غداة إبصار مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية النور، مؤذنةً بمرحلة يُفترض أن تنهي واحدة من أخطر محطات التصعيد التي شهدها الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية، وفيما العالم لا يزال منشغلاً بدراستها لمعرفة من الرابح ومن الخاسر فيها، إنفتح النقاش الداخلي على سؤالين مترابطين: ماذا يعني أن يكون لبنان بنداً في تفاهم إقليمي- دولي، لم يكن شريكاً مباشراً في صناعته؟ وهل أضعف ذلك الموقف الرسمي اللبناني الرامي نحو فصل المسارات؟
ومع إعلان التوصّل إلى اتفاق أميركي- إيراني، يقضي بوقف العمليات العسكرية على جبهات عدّة، بينها لبنان، لا يزال اللبنانيون يركّزون في قراءاتهم على ما يتضمّنه الإتفاق عن بلدهم، وتتجه أنظارهم الى جنيف غدا الجمعة، حيث سيُوقّع الإتفاق بصيغته الحضورية الرسمية بعد النسخة الإلكترونية، وذلك في خطوة إجرائية ستشكل صافرة شروع في مفاوضات تستمر 60 يوماً قابلة للتمديد لحلّ المسائل العالقة، وقد تشّكل، بحسب إجماع مصادر سياسية متعدّدة، نقطة تحوّل مفصلية في مسار المنطقة عموماً، ولبنان بشكل خاصّ، وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، عنوانها خفض التوتر وتثبيت الإستقرار. أمّا إسرائيل، فلم تُظهر التزاماً واضحاً بالإتفاق الذي ينصّ على وقف العمليات العسكرية ضدّ "حزب الله"، بما يجعل أيّ قراءة لبنانيّة نهائيّة معلّقة على اختبار التنفيذ.
وقائع.. وترقّب
وكان لبنان مشى أول ساعاته المحفوفة بالحذر على طريق الإتفاق الأميركي- الإيراني لوقف إطلاق النار، الذي سارعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى طعنه ببعض الخروقات، وخصوصاً أن مذكرة التفاهم أصبحت أمراً واقعاً، بعدما وقّعها الرئيس الأميركي ونائبه، كما رئيس البرلمان الإيراني. أما حلحلة العقد وإعلان الإتفاق الرضائي بين الطرفين، فقوبل بترحيب عربي وغربي جامع وشامل، وثمّنته كلّ الأطراف المعنية وغير المعنية، وتصدّرها لبنان برئاساته الثلاث. وفي المقابل، كان لافتاً الموقف الإسرائيلي الرافض للإتفاق في المطلق، ولا سيّما في شقّه اللبناني. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي أن إسرائيل لن تلتزم أيّ تفاهمات تحدّ من عملياتها ضد "حزب الله"، وهو أمر كرّره أيضاً مسؤولون إسرائيليون آخرون.
وأنّى يكون الموقف الإسرائيلي، فقد أعلن كلّ من الطرفين الإيراني والأميركي توقيع مذكرة التفاهم إلكترونياً، على أن يثبت التوقيع حضورياً غدا الجمعة في جنيف. وبين التوقيعين، لم تنتهِ الحرب في لبنان، لكن الكثير من الجنوبيين عادوا الى بلداتهم وقراهم، على الرغم من دعوات التريث. ذلك أن مشهد "الحشر" إبان النزوح إنقلب عودة الآلاف بالإتجاه المعاكس، وتحديداً الى المناطق الآمنة، مع التقيّد ببيان الجيش اللبناني الذي دعا الى عدم التوجه نحو القرى الحدودية.
وبانتظار بلورة الإتفاق بالشكل النهائي، تردّدت معلومات مفادها أن اسم لبنان يرد في المذكرة 3 مرات، وأن التركيز فيها هو على وقف الأعمال الحربية وتحقيق السيادة وتأمين سلامة الأراضي اللبنانية، وإنْ كان "هذا الكلام يقول كلّ شيء ولا يقول شيئاً في آن واحد"، بحسب تعبير مصدر سياسي بارز. وعليه، إرتفع منسوب الأسئلة المرتبطة بهذا الشأن، ومفادها: الى أين تتجه الأمور في لبنان؟ هل هو بند أساسي في الإتفاق؟ وبالتالي، هل هناك وقف لإطلاق النار أم لا؟.
وبانتظار تبلور إجابات على هذه التساؤلات، وبعيداً من حسابات الربح والخسارة، فإن في القراءات المتعددة كلاماً عن أنه يمكن لإعلان وقف الأعمال العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أن يشكّل فرصة حقيقية للإنتقال من مرحلة الصراعات المفتوحة إلى منطق الحوار والحلول السياسية. أما الإتفاق بحدّ ذاته، بحسب الكاتب والمحلّل السياسي سركيس أبو زيد، فيخلق فرصة نادرة أمام لبنان. فواشنطن تحتاج إلى نجاح هذا الإتفاق، وإيران تحتاج إلى تثبيت نتائجه، والمجتمع الدولي يريد منع انفجار جديد في شرق المتوسط. وهذه العناصر مجتمعة تؤسّس، وفق رأيه، لبيئة ضاغطة باتجاه وقف الحرب وتثبيت الإستقرار.
وفي الإنتظار أيضاً، أشارت مصادر "حزب الله" لـ"عُمان" الى أن الإتفاق الأميركي- الإيراني "سيجبر إسرائيل على الخروج من لبنان، بتطبيقه أو بالحقّ الذي أعطته الجهات الضامنة لأهل الارض لفرضه"، إذْ "لا عودة إلى معادلة ما قبل 2 مارس الفائت، ولا قبول بتحويل الإحتلال المؤقّت إلى شريط أمنيّ مقنّع"، والى أن الحزب ليس في وارد مناقشة ملفّ سلاحه قبل إنجاز التحرير الكامل وضمان عدم وجود أيّ تهديد إسرائيلي لسكان الجنوب.
أما موقف الدولة اللبنانية، فـ"واضح" بحسب أوساط رسمية، إذْ هي تواصل مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، برعاية أميركية لا لبس فيها ولا تراجع عنها، كما يبدو، وواشنطن ستشهد جولة جديدة منها في 22 من الجاري، حيث سيسعى لبنان مجدّداً إلى تأمين الإنسحاب الإسرائيلي، كأولويّة لاستكمال النقاش في الأمور الأخرى، وأبرزها تحرير الأسرى وإعادة الإعمار. علماً أن موقف رئاستَي الجمهورية ومجلس الوزراء بدا أكثر وضوحاً في تحديد سلّم الأولويّات: وقف نهائي لإطلاق النار، إنسحاب القوات الإسرائيليّة من الأراضي التي تحتلّها، إنتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، عودة الأسرى، وانطلاق مسار إعادة الإعمار. وذلك، بالرغم من كون القرار الفعلي للحرب والسلم لا يزال موزّعاً بين أكثر من عاصمة.
إختبار الضمانات
وهكذا، يعيش لبنان ترقّباً ساخناً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية، ويتهيّأ لجلسة 22 من مفاوضات واشنطن، فيما لا تزال ساحته تعيش سِباقاً ساخناً بين الشروط الدبلوماسيّة والأمر الواقع الميداني. أمّا إسرائيل، فتتصرّف حتى الآن وكأنّها غير ملزمة بالكامل بالشقّ اللبناني من المناخ الجديد. فهي تواصل التمسّك بشروطها الأمنية، وتؤخّر الإستجابة للمطالب اللبنانية المتعلقة بالإنسحاب الكامل ووقف الإعتداءات.
وما بين المشهدين، فإن جوهر الإشتباك الحالي يتمثل، بحسب بعض القراءات، بكون طهران ترى أن لبنان مشمول بالإتفاق، وواشنطن تفضّل إبقاء المساحة رمادية، وتلّ أبيب تعمل على ملء هذه الرمادية بالنار والإحتلال والوقائع الميدانية، ما يجعل الأيام المقبلة، ولا سيّما جلسة التفاوض المرتقبة في واشنطن، محطة مفصلية لاختبار مدى قدرة الولايات المتحدة على ترجمة التفاهم الإقليمي إلى وقائع ميدانية وسياسية ملموسة. وبهذا المعنى، تأتي جولة واشنطن في 22 من الجاري كاختبار فعلي للموقف اللبناني ولجديّة الضمانات الأميركية، وإلا فإن لبنان سيبقى أمام معادلة مفادها: إتفاق دولي يتحدث عن وقف الحرب، واحتلال إسرائيلي يتصرّف كأنّ الحرب لم تنتهِ بعد.