لعلّ من أبرز أسباب حبّ الجمهور العريض للمطرب كاظم الساهر، فضلًا عن موهبته، تلقائيته في أحاديثه لوسائل الإعلام، وتفاعله وتباسطه مع جمهوره، حين يقف على خشبة المسرح، وهذا التباسط يعود لأسباب عديدة، أبرزها أنّه ابن بيئة فقيرة، فلم يولد وفي فمه ملعقة ذهب.

لقد كافح وحفر اسمه بالصخر في ظروف صعبة مرّ بها، وتجاوزها، وإذا كان المثل الأسكتلندي يقول: «إذا شبع المرء لم يجد للخبز طعمًا» فالساهر ما يزال يتلذّذ بطعم وجبات الفقراء، كما لاحظنا في سياق كلامه في (البودكاست) الأخير الذي أجراه معه الإعلامي أنس بوخنش، وقد ألقت النشأة الأولى ظلالها على شخصيته، فبدلًا من أن تكسره صنعت منه رجلًا صلبًا، ليكون من نوع «الرجال الأقوياء الذين يصنعون أيام رخاء» حسب مقولة ابن خلدون.

لقد عرك الحياة جيدًا، وشقّ طريقه بروح عصامية متسلّحًا بموهبة فذّة، وذكاء شخصي، وإدارة ناجحة لموهبته، وهو لا ينكر تلك المرحلة من حياته، ولا يتنصّل منها.

لقد دخل في صراع من أجل انتزاع فرصته الكبرى في الحياة، وقد بقيت تلك المعاناة تلازمه مثل ظلّه عندما ارتقى أولى خطوات النجاح، وصار له مدير أعمال، وانتقل للأردن لتوسيع دائرة انتشاره، وقد حدّثني رفيق رحلته الشاعر الراحل كريم العراقي، الذي هو الآخر مرّ بظروف صعبة في حياته، عن جوانب من تلك المعاناة، ومن بينها، عندما أقام معه في 1991م في شقة في عمّان يشاركه بها مدير أعماله الشاعر منذر كريم وعازف موسيقي لا يحضرني اسمه، وعندما حان موعد دفع الإيجار لم يكن الأربعة يملكون المبلغ المطلوب لسداده لصاحب الشقة؛ لذا اقترح الساهر على زملائه تسجيل ألبوم شعري يمتزج به الشعر الشعبي مع الموسيقى،

وقام الساهر بالعزف على العود، وبعد انتهاء التسجيل دفع صاحب الشركة مبلغًا لهم سدّدوا به إيجار تلك الشقة التي خرجت منها أجمل الأغاني، وأروع الألحان، وبطبيعة الحال مثل هذه التفاصيل نجدها مشتركة بين الكثير من المطربين العرب؛ فمعظمهم انطلق من خلفيات فقيرة، لكنهم تركوها خلفهم، باستثناء الساهر الذي ظلّ يستحضرها في لقاءاته، ففي البودكاست الأخير احتلّ الحديث عن تلك المرحلة مساحة واسعة من لقاء استمر ساعتين منطلقًا من طفولته، وما صاحبها من آلام بقيت مخزونة في ذاكرته، فـ«الألم الذي يأتي من العائلة لا ينتهي أبدًا»، كما يقول دوستويفسكي،

وتحدّث عن اضطراره للعمل في سنّ العاشرة من عمره لمساعدة أسرته التي تتكوّن من عدد من الأشقاء، وكان والده ذا دخل محدود، وهو المعيل الوحيد للأسرة الكبيرة التي تعيش في بيت صغير، كائن في مدينة شعبية، هي مدينة (الحرية) التي تقع شمال بغداد، وقد أمضيت سنوات فيها، ولي مع الساهر أصدقاء طفولة مشتركون، ومن هذا البيت البسيط خرج قيصر الغناء العربي، وهذه النقطة شكّلت بالنسبة له نقطة قوة بدليل أنه يذكرها بكثير من الفخر والاعتزاز، وهي علامة تُحسب له، وتدلّ على أصالته، ووفائه، وما تكرار الحديث عنها إلّا دليل على أنه يحملها معه في قلبه ووجدانه، ومعها لم يغادر تلك المنطقة من الذكريات المؤلمة التي عاشها في طفولته، واستقرّت في عقله الباطن، وبقي أسيرًا لها، يقول الشاعر اليوناني قسطنطين كافافي في قصيدته (المدينة): «مادامت حياتك قد خُرّبت في هذا الركن الصغير من العالم فأينما تولّي وجهك فهي خراب».

رغم أنّ هذا الاستحضار لا نجد له ارتدادات على المستوى الشخصي؛ فالمدينة التي ولد فيها لم يزرها، منذ آخر مرة غادر العراق عام 1998م، وحتى عندما زار بغداد في مايو 2011م بصفته سفيرًا للنوايا الحسنة بالتنسيق مع منظمة (اليونيسف) لم يمكث سوى ساعات قليلة، بعدها غادر بغداد مسرعًا، ونحن نتفهّم الظروف التي تجعله يعتذر عن الكثير من الدعوات التي وجّهت إليه، وآخرها الدعوة التي وجّهتها له وزارة الشباب والرياضة العراقية لإحياء حفل افتتاح بطولة خليجي 25 في مدينة البصرة، وكم تمنّينا أن يترجم هذا الالتصاق ببيئته الأولى إلى أفعال،

كأن ينشئ مستشفى لعلاج الأطفال المرضى المصابين بالسرطان مثلًا في مدينة طفولته، أو مدرسة، أو يقوم بمبادرات اجتماعية للارتقاء بمستوى الوعي، كما يفعل المشاهير من نجوم كرة القدم، والسينما، أو تأسيس مركز لدعم مواهب الشباب فيها، أو مبادرات إنسانية يسخّر من خلالها شهرته لخدمة بلده، مع علمنا أنه كثير الوفاء لأصدقائه، وكثيرًا ما مدّ لهم يد العون بسخاء! ولكننا ننتظر أن يتمخّض هذا الوفاء عن خدمة يقدّمها لأناسه الذين يفتخرون به، فهذا الوفاء يضعه أمام مسؤولية إنسانية، وأخلاقية، فالذي يبقى هو ما ينفع المجتمع: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، وكلّنا أمل بأن انتظارنا لن يطول طالما أيام الرخاء لم تنسه أيام الشقاء.