حسن فضل صحفي وكاتب بحريني يعاني من مرض مزمن ونادر يُدعى الهايبوباراثايرويد، وهو قصور الغدد جارات الدرقية؛ حيث إن نقص هرمون الباراثايرويد يتسبب في انخفاض مستويات الكالسيوم، مما ينتج عنه عدة أعراض، أبرزها التشنجات وآلام العضلات الحادة، وهو ما استدعى تواجده بشكل دائم في المؤسسات الصحية لتلقي جرعات الكالسيوم عبر الوريد بعد فشل الأدوية في السيطرة على مستويات الكالسيوم، ولمتابعة حالته الصحية.
لكن كلمة صادمة من طبيبه غيّرت مسار حياته: «لا يوجد علاج» كانت كفيلة بأن تحطمه وتقتل عنفوان الحياة لديه، إلا أنها كانت الدافع للنضال والتمرد على أقدار المرض، فصنع منها إنجازه في الحياة. بدأ مشواره من محرك البحث «قوقل»، كتب اسم المرض، وانطلق في رحلة بحث قادته إلى مريضة آيسلندية تعالجت بعلاج جديد، وخاض نضاله حتى الوصول إلى العلاج وهزيمة المرض.
وانتقل من تجربته الشخصية إلى تجارب الآخرين، ومن همّه الشخصي إلى هموم المرضى، وتحول من شخص يبحث عن العلاج إلى شخص يبحث عنه الآخرون من أجل العلاج، فأسس جمعية هايبوبارا البحرين، وشارك في مؤتمرات دولية بالولايات المتحدة. ورأى أن مرضه قد شكّل جسرًا للعبور إلى إصدار روايته «عاشق الكالسيوم» عام 2021م، لتكون اختزالًا لرحلة بحث وأمل استمرت لمدة 18 عامًا في قالب روائي علمي ممزوج بالإنسانية.
ما الدافع الثقافي الذي جعلك تكتب «عاشق الكالسيوم»؟
منذ البداية كان لدي مشروع كتابة الرواية، ولكن نحن كمجتمع شرقي لدينا جانب من الخصوصية العالية جدًا؛ فقليل من روايات السيرة الذاتية كُتب في المجتمع الشرقي؛ نظرًا لتحفظ الفرد عن إفشاء يومياته وحياته للملأ. وفي الوقت الذي تحررت فيه من جانب الخصوصية انطلقت، وشعرت بأنه حان الوقت للبوح بتجربتي لتكون نموذجًا لتجربة إنسان عاش مرضًا نادرًا وانتصر عليه بإرادته. وينبغي لكل فرد عاش تجربة فريدة في مجابهة أي معضلة أو مرض أن يكتب تجربته وينشرها للعالم؛ فتجارب الفرد الإنسانية «ليست ملكه برأيي»، وإنما ملك للبشرية جمعاء.
الرواية تحمل عنوانًا غريبًا وغير مألوف. ما دلالة «عاشق الكالسيوم»؟
ربما يجد الناس الاسم غريبًا، لكن «عاشق الكالسيوم» يختزل كل حسن، ويختصر مسيرته في الحياة، وهو اسم ارتبط بي في جميع مراحل حياتي. فكان عشقي للكالسيوم يجعلني مألوفًا في أروقة المستشفى بين الكادر الطبي والإداري، فكانوا يلقبونني بـ«حسن أبو الكالسيوم»؛ لأنه هو الذي يمدني بالحياة ويمنحني جرعة من التعافي والراحة عبر الوريد وبشكل مستمر. وتعمدت اختيار الاسم حتى أستفز القارئ وأثير انتباهه: كيف لشاب أن يعشق الكالسيوم؟ وتصلني الكثير من أسئلة الناس العفوية في المعارض والمحافل حول عنوان الرواية.
هنالك حضور لافت للعلم والطب داخل العمل، كيف تعاملت مع العلم كجزء من الثقافة، وليس مجرد معلومات؟
أولًا: الهدف من كتابة الرواية هو هدف توعوي، واجتهدت أن يكون الكتاب صالحًا لطالب الطب، وصالحًا للمريض، وصالحًا للطبيب، وصالحًا لأي شخص يعاني من مرض نادر، وصالحًا للجميع، ولأي إنسان قد يئس من الحياة ويحتاج إلى جرعة معنوية، فهذه الرواية موجهة له. فالرواية هي جزء من نشر الثقافة والوعي حول هذا المرض.
ما الأبعاد الرمزية للشخصيات المرتبطة بالرواية؟
تحوي الرواية عدة شخصيات، وهي حقيقية وواقعية، وكذلك الأحداث المذكورة فيها تم سردها كما حدثت لي. ويوجد جانب رومانسي خلقته في القصة؛ فالرومانسية والعشق في العادة يكمنان بين الرجل والمرأة، أما من جهتي في الرواية فهو عشقي للحياة والتمسك بها. فمثلًا، شخصية المريضة «هلا روث» تمثل عشقي للحياة، وعلاقتي معها ليست جانبًا رومانسيًا، وإنما فتحت لي بابًا للأمل وطرائق جديدة للتأقلم مع المرض.
إلى أي مدى اعتمدت على الحياة المجتمعية وثقافة المجتمع الشعبية في بناء الرواية؟
عندما نقرأ الروايات العالمية كروايات دوستويفسكي، فهي ليست أدبًا ورواية فقط، وإنما تنقل ثقافة نمط العيش في مجتمعها، كثقافة الحياة وحتى نمط البناء في المنازل وثقافة الطعام. فاجتهدت من جانبي أن أعكس ثقافة مجتمعي الذي أعيش فيه في الرواية. فقد كنت أعيش في بيئة زراعية، وكانت بيوت الأهل مترابطة ببعضها البعض، وحتى نساء القرية كنّ يتجمعن عند الجدول لغسل الملابس، بينما كان أطفال القرية يمارسون هواية كرة القدم بأبسط الإمكانات كما ذكرتها في النص.
وتحدثت في الرواية عن موضوع المعالجين الشعبيين، وقد كنت ضحية هذه الثقافة في بداية المرض، فحرصًا من والدتي – حفظها الله – على إيجاد العلاج المناسب لي ولو باللجوء إلى العلاج الشعبي، كان الفرد عندما يمرض يلجأ إلى العلاج الشعبي وتناول الأدوية العشبية التي تخفف من الأعراض. فحاولت قدر المستطاع نقل الحياة الاجتماعية وثقافة الشعب البحريني في الرواية، خصوصًا في بداية حقبة التسعينات.
برأيك، ما القيمة الثقافية التي يمكن للقارئ الخروج بها بعد إتمام رواية «عاشق الكالسيوم»؟
تكمن القيمة الثقافية باعتبارها رواية سيرة ذاتية تحكي تجربة إنسان بعد سنوات من المعاناة والألم في الحياة، في إلهام القارئ وتعليمه دروس الصبر وخلاصة تجارب السنين الطويلة مع علاجات متنوعة والسفر إلى الخارج، فكل تجارب هذه السنين صُبّت في قالب روائي واحد، وهو كفيل بأن يدخل القارئ في تجربة تعلم معنى الصبر في المشقة، وتمنحه جرعات هائلة من الأمل.
فكتابي لا يوثق لتجربة ألم، بل لتجربة نجاح وانتصار على مرض نادر، بالإضافة إلى معلومات علمية أضفتها في النص عن مرض الهايبوباراثايرويد والأعراض التي يشعر بها المريض وطرق العلاج. كما ذكرت سفري إلى الخارج للالتقاء بمريضة تحمل المرض نفسه للاستفادة من خبرتها، وقد احتوتني عائلتها بكل حب، وتعلمت عاداتهم وأنماط عيشهم في المجتمع الغربي، كما نقلت لهم ثقافتي العربية.
ما الأبعاد الإنسانية التي ركزت عليها في روايتك؟
يطغى على الرواية الجانب الإنساني بشكل كبير وملفت. فالجانب الأول هو جانب الأمومة، ويبين النص علاقتي بأمي ومعاناتها في رحلة المرض والعلاج. كما أن الجانب الإنساني في الرواية تخطى الأبعاد الدينية والثقافية.
ومثال على ذلك مبادرة الجمعية الأمريكية للهايبوباراثايرويد -ورئيسها جيمس ساندر- التي احتوتني وقدمت لي المعونة والدعم النفسي والعلاجي، ومنحوني جزءًا من وقتهم. كما ذكرت الجانب الإنساني الطاغي مع عائلة المريضة الآيسلندية الذين تبنوا قضيتي وألهموني، ووقفوا إلى جانبي حتى حصولي على العلاج.
أما الجانب الأسمى فهو موقف طبيبتي الدكتورة نسرين السيد معي؛ فقد عاملتني كإنسان قبل أن أكون مريضًا، وكان تعاملها، ولا يزال، في قمة الرقي، ورافقتني في مسيرتي للبحث عن العلاج، وتمكنت من إدارة علاجي بكفاءة واقتدار. وشاركت معي في أحد مؤتمرات الهايبوباراثايرويد في الولايات المتحدة عام 2006م، وقد كان ذلك نقطة تحول كبيرة لي. وعندما تحدثت أمام الحضور وألقيت كلمتي، شعرت بدعمهم الإنساني، وكان تصفيقهم الحار دافعًا إيجابيًا كبيرًا لي.
في الأخير إلى أي مدى ترى أن رواية «عاشق الكالسيوم» قد تفتح بابًا لنمط جديد من الرواية العلمية الثقافية التي تمزج المعرفة بالسرد؟
يجمع كتابي بين السيرة الذاتية والرواية، وهي سيرة علاجية وأعتبرها «علاجًا بالكتابة». وحين يتحول الكالسيوم من مجرد مادة علمية إلى رمز أو أداة لفهم الإنسان والمجتمع، تصبح الرواية أكثر من مجرد سرد، فتتحول إلى مساحة تجمع بين الثقافة والعلم، وبين التجربة الشخصية والوعي المجتمعي.
وشخصيًا أرى أن الفرد الذي خاض تجارب عديدة في الحياة قد انكشف له غطاء الحياة، وأصبح بصره كأنه حديد، فيستوعب الحياة بشكل أوضح ويفهمها بطريقة أفضل، بينما الفرد الذي لم يخض أي تجربة يرى الحياة من غلافها فقط، ويبقى فهمه لها محدودًا.