتواصل والعمل ضمن بيئات متعددة الثقافات، وأن من أبرز الدروس التي تعلمتها خلال هذه الرحلة أهمية المبادرة وصناعة الفرص، مشيرة إلى أنها لم تكن تمتلك نموذجًا واضحًا تسير على خطاه في بداية مشوارها، الأمر الذي دفعها إلى بناء مسارها بنفسها والبحث عن الفرص العلمية والبحثية في مختلف المؤسسات والجامعات.
وقد قادها ذلك إلى المشاركة في عدد من البرامج والأبحاث الدولية، من بينها أبحاث في جامعة كامبريدج وبرامج علمية في باريس، وهي تجارب أسهمت في توسيع آفاقها العلمية وتعزيز شغفها بالبحث في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم الإدراك.
كما أُلقي الضوء على أبرز التحديات التي واجهتها خلال رحلتها الدراسية، والمتمثلة في التأقلم مع بيئات أكاديمية تضم طلبة وباحثين من مختلف أنحاء العالم، حيث وجدت نفسها في بيئة تنافسية عالية المستوى تتطلب التعلم المستمر والتطور الدائم، إلا أن التجربة علمتها، بحسب وصفها، أن النجاح لا يتحقق من خلال مقارنة الذات بالآخرين، بل من خلال التركيز على التطور الشخصي والاستفادة من كل فرصة للتعلم والنمو.
أما عبدالله الوهيبي، أحد الوجوه الجديدة في مسيرة البرنامج، فقد التحق بالبرنامج الإثرائي عام 2025 وتمكن هذا العام من الحصول على البعثة الدولية، ومن المقرر أن يبدأ رحلته الأكاديمية في كليات العالم المتحد "روبرت بوش" بألمانيا، قبل استكمال دراسته الجامعية في مجال علوم التصوير العلمي، ليكون امتدادًا لجيل جديد من الشباب العُماني الذي يستعد لخوض تجارب أكاديمية عالمية واعدة.
وأكد أن تجارب البرامج الأكاديمية والبحثية تعد استثمارًا في العلم والمعرفة، وأن بناء القيادات الشابة هو أساس الريادة المستقبلية في كافة القطاعات لبناء جيل يمتلك المعرفة والمهارات والثقة اللازمة للمنافسة.
نماذج تؤكد استدامة الأثر
ولا تقتصر قصص النجاح التي أفرزها البرنامج على هذين النموذجين، بل تمتد إلى عشرات الخريجين الذين واصلوا رحلتهم العلمية في جامعات ومؤسسات تعليمية مرموقة حول العالم، فهاجر العبري التي التحقت بالبرنامج الإثرائي عام 2015 وحصلت على البعثة الدولية في عام 2016، بدأت رحلتها في كليات العالم المتحد "أيلزاك" باليابان، قبل أن تواصل دراستها في جامعة واسيدا وتحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكيميائية، لتصبح إحدى الكفاءات العُمانية التي استفادت من التجربة التعليمية الدولية في بناء مسار علمي متخصص.