د. حكمت المصري
الأمراض الجلدية وسوء التغذية ينهكان أجساد الأطفال داخل مخيمات النزوح، فيما تكافح الأمهات لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والدواء داخل خيام مهترئة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، يكبر آلاف الأطفال في قطاع غزة وسط ظروف إنسانية وصحية كارثية فرضتها الحرب المستمرة والنزوح المتكرر والحصار الخانق. وبينما تتراجع فرص الحصول على الغذاء والدواء والمياه النظيفة، تتسع دائرة الأمراض الجلدية وسوء التغذية بين الأطفال، لتتحول حياة كثير من العائلات إلى معركة يومية من أجل البقاء.


في المخيمات الممتدة من دير البلح إلى خان يونس والمواصي، لم تعد الأمهات يبحثن عن العلاج الكامل أو الرعاية الصحية المتخصصة، بل عن أي شيء يخفف ألم أطفالهن لساعات قليلة. فالحرب لم تترك وراءها الدمار والركام فحسب، بل خلّفت جيلاً كاملاً يواجه المرض والجوع في آن واحد.


أم تبحث عن أي شيء يخفف الألم
لم تكن الأم فاطمة ناصر (34 عاماً) التي دخلت إحدى العيادات الطبية المجانية في قطاع غزة تحمل بين ذراعيها طفلة مريضة فحسب، بل كانت تحمل صورة مكثفة لمعاناة آلاف الأمهات اللواتي يجدن أنفسهن عاجزات عن توفير أبسط مقومات الحياة لأطفالهن وسط الحرب والنزوح والجوع.


وضعت طفلتها على مكتب الطبيب وقالت بصوت خافت، بينما كان صراخ الطفلة ذات التسعة أشهر يملأ المكان: "أريد أي كريم أو مرهم أي شيء يساعدها على الهدوء". لم تسأل عن اسم دواء محدد، ولم تطلب علاجاً متكاملاً، وكأنها تدرك مسبقاً أن الخيارات لم تعد موجودة. كانت تبحث فقط عن شيء يخفف ألم طفلتها التي كانت تواصل البكاء من شدة الآلام.


وأثناء فحص الرضيعة، اكتشف الدكتور علاء أبوقمر طفحاً جلدياً شديداً يغطي أجزاء واسعة من جسدها الصغير، إضافة إلى آثار حكّ والتهابات واضحة. كما لاحظ أن الطفلة لا ترتدي حفاضة، بل قطعاً من القماش القديمة التي تُغسل وتُستخدم مراراً وتكراراً.


وعندما سأل والدتها عن السبب، أجابت ببساطة: "لا أستطيع شراء الحفاضات، لا يوجد أمامي خيار أفضل من ذلك". وأضافت أن زوجها أستشهد خلال الحرب أثناء ذهابه للحصول على المساعدات وما زال في عداد المفقودين، وأن الأسرة تعيش داخل خيمة منذ أشهر طويلة. لكن ما أثار قلق الطبيب أكثر من الطفح الجلدي والفقر المدقع كان الهزال الواضح على جسد الطفلة.


يقول الدكتور أبوقمر: "كان سوء التغذية صارخاً. سألت الأم إن كانت تلاحظ ذلك، فأومأت برأسها وقالت: نعم، ليس لدي خيارات افضل من ذلك، لقد تعبت من البحث عن حلول". ثم يتوقف قليلاً قبل أن يضيف: "في تلك اللحظة أدركت أن هذه الحرب لم تسرق الغذاء والدواء فقط، بل سرقت أيضاً سقف الأحلام. هذه الأم لم تعد تحلم بعلاج متكامل أو مستقبل أفضل لطفلتها، بل فقط بليلة تنام فيها دون ألم".


أمراض تنتشر بين الخيام
في مخيمات النزوح تتكرر الحكايات ذاتها بأسماء مختلفة. فمئات الآلاف من النازحين يعيشون داخل خيام تفتقر إلى المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي ومواد التنظيف الأساسية، فيما تتكدس العائلات في مساحات ضيقة تشكل بيئة مثالية لانتشار الأمراض والقوارض والنفايات والحشرات.


أم محمد صبح (36 عاماً)، وهي أم لخمسة أطفال نزحت من بيت لاهيا، تقول:"منذ أشهر يعاني أطفالي من الطفح الجلدي والحكة المستمرة. لا نستطيع الاستحمام بشكل منتظم بسبب نقص المياه، ولا نملك المال لشراء الكريمات والأدوية. أحياناً أبقى مستيقظة طوال الليل لأن ابنتي الصغيرة تبكي من شدة الحكة".


أما أم أحمد غالية (23 عاماً)، التي تعيش داخل خيمة في مواصي خان يونس، فتروي أن طفلها البالغ عامين أصيب بالجرب قبل أشهر، ثم انتقلت العدوى إلى إخوته.
وتقول: "في الخيمة لا يوجد مكان لعزل الطفل المريض. عندما يمرض أحد الأطفال يمرض الجميع. نحاول العلاج بما يتوفر، لكن الأدوية غالباً غير موجودة". وفي خيمة أخرى، تجلس أم يوسف إلى جوار رضيعها الذي لم يتجاوز شهره الثامن.


تقول وهي تحاول تهدئته: "ابني لا يزداد وزنه كما يجب. أحياناً لا أجد ما يكفي من الطعام لنفسي، فكيف سيكون الحليب كافياً له؟ أشعر بالعجز عندما يبكي من الجوع ولا أملك شيئاً أقدمه. كنا نحصل على الطعام من المطبخ العالمي، لكننا فقدنا هذا المصدر بعد إغلاقه أبوابه أمام آلاف النازحين".


سوء التغذية يهدد جيلاً كاملاً
لا تنفصل الأمراض الجلدية التي يعاني منها أطفال غزة عن أزمة سوء التغذية المتفاقمة. فالأطباء يؤكدون أن نقص الغذاء يضعف جهاز المناعة لدى الأطفال ويجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض والالتهابات المختلفة، فيما تؤدي الظروف البيئية القاسية داخل المخيمات إلى تفاقم حالتهم الصحية.


ويقول الدكتور علاء أبوقمر: "نرى يومياً أطفالاً يعانون من التهابات جلدية كان يمكن علاجها بسهولة في الظروف الطبيعية، لكن سوء التغذية وضعف المناعة ونقص العلاج يجعل الحالات أكثر تعقيداً وخطورة". ويضيف:"المشكلة لا تكمن في المرض وحده، بل في غياب البيئة الصحية التي تساعد على التعافي. هناك انتشار كبير للحشرات والقوارض والنفايات، كما أن ارتفاع درجات الحرارة يفاقم المشكلات ويساهم في انتشار العديد من الأمراض الجلدية".


أرقام تكشف حجم الكارثة
تعكس الإحصائيات حجم المأساة التي يعيشها أطفال غزة. فقد أشار الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نحو 31 ألف طفل في قطاع غزة يواجهون خطر سوء التغذية الحاد في ظل استمرار الحرب وتقييد وصول الغذاء والرعاية الصحية.


كما أظهرت تقارير أممية أن آلاف الأطفال خضعوا للفحص خلال الأشهر الماضية، وتبين أن أعداداً متزايدة منهم تحتاج إلى تدخلات علاجية عاجلة بسبب سوء التغذية الحاد والمتوسط.
وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن عشرات آلاف الأطفال في القطاع يعانون من درجات مختلفة من سوء التغذية، فيما يترافق ذلك مع انتشار واسع للأمراض الجلدية المعدية، مثل الجرب والطفح الجلدي والالتهابات البكتيرية والفطرية، نتيجة الاكتظاظ الشديد داخل مراكز الإيواء ومخيمات النزوح ونقص المياه النظيفة ومواد النظافة الشخصية.
ويحذر العاملون في القطاع الصحي من أن استمرار هذه الظروف ينذر بآثار صحية طويلة الأمد على النمو الجسدي والعقلي والنفسي للأطفال.


طفولة تحت الحصار والجوع
في أماكن أخرى من العالم، يحلم الأطفال بالألعاب والمدارس والرحلات والاحتفالات. أما في غزة، فينشغل الأطفال بأشياء مختلفة تماماً: جرعة دواء، وجبة طعام، كوب ماء نظيف، أو ليلة ينامون فيها دون ألم.


هناك أطفال لم يعرفوا معنى الغرفة الخاصة أو السرير الدافئ أو الحياة المستقرة. ولدوا في زمن الحرب، وكبروا بين الخيام والركام وأصوات القصف وصفوف انتظار المساعدات.
لكن المأساة الأعمق لا تكمن في المرض أو الجوع وحدهما، بل في تقلص أحلام الأمهات أنفسهن.


فبعد أن كانت الأم تحلم لطفلها بالتعليم والنجاح ومستقبل كريم، أصبح أقصى ما تتمناه اليوم أن تمر ليلة واحدة دون حمى، أو دون حكة، أو دون بكاء من الجوع.
في غزة اليوم، لم يعد الأمل يعني مستقبلاً مشرقاً، بل مجرد فرصة جديدة للبقاء على قيد الحياة حتى صباح اليوم التالي.


وهكذا، تصبح معاناة الأطفال مرآة لمعاناة مجتمع بأكمله، ويصبح حلم الأمهات أبسط من كل الأحلام؛ ليلة هادئة ينام فيها أطفالهن دون ألم، وصباح جديد لا يبدأ بالجوع أو المرض أو الخوف.
في غزة، لم تعد الأمهات يحلمن بمستقبلٍ أفضل، بل بليلةٍ ينام فيها أطفالهن دون ألم.