«كسر الثقة مع الآخرين»، من أصعب الأمور التي يمكن أن نعاني منها في حياتنا، وربما تظل الحادثة عبارة عن وصمة عار عالقة في أذهاننا، وتستنزف الكثير من طاقتنا الذهنية والعصبية كونها أزمة عاطفية «مؤلمة»، سواء على المدى القصير أو الطويل.
تترك مثل هذه الأحداث ندبات وجرحًا غائرًا في قلوبنا، خاصة إذا جاء هذا الكسر من شخص لم نكن نتمنى أو نتوقع أن تصدر منه هذا الخطأ «القاتل» والمدمر للعلاقات الإنسانية التي تجمعنا به على مدى سنوات!
والسؤال الذي يتكرر في كل زمان ومكان: هل انتهى فعليًا زمن الصديق وقت الضيق، وأصبحنا في زمن عند كل ضيق تخسر صديقًا؟
كثير منا لم يعد يهتم أو يصغي لكلمات الاعتذار أو التبرير لما حدث، خاصة بعد أن تتحول علاقتنا بالآخر كزجاج البلور المكسور، مهما حاولت جمع شظاياه لن يمكنك إصلاح ما كُسر، ولن تستطيع إرجاع الأشياء السابقة إلى مكانها وشكلها الجميل، هذا الفشل يعني لك نهاية الأمر برمته، فلا تضع وقتك في التفكير في شيء محسوم العاقبة.
في بعض الأمور تكون الأشياء واضحة الملامح مهما استبسلنا في الإمساك بالمبررات من أجل تخفيف الصدمة التي نحن فيها، تارة نقول إن ما حدث كان «صدفة»، لكن الدلائل لا تدع لنا مجالًا في طمس الحقيقة أو الشك ولو بنسبة ضئيلة أننا نجاهد من أجل إيهام أنفسنا بأنه حدث عارض أو سهو إنساني.
مفهوم الصداقة يبقى مفتاحها الأول والأخير هو «الثقة» المتبادلة، ومن دونها لا يمكن أن نطلق على أي علاقة تجمعنا بالآخرين بأنها «صداقة حقيقية»، ومن مرارات الكسر التي قرأناها وحفظناها كانت من قول الشاعر الكبير كريم العراقي:
كم خاب ظني بمن أهديته ثقتي
فأجبرتني على هجرانه التهمُ
أما سألت نفسك يومًا: هل تسامح من كسر ثقتك به وترك في قلبك جرحًا غائرًا ينزف ليل نهار دون أن تجد سببًا واحدًا يفسر لك: لماذا حدث كل ذلك؟
منذ أيام قليلة تابعت حوارًا تلفزيونيًا مع الفنان كاظم الساهر، وعندما سُئل عن مسامحة الصديق الخائن، كان رده حاسمًا وصريحًا؛ حيث قال: «أنا رجل لا يغفر كسر الثقة أبدًا»، معتبرًا أن الخيانة وكسر الثقة من الخطوط الحمراء التي لا يمكنه التسامح معها أو تجاوزها مهما كانت أهدافها أو مبرراتها؛ لأن الخيانة تظل خيانة، ومن يخون لا عهد له ولا أمان معه.
كسر الثقة أسبابها «الخادعة» متعددة، أما نتائجها فوخيمة، وأصعبها الخداع المتعمد، أو إفشاء الأسرار المكنونة، أو التخلي عن الرفقاء في أوقات الشدة والضيق، كل ما سبق يؤدي إلى شعور عميق بالصدمة، وانعدام الأمان، وتغير مفاهيم الشخص تجاه معنى الصداقة التي هي أسمى وأطهر من أي سلوك مخالفة لما نشده في حقيقتها وبراءتها.
أربع مقولات فلسفية أعجبتني، أولها قول الفيلسوف كونفوشيوس: «يجب أن تخشى فقدان ثلاثة أشياء في حياتك: الثقة، والاحترام، والأمل». أما أرسطو فيقول: «الصديق هو روح تسكن في جسدين، وخيانة الصديق هي طعنة في صميم الإنسانية». أما نيتشه فله رأي آخر أجمل: «لست مهتمًا بأنك كذبت عليّ، بل أنا منزعج لأنه لا يمكنني تصديقك بعد الآن». وأخيرًا الفيلسوف إيمانويل كانط يقول: «الكذب والخيانة يُمثلان تدميرًا لكرامة الإنسان، لأن الشخص الخائن يعامل الآخرين كوسيلة لتحقيق غاياته الخاصة».
لقد أصبحنا نسمع كثيرًا عن غدر الأصدقاء، فنحكم على أنفسنا بأننا فاشلون في اختياراتنا منذ البداية، ومع ذلك لا أعتقد بأن الأمر تتعلق بالاختيار الخاطئ، وإنما بمعدن الأشخاص الذين نعاشرهم، فمنهم الأصيل ومنهم دون ذلك.
دائمًا ما كان أقرب الناس يوصيني بعدم خذلان الآخرين، أو العبث بمشاعر الناس.. فمحدثي -رحمة الله عليه- كان يردد مقولة قديمة: «قد تربح موقفًا، أو تفرض سيطرة مؤقتة، لكنك ستخسر الثقة... وهي الخسارة التي لا تعوض أبدًا».