سارة بنت حميد الهاشمي
لعبت البيئة التي عاش فيها أشهر الفلاسفة والمفكرين والكتاب دورًا فاعلًا في الإبداع الثقافي والإنتاج الفكري والأدبي، وكان التأثير واضحًا على ما قدموه خلال مسيرتهم الممتدة عبر الزمن، سواء كان ذلك إنتاجًا علميًا متعمقًا، أو مؤلفات أدبية تنوعت ما بين فنون الرواية الواقعية أو الخيالية التي تتخذ من الطابع البوليسي مجالًا خصبًا للتفكر والتدبير وحل القضايا المعقدة التي كانت تشغل عقول المحققين ورجال القانون، أو عبارة عن مجموعات قصصية تتخذ من الإطار العاطفي والدرامي مسارًا في السرد، وأيضًا الملاحم الشعرية، أو أي جنس أدبي متخصص.
كان ابن خلدون يقول: «الإنسان ابن بيئته»، ونحن نقول - كما قاله الذين سبقونا -: «الكاتب هو أيضًا ابن بيئته»، وتفسيرنا لذلك هو أن هذا المثقف لا ينفصل عن المكان الذي يعيش فيه، ولا يدخر جهدًا في إبراز دور المجتمع الذي هو من نسيجه، سواء جاءت كتاباته عبارة عن تفاصيل دقيقة لكل ما يحيط به من أشياء يومية، أو طريقة العيش التي اعتاد عليها منذ نعومة أظافره حتى انحنى ظهره، ولهذا كانت البيئة حاضرة في الكثير من المؤلفات، سواء التي تناولت الجوانب الرمزية أو الحقيقية بكل تفاصيلها.
إن كثيرًا من الكتاب على امتداد التاريخ الإنساني كانت إبداعاتهم هي تعبير صادق عن حجم المعاناة التي كانوا يعيشون فيها، سواء في فترات السلم أو الحرب، أو حتى الظروف المعيشية القاهرة التي كانوا وقعوا فيها ابتداءً من سن طفولتهم وحتى كهولتهم.
بعض الكتاب والمفكرين كان مسار حياتهم مثار اهتمام للآخرين، والبعض الآخر كان يوصف بأنه أسلوبه الأدبي أو لنقل الثقافي «غريب الأطوار»، لدرجة أن سمات الشخصية وتركيبتها أثرت كثيرًا على ما قدمه للناس، فالبعض كانت «العزلة» حاضرة في البصمات التي تركوها، وربما هي سببًا رئيسيًا في عبقريتهم وإنتاجهم الفكري الغزير، أما البعض الآخر فكان «اليتم» عاملًا مهمًا في تشكيل شخصياتهم وإقبالهم على الأدب كرئة صحية يتنفسون من خلالها هواء الحياة، والبعض جعله رفيق يعينهم على إدراك أن الحياة ليست كلها مأساة ممتدة، فهناك أحاسيس ومشاعر تدلهم على الشعور بالاطمئنان والاستقرار طالما وجدت في نفوسهم الرغبة في مصارعة الحياة وإيجاد موطئ قدم يقفون عليه بهدوء.
المثير أن عصارة أفكار كل هؤلاء العباقرة، وإن بدأ لنا أن أغلبهم أصابه الجنون وانعكس ذلك في بعض أعماله، إلا أن ما قدموه للعالم من تجارب وخبرات لا تزال تدرس حتى يومنا هذا في أرقى الجامعات والمؤسسات التعليمية في أنحاء العالم، وهذا يؤكد لنا أن العقل البشري تطور في مراحل متقدمة في عملية الإدراك والتعليم والتعلم واكتساب الخبرات حتى من بطن المعاناة والشدائد.
هناك الكثير من الكتاب والأدباء العظام ممن ارتبط أدبهم بالبيئة التي كانوا ينغمسون في تفاصليها اليومية، ومن الأمثلة التي تتكرر ذكرها في الكثير ممن تحدثوا عن هذا الجانب أبرزهم نجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل الذي ارتبط أدبه بالبيئة المصرية ارتباطًا وثيقًا، سواء في وصف الأحياء الشعبية أو الطبيعة الساحلية أو أدق تفاصيل الحياة التي عاش فيها طويلًا وخرج من رحمها إلى العلن، أضف إلى ذلك الكاتب المبدع عبد الرحمن منيف الذي قدم رائعته «مدن الملح»، والتي مزج ببراعة بين البيئة الصحراوية القاسية، والتغيرات المناخية والجيولوجية، وتأثير الاكتشافات النفطية على الإنسان والمكان، بالطبع هناك كتاب عمانيون وعرب وأجانب أثرت بيئة حياتهم بما قدموه من أدب عالمي.
لقد استوقفني رأي قرأته لكاتب يسمى هاشم صالح الذي قدم دراسة فلسفية بين العبقرية والجنون والتي يرى فيها أن إبداع الكاتب يرتبط بالعبقرية والجنون في «شعرة رفيعة»، ويعلل ذلك أن الجنون ليس مرضًا عقليًا، بل هو الخروج عن المألوف، وامتلاك حساسية مفرطة، وقدرة على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة.
ويردف بقوله بأن «الجنون» يمنح الأديب القدرة على ملامسة الحقائق العميقة التي يعجز الإنسان العادي عن إدراكها.
ومهما تحدثنا طويلًا عن تأثير البيئة على المثقف أينما وجد مكانه في هذا العالم، فإن الحديث سوف يطول ويطول، ولكن يبقى أن نشير إلى أن الكاتب في حقيقته جزء لا يتجزأ من جسد المجتمع الذي خرج منه حيًا وميتًا.