تنفس العالم الصعداء ليلة الأحد الماضي بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب رسمياََ التوصل لاتفاق إطاري مع إيران ينهي الحرب التي تجاوز أمدها مائة يوم وازدادت عشراََ. ومصدر الارتياح العالمي معلوم بالضرورة ولا يحتاج منا لجزيل شرح وتوضيح، ولكن بالمجمل يمكن القول إن هذا الارتياح العالمي نابع من الشعور بأن العالم قد نجا بالكاد من توابع أزمة اقتصادية أوشكت أن تطوق عنقه وتحكم عليه الخناق بسبب الحرب في الخليج وإغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة العالمية وما ترتب على ذلك من ارتفاع معدلات التضخم العالمية.
وإقليميا، فإن الترحيب الرسمي والشعبي الواسع بالاتفاق كان واضحاََ بصورة لافتة، حيث تم التعبير عنه صراحة مصحوباََ بتأكيدات رسمية على دعمه ودفعه للأمام حتى النهاية.
فبالإضافة إلى الهاجس الأمني والخشية من توسع نطاق الحرب ودخول أطراف أخرى فيها، كان الهاجس الاقتصادي حاضراََ بقوة؛ إذ تعتمد دول الخليج العربي على سبيل المثال على مضيق هرمز في استيراد نحو 80٪ من احتياجاتها الغذائية واستمرار إغلاق المضيق يمثل تهديداََ مباشراََ لأمنها الغذائي بحدوث أزمة غذائية حادة مصحوبة بارتفاع حاد في الأسعار وفي تكلفة المعيشة، وحدوث انخفاض حاد أيضاً في إيرادات الدول التي تعتمد على المضيق في تصدير منتجاتها من النفط والغاز الطبيعي المسال، وهي آثار غير مرغوب فيها البتة في منطقة تتمتع دولها بمستويات معيشية واقتصادية تعد من بين الأعلى عالمياََ ويرتفع نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات هي الأعلى عربياََ.
وبالتالي، فإن فقدان هذه الوضعية المميزة والمتقدمة يعد خسارة غير مرغوب فيها بالنسبة لمواطني وحكومات دول الخليج.
ولهذا السبب جاء رد الفعل الخليجي حيال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من أول يوم متزناََ وعقلانياََ خالياََ من التشنج والخطاب المصادم ويميل إلى التهدئة وعدم التصعيد رغم ما أصاب بعضها من أضرار بالغة في منشآتها الحيوية، والتعدي السافر على سيادتها.
وكان لسلطنة عمان قصب السبق في دفع الأمور نحو التهدئة والحل السلمي للخلاف الأمريكي الإيراني حول الملف النووي الإيراني بقيادتها الباكرة - من قبل الحرب - لوساطة بين الجانبين أينعت وأوشكت أن تثمر عن اتفاق مرض وعادل في سويسرا لولا أن تخطفتها اليد الإسرائيلية التي حرضت واشنطن على شن الحرب على إيران في اللحظات الأخيرة فحدث ما حدث.
هذا المسلك العماني ينم عن قراءة صحيحة وواقعية لمآلات النزاع الإيراني الأمريكي فيما لو ترك بلا تدخل للحيلولة دون تفاقمه، ومن عجب أن سويسرا هي ذات الدولة التي سيتم التوقيع فيها على الاتفاق الجديد يوم غدٍ الجمعة وفيها ستنطلق «صافرة» البداية إيذاناََ لبدء المفاوضات بين الجانبين !!
وهنا لا بد من الإشارة إلى أحد العوامل المهمة التي ساهمت بصورة أساسية في فرض حالة التهدئة والجنوح إلى وقف إطلاق النار وهو التزام دول الخليج سياسة امتصاص الضربات واحتواء الهجمات والإمساك عن الرد وانتهاج النهج الدبلوماسي في مواجهة هذه الضربات والهجمات والمساهمة الفعالة في دفع الجهود الإقليمية والدولية الداعية إلى التهدئة وتليين المواقف واستئناف التفاوض عبر الوساطة الباكستانية.
وكانت ثمرة ذلك في نهاية المطاف هذا الاتفاق المنتظر توقيعه غداً الجمعة في منتجع بورغنستوك بسويسرا.
يسود اعتقاد لدى كثير من المراقبين والمهتمين بتطورات هذه الحرب والاتفاق الذي تم التوصل إليه بأن النسخة القادمة من المفاوضات بين طهران وواشنطن هي الأصعب والأكثر تعقيداََ مقارنة بما سبق من زخم ومخاض أنتج مسودة الاتفاق الحالي.
ووجه الخطأ في هذا الاعتقاد هو أنه أسقط من الحساب عدد من المتغيرات التي طرأت على المشهد نتيجة لتطورات الحرب ومنها مضيق هرمز وحصار الموانئ الإيرانية ومسألة حلفاء إيران في المنطقة، وركز بصورة أساسية على الملف النووي الإيراني والخلاف حوله باعتباره أس الخلاف والنزاع بين طهران وواشنطن وأنه الملف الأكثر تعقيدا والأكثر تشابكاََ من غيره من الملفات الأخرى.
وهو توصيف صحيح لا شك فيه إذا ما قصرنا التحليل فقط على هذا الملف وحده واستبعدنا ما طرأ من تطورات وقضايا مهمة بسبب الحرب والضربات العسكرية المتبادلة بين الطرفين؛ فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر غيرت اتجاه مسار الأزمة وبالتالي سيتغير مسار التفاوض القادم تبعاََ لذلك، وسيكون أكثر سهولة وأقل تعقيداََ.
إن ملف البرنامج النووي الإيراني في الحقيقة وحسبما أرى لم يكن هو جوهر الأزمة وإنما كان مجرد ذريعة اتخذتها إسرائيل لحمل الرئيس ترامب على شن الحرب على إيران من أجل تغيير النظام فيها وتدمير قدراتها الصاروخية ومنشآت الطاقة، وإضعافها لأقصى حد، وقصقصة أجنحتها تماماََ لضمان أمن إسرائيل وإطلاق يدها في المنطقة دون خوف ضمن سياسة التوسع والاحتلال التي تنتهجها إسرائيل كجزء من مشروعها الكبير إسرائيل الكبرى.
وقد كان القضاء على البرنامج النووي الإيراني بمثابة «قميص عثمان» رفعته الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير الهجوم على إيران وكسب الدعم الدولي لها باعتبار أن العالم لن يكون آمناَ مع امتلاك إيران سلاح نووي.
لكن فشلت تل أبيب وواشنطن في تحقيق أهدافهما الحقيقية المخفية من الحرب، فلم يتغير النظام في طهران رغم اغتيال المرشد وعدد من قادة الصف الأول في النظام الإيراني من العسكريين والمدنيين، حيث حدث إحلال سلس لهذه القيادات ولم تتحرك المجموعات المعارضة ضد النظام على غير المتوقع.
وأكثر من ذلك سوءاََ بالنسبة لأمريكا وإسرائيل أن القادة الإيرانيين الجدد الذين ورثوا الحكم كانوا أكثر ثورية من سابقيهم الذين تم اغتيالهم.
وقد كانت إسرائيل تعتقد أن الطبقة الثانية من النخبة الإيرانية الحاكمة ستكون أكثر براغماتية من الأولى وأنه يمكن أن يهادنوا إسرائيل ويقبلوا بالتعاون معها. والراجح أنها كانت قراءة خاطئة بنيت على معلومات خاطئة فقادتهم إلى نتائج خاطئة.
ومما زاد الطينة بلة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب بروز أزمات فرعية نتيجة للحرب وأكبرها إغلاق مضيق هرمز وتطاول أمد الحرب وعجز واشنطون التام عن الوصول إلى المنشآت النووية والاستيلاء على اليورانيوم المخصب حيث كان هذا ضرب من المستحيل.
وللخروج من هذا المأزق عمل الرئيس ترامب على الطَرْق المتكرر والمستمر في كل مناسبة على مسألة السلاح النووي والتأكيد على عزمه الأكيد على منع إيران من امتلاك سلاح نووي؛ يقول ذلك وهو يعلم أن هذا الأمر في الحقيقة ليس هو الهدف الحقيقي لشنه الحرب على إيران، ويعلم كذلك في نفس الوقت أن إيران ليست متمسكة بشدة بقضية امتلاك سلاح نووي ولطالما أكدت ذلك مرارا وتكرارا، وهناك فتوى سابقة من المرشد الراحل بحرمة ذلك، هذا بالإضافة إلى قبول إيران بالتفاوض حول برنامجها النووي مع إدارة الرئيس أوباما والوصول معه لاتفاق أبرم في العام 2015، انسحب منه ترامب في عهدته الأولى.
وانخرطت إيران بالفعل في مفاوضات مع إدارة الرئيس ترامب بوساطة عمانية في فبراير الماضي وأظهرت حرصا على المضي فيها إلى نهايتها، وكذلك انخراطها في المفاوضات الأخيرة التي رعتها باكستان، ثم موافقتها الحالية على التفاوض حول برنامجها النووي ضمن الاتفاق المرتقب والذي من المتوقع انطلاقه غدا الجمعة.
كل هذا يشير إلى أن إيران لا تريد امتلاك سلاح نووي وأنها على استعداد لخوض مفاوضات حوله للوصول إلى اتفاق نهائي وحاسم.
إصرار الرئيس ترامب على موضوع منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتكراره لهذا الإصرار كثيراً في الآونة الأخيرة هو تحصيل حاصل وتأكيد مؤكد، وهو يسوّق لذلك حتى يظهر بمظهر المنتصر وأنه قد أجبر إيران على التخلي عن طموحها بامتلاك سلاح نووي وأنقذ العالم من خطر كان وشيك الوقوع!!
وبالمقابل فإن إيران تعلم أنها لن تخسر شيئا، لأنه ببساطة لن تخرج أي مفاوضات حول برنامجها النووي عن مسار ما خرجت به مفاوضاتها مع إدارة الرئيس الأسبق أوباما هذا إن لم تأتِ نتيجة مفاوضاتها المرتقبة بأقل مما تم التوصل إليه سابقاَ مع أوباما.
وإيران تعلم أن ترامب يريد نصراََ (ما) عنوانه العريض منع إيران من امتلاك سلاح نووي ليسوقه بين يدي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس وليتخلص من المأزق بالمرة.
لذلك فإن المفاوض الإيراني سيركز في الغالب على الضغط على المفاوض الأمريكي في القضايا الأخرى (الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إدارة مضيق هرمز، فك الحصار عن الموانئ الإيرانية، التدخل الإسرائيلي في لبنان، التعويضات عن الخسائر الإيرانية) وهي قضايا ثانوية بالنسبة لواشنطن، ويمكن أن تبدي فيها مرونة أكبر مقابل منح إيران لها صك تعهد بعدم امتلاك سلاح نووي.
ويبدو نتنياهو الخاسر الأكبر وسط هذا الخضم من الحراك والأحداث، وقد فقد القدرة على التأثير على الرئيس ترامب كما كان في السابق، ولن يجرؤ على التحرك بمفرده وبمعزل عن الولايات المتحدة؛ ولهذا السبب لن يألوا جهداََ في السعي لعرقلة المفاوضات وتفخيخها بشتى السبل خاصة من طريق جبهة لبنان، والراجح أن محاولاته القادمة لن تنجح مثلما نجحت في المرات السابقة.