مقالة قديمة لعميد الأدب العربيّ دكتور طه حسين عن دراسة الأدب في شتاء 1988، غيّرت مسار الدراسة، حين قرأتها بعد وصولي بأيام للدراسة في مصر؛ فقد كان مجموع العلامات يؤهلني لدراسة أي تخصص في كليّة الآداب، ما عدا الأدب الفرنسي. وقتها، كنت قد عزمت على دراسة الأدب الإنجليزي، بدافع الاتجاه إلى آفاق جديدة تمنحها اللغة، فقد كنت أظن أن لديّ ما يكفيني من معرفة الأدب العربيّ.
أذكر ذلك المساء جيّدا، فقد تم قبولي في قسم الأدب الإنجليزي رغم تأخري ثلاثة أشهر، حتى إنني رحت أقرأ في إحدى المذكرات الجامعيّة، ساعدني على ذلك أننا تعلمنا اللغة من الصف الخامس، في حين كان الطلبة المصريّون يتعلمونها في الصفّ السابع.
أذكر ذلك المساء تصفحي العابر لمطبوعة، فإذا بما كتبه دكتور طه حسين عن تعلم الآداب الأجنبية في الجامعات الفرنسية، ومفاده أنّ من يريد تعلم أي أدب أجنبيّ، فإن عليه أولا دراسة الأدب الفرنسيّ أولا. ولمّا كنت أُكبر د. طه حسين؛ فقد كان تلقي المعلومة مؤثّرا. ولما كنت في أول الحياة، قلت في نفسي إذن أدرس الأدب العربيّ ثم بعدها أدرس الأدب الإنجليزيّ.
وهكذا، فقد كان بسهولة التوجه في اليوم التالي لقسم اللغة العربية، وأظنه كان آخر أيام الفصل الدراسي الأول، والذي كان يتبع النظام السنويّ، الذي نجتاز الأعوام من خلال امتحان واحد لكل مادة في كل عام. وهناك عدت إلى التوسّع فيما درسناه من شذرات من تاريخ الأدب العربيّ، وهكذا درسنا الأدب والنقد واللغة من نحو وصرف وبلاغة ودلالة، وكان ذلك ممتعا.
في السنة الدراسية الرابعة، أي الأخيرة التي يؤهلنا اجتيازها للحصول على إجازة الدراسة "الليسانس"، درسنا مساق الأدب المقارن، ورحم الله أستاذنا الدكتور جلاء إدريس، الذي حبّب لنا المساق، وقد زاد من اهتمامي به ما كان قد نما لديّ فتىً من رغبة دراسة الأدب الإنجليزيّ.
وقد كان لدى أستاذي الحبيب رغبة أخرى كوني طالبا من فلسطين المحتلة، فهو وقد درّسنا اللغة العبريّة، ودرسنا جزءا من أطروحة الدكتوراه التي كانت عن الأدباء اليهود العراقيين الذين كان للصهاينة دور في تهجيرهم الى فلسطين، حيث نصحني وقتها بمواصلة تعلّم اللغة العبرية، والبدء بعمل دراسات متنوعة، قريبة بالطبع من مضمون الأدب المقارن ومنهجيّته. ورغم احترامي لرأيه رحمه الله، فقد كنت لم أتخلص من رغبة دراسة الأدب الإنجليزيّ، لكن الذي تغيّر فيما بعد هو تغيّر الرغبة الى دراسة الأدب الفرنسيّ، وهكذا رحت أتعلم اللغة الفرنسيّة في مصر، ثم وجدتني أواصل تعلم الفرنسيّة في المركز الثقافي الفرنسيّ، حيث وقتها أصبحت معلما للغة العربية.
ولما كنت اطّلع على ما تيسّر من الأدب العالمي والنقد المترجمين، فقد بدأت أجتهد في قراءة الأدب العربيّ بمنظور جديد، يختلف عما تعلّمناه، ولعل هنا أذكر دراستي لقصيدة لاميّة العرب للشنفرى، وكيف حاولت التواصل مع بعض أستاذة الأدب الإنجليزيّ في جامعة بيرزيت، ذات الصيت الطيّب. كان الاقتراح هو أن يطّلع طلبة الأدب الإنجليزيّ على الأدب القوميّ، لقراءته من منظور مقارن ومنظور غير نمطيّ. وهكذا عرفت وقتها أن طلبة الأدب الإنجليزيّ، كما الزملاء في مصر، لا يدرسون إلا ما نزر من الأدب العربيّ، فيما يتعلق بالأدب الحديث.
وعلى حداثة سني وقت التخرّج من مصر، اقترحت، في ظل وجود الانفصال بين الأدب العربيّ والعالميّ في الجامعات، من خلال تأثري السابق بما ذكره طه حسين، بأن يتم اختيار مساقات في الأدب العربي تغطي مراحله، يتم تمريرها لطلبة الأدب الإنجليزيّ، وفي المقابل يتم تدريس طلبة الأدب العربيّ شيئا مقبولا عن الأدب والنقد العالميين.
كان دافعي هو أن يرى الطالب العربيّ في التعليم العالي أدبه القوميّ بالاستفادة من المنجزات الحديثة، أكان لطلبة الأدب العربيّ أو لطلبة أي أدب أجنبيّ. ولكن ما كان على أرض الواقع كان غريبا، حيث لاحظت نفورا ما أمكنني تفسيره نفسيا واجتماعيا؛ ففي الوقت الذي يسعد طلبة الأدب العربيّ بما يدرسونه كونه يعزّز الهوية، زاهدين بالأجنبي (الوافد والغريب)، فقد كان طلبة الأدب الإنجليزي ينظرون للأدب العربي كأدب قديم يعاني المحافظة والمنحى التقليديّ غير المنسجم مع العصر.
أمضيت عاما في دراسة اللغة الفرنسيّة، ولكن كل وقدره، فقد اتجهت في مسارين الأول هو التعليم، حيث المشاركة في تأسيس وزارة التربية والتعليم، أما الثاني فهو الاتجاه الى النقد الأدبيّ والفنيّ الذي واكب عملي في التحرير الصحفيّ.
يبدو أن القارئ سيكتشف المستخلص من وراء هذا السرد عن جزء من رحلتي في الكتابة، كحالة ذاتيّة، وعن دراسة الآداب كحالة عامة.
وعليه، وفي ظل تراجع ليس دراسة الأدب العربيّ والتاريخ، بل في دراسة اللغة، وصلنا إلى ما نعيشه من تشظ معرفيّ وتهشيم، يعود في عمقه السيكولوجي إلى ما سكن في النفوس من محاكاة المنتصر من جهة، وإلى ما سكن لدى آخرين من انعزال وانفصال معرفيّ، فوصلنا إلى ثلاث حالات، هي التماهي مع الغرب والتماهي مع القديم، والخلط بينهما. وهي الحالات التي واكبت ما يسمى مرحلة النهضة العربية الحديثة أواخر القرن التاسع عشر وصولا للنصف الأول من القرن العشرين.
بعد حوالي القرن ونصف القرن، عدنا إلى ما كان، ولربما نحن أصلا لم نخرج من تلك الإشكاليات على المستوى الجمعيّ، حيث كانت التجارب الواعية على الأدب العربيّ والآداب الأجنبية هي تجارب استثنائية، وددنا أن يتم البناء عليها في نظاميّ التعليم العام (المدارس) والتعليم العاليّ.
واليوم، ترى ما هو حال تعليم الأدب العربيّ في جامعاتنا، كذلك حال تعليم الآداب الأجنبية؟ وهل ما زال هذا القطع؟ أم أن هناك من انتبه إلى ضرورة جسر هذه الفجوة؟ وللمتأمل بعمق أكثر بما يتجاوز دراسة الأدب، أن يجد نفسه مفكرا في دراسة الثقافة والفكر والتراث، وما يتعلّق بالعناصر المكوّنة للشخصية العربية، والتي ينبغي أن يجتمع فيها ما ذكرناه من هضم للثقافة العربية، والاستفادة من المنجزات العالميّة، بما يقوي و"يُحصّن" تلك الشخصية، فلا يذهب بها لا إلى الاغتراب من جهة، ولا إلى الانعزال من جهة أخرى.
هي بعض من التجربة، وبعض من الوعي والرأي، ولكن هي الكثير من الضرورة الاستراتيجية في التعامل الجمعيّ المعرفيّ الثقافيّ والتعليميّ والأكاديميّ الواعي، إلا نفعله، فسيزداد التشظي تشظيا. وإن نفعله مواصلين الفعل الواعي في مسارات التعليم العالي والبحث، فسنقطف ثمار التفاعل العالميّ ونحن نقف على أرض أكثر صلابة، فلا نبالغ في أنفسنا ولا في الآخرين؛ فكل وعناصر هويته وحضارته، وكل بما يقدّم لبلادنا والعالم من وعي وجمال.