ما يُسمى بمشروعات النهضة في عالمنا العربي قد شغلت نفسها وشغلتنا بالبحث في مقولات نظرية عديدة تتعلق بأسئلة النهضة؛ إذ راح البعض يتبنى نموذج وأساليب التقدم في الحضارة الغربية، وراح البعض الآخر يسعى إلى استدعاء تراثنا في الإبداع والفكر والعلوم التراثية، وراح بعض ثالث يحاول التوفيق بين تراثنا الحضاري وبين نموذج الحضارة الغربية القائم بالفعل على الأرض.
ومن هنا شاعت كتابات عديدة تحت عناوين من قبيل: «التراث والتجديد» و«الأصالة والمعاصرة»، وما شابه ذلك. والرأي عندي أن مثل هذه المشروعات قد شغلت نفسها بالبحث في أطر ومسائل تنظيرية، وانشغلت عن البحث في السؤال الجوهري الأساسي، وهو: لماذا تدهورت حضارتنا الإسلامية؟ وما السبيل إلى استعادة تواصل وجودنا الحضاري في هذا العالم؟ هذا هو السؤال الأساس الذي يقتضي الإجابة عنه والذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ببساطة؛ لأنه كما يُقَال في الأمثلة العامية: «إذا عُرِف السبب، بطل العجب».
ومن هنا يمكن نفهم محاولة شكيب أرسلان في الإجابة عن هذا السؤال من خلال كتابه الشهير: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟». ومع ذلك، فإن السؤال لا يزال قائمًا حتى الآن: فإجابة أرسلان تظل في إطار المنظور الأخلاقي والديني الإسلامي؛ وبذلك فإنها أيضًا تغفل عن النظر في مناط الأمر، وهو البحث في الأسباب أو الشروط التي أدت إلى قيام الحضارة العربية الإسلامية، والتي أدى غيابها إلى تدهور هذه الحضارة.
هذا مناط الأمر الذي ينبغي أن يشغلنا بصرف النظر عن تفاصيل المشروع النهضوي في هذا الكتاب أو غيره. وبوسعنا القول بأن كل حضارة تنشأ على هذا الأساس من خلال عملية استبعاد الأسباب التي أدت إلى تخلفها وتدهورها، وهذا أيضًا كان مبعث نهضة الحضارة الأوروبية الحديثة في عملية تحررها من تخلفها الطويل في مرحلة القرون الوسطى.
الشاهد هنا أن البحث في السؤال السابق ينبغي أن يتأسس على البحث في الشروط التي تجعل أية حضارة ممكنة، بما في ذلك الحضارة الإسلامية (ولا شك أن وضع الأمر على هذا النحو يشبه إلى حد ما- من الناحية الشكلية- منهجية الفلسفة النقدية الكانطية في بحثها عن الشروط الأولية الضرورية لإمكان قيام معرفة ما).
وعلى هذا، يمكننا القول إن أول شروط قيام وتدهور الحضارة هو حضور وغياب الإبداع. فهل مناط الأمر هنا هو غياب الإبداع عن حضارتنا، بحيث يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا نبدع؟! وعلى هذا المنوال أيضَا يُقال إننا ليس لدينا مبدعون وفلاسفة حقيقيون في عالمنا العربي، بدليل أننا من النادر أن يُحتفى بنا في مضمار جوائز الفنون العالمية، أو يُشار إلينا بالبنان في محافل الفكر والإبداع في مجال الفكر والعلوم. ومن هنا يُقال أيضًا إننا ليس لدينا فلاسفة في عالمنا العربي، وهذا كلام لا يمكن أن نصفه فقط بأنه غير دقيق، وإنما هو أيضًا غير صحيح على الإطلاق، وهذا هو ما سنحاول بيانه في السطور التالية بالتطبيق على حالة الفكر الفلسفي في واقعنا الراهن.
الشاهد هنا أن إرجاع تدهورنا الحضاري إلى عدم وجود فلاسفة ومفكرين في عالمنا العربي، إنما هو تبرير مغلوط يُجافي الواقع، ولا يقول لنا شيئًا في حقيقة الأمر: فهو يجافي الواقع؛ لأننا نجد في واقعنا الإبداعي- بما في ذلك مجال الفكر والتفلسف- رؤى ومحاولات إبداعية في سائر المجالات. ولكن المشكلة هنا هي أن هذه الرؤى تظل مهمشة، ولا تجد سبيلها إلى الذيوع إلا من خلال أجهزة إعلام مهيمنة، لا تمتلكها سوى الدول التي تنتمي إلى الحضارة الراهنة أو تلحق بركبها! والواقع أن هناك محاولات فكرية وإبداعية عربية ذاع صيتها، وأخرى ظلت في طي الكتمان في عالمنا الراهن: فعلى الرغم من أن هناك كتابات ذائعة الصيت، ومنها-على سبيل المثال- كتابات إدوارد سعيد التي أنتجها في الغرب، فإن هناك كتابات أخرى- على أرض الواقع- تستحق تسليط الضوء عليها، وإن كانت تظل محاولات فردية لا تشكل تيارات فكرية أو فلسفية عامة.
وعلى هذا، فإن السؤال الأساسي لا يزال باقيًا، وهو: لماذا لا يشكل الإبداع ظاهرة عامة في واقعنا الراهن؟! هنا يمكن تشخيص أزمتنا الحضارية على أرض الواقع من خلال البحث في التفاصيل، وهو بحث يمكن أن يعكف عليه مجموعة من المفكرين، بحيث ينتهون إلى تشخيص جذور الأزمة والوقوف بالتالي على خطة علاجها من خلال ورقة عمل عملية. ولا أظن أن هذه الخطة يمكن أن تغفل عن إصلاح التعليم باعتباره شرطًا أساسيًّا للإبداع في العلوم والآداب والفنون؛ كما أنها لا يمكن أن تَغفل عن أن الإبداع ذاته في الفكر والفن لا يمكن أن يتحقق من دون توافر سياق سياسي واجتماعي يدعم حرية الفكر والإبداع؛ فمن دون ذلك، سوف نفقد بوصلة الرؤية، ونظل ندور في حلقة مفرغة، بحيث نعود ونكرر السؤال نفسه.
غير أنه ينبغي التأكيد في النهاية على أن تحرر الفكر لا يقتضي فحسب التحرر من الروادع السياسية والاجتماعية، وإنما يقتضي أيضًا التحرر من قيود التراث، سواء كنا نعني بذلك تراثنا الخاص أو تراث غيرنا؛ وهي القيود التي نقع في أسرها بحيث نعمل على تقديس ذلك التراث، بدلًا من مساءلته والتعرف على الشروط التي أنتجته باعتباره إبداعًا في عصره.