واشنطن "د. ب. أ": شهدت العلاقات الأمريكية الصينية تقلبات حادة خلال أول 18 شهرا من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، التي استهلها بفرض سلسلة رسوم جمركية على المنتجات الصينية لتصل إلى 145%، في حين ردت الصين برسوم تراكمية وصلت إلى 125% على المنتجات الأمريكية.
وبعد شهور قليلة أسفرت المفاوضات التجارية بين بكين وواشنطن عن تراجع تدريجي للرسوم المتبادلة حتى دخلت العلاقات بينهما مرحلة وصفتها الحكومتان بـ"الاستقرار الاستراتيجي البناء".
في المقابل قال جوناثان ايه. كاتسن أستاذ كرسي ميشيل إتش. أرماكوست لدراسات السياسة الخارجية في مركز الصين بمعهد بروكينجز الأمريكي في تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز إن العلاقات الأمريكية الصينية كانت هشة وسطحية، ما يجعل وصف الوضع الراهن بأنه جمود يتسم بـ"اضطراب متبادل مؤكد" أصح من وصفها بـ "الاستقرار الاستراتيجي البناء"، ليصبح السؤال المحوري الذي سيطرحه الجانبان في المستقبل هو: من سيكون الأفضل في استغلال هذه الفترة الانتقالية؟.
من جانبها، ترى بكين في هذا الجمود انتصارا لها ودلالة على ترسيخ مكانتها كشريك لواشنطن، وتأكيدا على صحة سياساتها التي استهدفت تحقيق القدرة على لعب دور الهجوم والدفاع مع الولايات المتحدة في آن واحد. ومنذ لقاء ترامب بنظيره الصيني شي جين بينج في كوريا الجنوبية في نوفمبر الماضي، تمثلت استراتيجية بكين في كسب الوقت والمساحة وتخفيف الضغط الأمريكي بأقل تكلفة ممكنة. وعندما التقيا مجددا في بكين الشهر الماضي، كان الاحتفال والاحترام اللذان أظهرهما شي لترامب، إلى جانب بعض الاتفاقيات التجارية البسيطة، ثمنا زهيدا مقابل مكاسب الصين.
ومن المفارقات أن مكانة الصين كثاني أكبر قوة عظمى في العالم تعزز قدرتها على تحقيق مكاسب دون تحمل المسؤوليات والأعباء التي استنزفت موارد الحكومة الأمريكية وقللت رغبة الشعب الأمريكي في قيام بلادهم بمبادرات سياسية خارجية جريئة وكبيرة.
ويقول جوناثان كاتسن مدير إدارة الصين في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال الفترة من 2021 إلى 2023 إن أكثر ما يثير القلق بشأن سياسة ترامب تجاه الصين ليس مدى تفردها، بل مدى تشابهها مع أخطاء أسلافه. فانشغال واشنطن بالشرق الأوسط يشتت الانتباه عن المنافسة الأهم مع الصين، وقد أقر بذلك جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ أن أطلقت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما خطتها الشهيرة "التحول نحو آسيا" عام 2011، والتي لم تطبق على أرض الواقع.
ووضع ترامب في ولايته الأولى الصين في صميم استراتيجيته للأمن القومي، ثم أقر في ولايته الثانية بمخاطر أي تدخل آخر في الشرق الأوسط عندما أصدرت استراتيجيته للأمن القومي في ديسمبر .2025 وبعد 12 أسبوعا فقط من إصدار هذه الاستراتيجية، أشعل ترامب الحرب مع إيران.
ويزعم بعض حلفاء الإدارة الأمريكية أن تركيز ترامب للقوة العسكرية الأمريكية، ضد فنزويلا وإيران، يضيق الخناق على حلفاء بكين ويحاصرها، لكن الواقع يقول إن واشنطن استهدفت بيادق على هامش رقعة الشطرنج الدولية، الأمر الذي يثير غضب بكين أكثر مما يضعف موقفها. والحقيقة أنه عندما عقد ترامب وشي قمتهما الثانية في الشهر الماضي كان واضحا أن الشرق الأوسط لم يعد مركزا لتنافس القوى العظمى.
ورغم أن الحرب في إيران أظهرت الدور الاقتصادي الهائل الذي تلعبه المنطقة نظرا لموقعها المحوري في سلاسل التوريد العالمية، فإن الدول الأقدر على تجاوز أزمة الطاقة الناجمة عن هذا الصراع، ويا للمفارقة، هي القوى العظمى الثلاث: الصين وروسيا والولايات المتحدة، أي أن الشرق الأوسط لم يعد مهما لأي من هذه الدول، وبالتالي لم يعد ببساطة المكان الذي تخاطر فيه القوى العظمى بالاحتكاك ببعضها.
لذلك تكتفي الصين بمشاهدة رئيس أمريكي آخر يهدر دماء الأمريكيين وأموالهم وطموحاتهم وذخائرهم في المنطقة، ونفس الرئيس الأمريكي يخضع سياسته تجاه الصين لأولوياته الأخرى في السياسة الخارجية، فأصبح يسعى إلى استقرار العلاقة مع بكين حتى يتمكن من التركيز على إدارة الأزمات.
ويبدو أن ترامب عازم على إعادة سياسة واشنطن تجاه الصين إلى مسارها السابق. فمن أبرز نتائج قمة بكين الاتفاق على إنشاء مجلس للتجارة ومجلس للاستثمار، وهو ما يعني العودة إلى حقبة ولت من الحوارات الاقتصادية والتواصل التي أنهتها إدارة ترامب الأولى.
كما نشرة حقائق البيت الأبيض حول القمة بشكل شبه حصري على التجارة والاتفاقيات التجارية، متجاهلة العديد من القضايا الأمنية التي تعرقل تطور العلاقات بين البلدين.
وكان الإشارة الوحيدة إلى هذه المسائل هي الموافقة على دعوة بكين إلى "استقرار استراتيجي بناء"، وهو ما يشير إلى أن إدارة ترامب المصالح التجارية على التنافس الاستراتيجي، كما أنها تعطي الأولوية للاستقرار مع بكين على مصالح حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة، ولا سيما اليابان وتايوان. هذا النهج لا يعكس مجرد انشغال ترامب الضيق بعقد الصفقات، بل يشير إلى أن نهجه التجاري في السياسة الخارجية هو صورة مشوهة لليبرالية الجديدة التي سمحت بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية والاستفادة الهائلة من عضويتها.
تشترك هاتان الرؤيتان في التركيز على التجارة باعتبارها محور العلاقات الدولية. لكن في نسخة ترامب، أصبحت التجارة شكلا من أشكال القوة الصلبة مجردة من الأسس الأيديولوجية المتعلقة بالقواعد والأعراف والازدهار المشترك التي ميزت النسخة السابقة من الليبرالية الاقتصادية. كما تخلت استراتيجية الدفاع الوطني للإدارة الأمريكية عن أي حديث عن اعتبار الصين "تهديدا متناميا"، وهو ما يعد خروجا عن استراتيجيتي الدفاع الوطني لإدارتي ترامب الأولى وسلفه جو بايدن. وقد رد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث في خطابه في مايو خلال حوار شانجريلا في سنغافورة، بأن على المراقبين متابعة أفعال الإدارة لا أقوالها، ثم جاءت أفعال الإدارة موافقة لأقوالها بتبني نهجا متساهلا مع بكين.
وسواء كان تجاهل الخطر الصيني في استراتيجية الدفاع الوطني لإدارة ترامب انعكاسا لرؤية الإدارة أم لا، فإن وزارة الدفاع الأمريكية جهاز بيروقراطي ضخم يتطلب توجيهات واضحة ومتسقة من القيادة السياسية العليا للحفاظ على التركيز على أولويات القائد الأعلى.
فحتى في السنوات التي تلت تحديد إدارة ترامب الأولى للصين كأولوية دفاعية قصوى، كافح الجيش الأمريكي لإعادة توجيه نفسه ناحية آسيا والصين، بعيدا عن حروب الشرق الأوسط. وبحلول عام 2024، ذكرت اللجنة المشتركة للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس التي تولت تقييم استراتيجية الدفاع الأمريكية أن الصين "تتفوق على الولايات المتحدة في نواح عديدة، وقد قلصت إلى حد كبير التفوق العسكري الأمريكي في غرب المحيط الهادئ".
وأشارت إلى أنه "بدون تغييرات جوهرية، سيستمر ميزان القوى في التحول لصالح الصين". في الوقت نفسه تحقق الصين العديد من المزايا من مكانتها كثاني أكبر قوة عظمى. فكونها "القوة الثانية" يفرض انضباطا على سياستها الأمنية الوطنية. فبينما تجد الولايات المتحدة نفسها مثقلة بالتزامات عالمية ومنشغلة باستمرار بأزمات في أقصى بقاع الأرض، تتمتع الصين برفاهية التركيز بشكل أساسي على كيفية منافسة الولايات المتحدة. حتى أن العديد من التحديات التي تواجه بكين في محيطها مثل ملف تايوان وتنافسها مع اليابان، وعجزها عن تحقيق مطالباتها الإقليمية الواسعة في بحر الصين الجنوبي - مرتبطة بتنافسها مع واشنطن في مسرح جغرافي واحد، وهو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. هذا الوضع يحقق للصين تفوقا كبيرا في المجال العسكري، حيث لا يحتاج الجيش الصيني إلى الاستعداد لحالات طارئة متعددة حول العالم، ولا يحتاج إلى إنفاق الأموال أو التخطيط لتنفيذ عمليات معقدة في مسارح عمليات متعددة في آن واحد، كما هو الحال بالنسبة للجيش الأمريكي.
في الوقت نفسه يميل مخططو الجيش الصيني إلى افتراض أنهم سيواجهون أقوى جيش في العالم، إذا ما قرروا السيطرة على جزيرة تايوان. وقد أحرزوا تقدما ملحوظا في امتلاك القدرة على مواجهة هذا الجيش، حتى أصبح المجال الوحيد الذي يحتفظ فيه الجيش الأمريكي بتفوق على نظيره الصيني هو حرب الغواصات.
أخيرا، نجحت الصين في الاستفادة من انشغال الولايات المتحدة بصراعاتها العديدة، وميلها للتهدئة مع بكين، لكي تعزز قدراتها على مواجهة القوة الأمريكية عندما يحين وقت المواجهة، في الوقت الذي تتآكل فيه قدرة واشنطن على التصدي للخطر الصيني المتصاعد. لذلك فإن سياسة ترامب تجاه الصين لن تجر على الولايات المتحدة إلا الندم.