أعترف، لم أعد أنشدّ إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت علاقتي معها منذ أشهر ليست بعيدة. إضافة إلى ذلك صرت أتابع مسلسلات الدراما الكلاسيكية، واستوقفني السيناريو الجميل، الذي يعيد تشكيل الوعي، فأسأل نفسي عن سر الطاقة الهائلة التي كان يمتلكها كاتب سيناريو كأسامة أنور عكاشة ليصوغ لنا خلاصة فكره وثقافته ومعرفته في مسلسلات حفرت في ذاكرتنا منذ الطفولة، وشكلّت وعينا بها؟
ليس السؤال الفعلي لماذا كتب أو كيف؟ بل كيف لا تزال أعماله الدرامية باقية؟ هل السّر في الحوارات، أم في المعالجة الدراميّة الممهورة؟ هل يعود بقاء أثرها إلى عبارة قالتها شخصيات العمل الرئيسة أو الثانوية، أم أن اجتماع العائلة الواحدة في الزمن الماضي على متابعة حلقة التلفزيون الملوّن هو الذي بنى علاقة اتصال من نوع نادر وأليف، بحيث إذا التقى أحد أفراد العائلة في جلسة حميمية تذكروا التلفزيون والمسلسل والحلقة والأغنية والموسيقى وصوت الشخصيّة العالقة في الذهن، وتعليقاتهم كلها؟
هل كنت سأكتب هذه المقالة لو لم أكن أشاهد أفلاما غير ملونة ومسلسلات درامية تعاني نسخها المحفوظة من رداءة في الصوت والألوان؟ على الأرجح كنتُ سأنشغل بمتابعة التزاماتي الخاصّة، وما كان ذلك سيؤثر عليَّ تأثيرًا كبيرًا، لكن ما حدث بعدما شاهدت مسلسل امرأة من زمن الحبّ جعلني أُغيّر رأيي.
وجدتني في مشاهدة الإعادة أحاول أن أركز على استعادة ما كان وعيا قد تعلّمه وأدركه، عندما عُرضت أولى حلقاته عام 1998م المسلسل كتبه أسامة أنور عكاشة، أخرجه إسماعيل عبدالحافظ، وألف موسيقاه عمار الشريعي، ومثله الفنانون: (سميرة أحمد، يوسف شعبان، أحمد خليل، شويكار، هشام سليم، إنعام سالوسة، وعبلة كامل) وسألتُ نفسي: ماذا كنتُ قد تعلمتُ؟ ومَن الشخصيّة التي شدتني أكثر مِن غيرها؟ وهل فعلتْ بي الشخصيّة فعلا خفيّا أم أن السيناريو هو الذي جعلها ساكنة في الوعي؟
لم أكن لأنتبه لسعادتي وأنا أشاهد امرأة من زمن الحب. كنتُ أضحك عندما يستدعي الضحك ذلك، وكنت أنفعل وأغضب عندما يتطلّب المشهد الانفعال المطلوب، بل كنت أناقش بعض موقف «وفية القُرشي» مع نفسها، وابنها، وذكرياتها، وبيعها لبيتها وصيدلية زوجها للسفر مع ابنها الوحيد لبدء رحلة البحث عن حفيدها الذي خُطف من جهات أجنبية. كذلك كنتُ أحلل مواقف الشخصيات الأخرى، الأخ الذي يهرب من مسؤولياته الأسرية، بعدما فشل في تربية أبنائه، وتصرفه مع زوجته التي رفضت إجهاض حملها؟ كذلك شخصية «إلهامي» الذي تحول من ماض مترف، إلى حاضر متزن، ولا أنسى سلوك أخته «شهيرة» التي أخفت عنه أنها أخذت ماله. أما «لبيبة» وشخصيتها وعالمها الصغير الذي لم تستطع الخروج منه، كانت فاكهة المسلسل، وغيرها من الشخصيات والمآل الذي وصلته من جراء أنماط التفكير لديها.
اليوم لدينا الكثير من المسلسلات والقنوات والمنصات التي تبث أعمالها الدراميّة، والقليل منها يحظى بالاهتمام والمتابعة والنقاش. يتجاوز عدد حلقات المسلسل المائة حلقة، ويتكون من سلسلة من الأجزاء، وساعات عرض طويلة، وشخصيات كثيرة، فإذا سأل المتابع نفسه لماذا هذا الغث؟ يأتي الجواب جاهزا: الإنتاج واختلاف النظر إلى الدراما. هناك مثلا في بعض الأعمال الدراميّة تعاني القصة من أحداث غير منطقية، وتظهر شخصياتها باهتة الملامح، بلا لون ولا رائحة، ومرورها لا يشكّل موقفا أو يُعطي معنى. بالإضافة إلى تدخل المُمثل في سير العمل وفقا لمزاج شخصي.
إن كتابة السيناريو الجيد الذي لا يتخفى اليوم وراء الإعلانات المدفوعة مسبقًا، يتطلّب وعيا بأهمية الدراما في حياتنا، فلا يقتصر وجودها على الترفيه والتسلية والفرجة ومنح الجوائز، بل تشكّل خطًا دفاعيا على الصعيدين المعنوي والمادي.
لم يكن في الحقيقة ميزة سيناريو امرأة من زمن الحب في أبطاله وحدهم، بل كانت تقف وراءه معالجة درامية تربط بين الماضي والحاضر؛ ماضي الصعيد المصري، وحاضر القاهرة العاصمة، كان الصراع على القيم والفضائل، الخير والشر، الظاهر والباطن، هدفا لتقديم رؤية متكاملة إلى حد ما في الدراما، وهذا ما تعجز الكثير من الأعمال الدرامية اليوم على إقناعنا به.
يجري اليوم أن تُنشأ مجموعات في مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتساب، إنستجرام) تضم عددا غير محدود من الأفراد، لا تجمعهم علاقة حقيقية، إنّما اهتمامات ثقافيّة وفنية وفكرية متفاوتة. بعض هذه المجموعات يعرف بزمان الطيبين. ما يجري في زمان الطيبين، هو استعادة مشاهد من أفلام قديمة ومسلسلات، وأغان بالأبيض والأسود، أو لقاءات مع أدباء قد رحلوا ومطربين أو ما زالوا على قيد الحياة.
إن الانفتاح الحاصل في الفيسبوك، الذي جمع الأفراد في مجموعات تتابع المسلسلات القديمة لتُبدي رأيها في حواراتها، وشخصياتها، تنقل كفة الطرح إلى سؤال مهم عن حاجة المتفرّج إلى المعرفة والثقافة: فهل يدور اليوم في ذهن كاتب السيناريو العربي والخليجي والمحلي، توليد معان من سيناريو يكتبه بحيث يدفع من خلاله المتفرّج إلى ممارسة نوع من الفعالية الذهنيّة والفكرية؟
إن التفكير في السيناريو كما كتب محمد اشويكة في كتابه (التفكير في السينما- 2014م) نقلا عن تزفيتان تودوروف قوله: «حاولت في كتابي (غُويَا في ظل الأنوار) أن يذكرنا بأن (غُويَا) لم يكن يسعى إلى الجمال، إنّما إلى بلوغ الحقيقة.
وهل هناك حقيقة أجمل من المعرفة، والخير، والجمال، والإنسانية، والفنون؟ وإذا كانت غاية الفن بلوغ الحقيقة، فإن السؤال يزداد إلحاحًا اليوم في زمن الذكاء الاصطناعي.
يُشكّل اليوم تأمل واقع السيناريو الفردي أو المشترك الذي تنجزه مجموعة متدربين يُشرف عليهم المدرب، هاجسًا وقلقًا إزاء ما يقوم به الذكاء الاصطناعي خارج أطر استهلاكنا له. مؤخرًا أخذت تظهر العديد من الفيديوهات التي يغلب عليها الفكاهة الفائضة، فنشاهد رؤساء لدول أجنبية يدخنون النارجيلة في مقاهٍ شعبية، وآخرين حكاما عربا أو من الخليج في وضعيات مشينة، ولم يقتصر الأمر على السياسيين، بل ابتذلت مقاطع من مسلسلات وأفلام تعدُّ «أيقونة» حوّل الذكاء الاصطناعي شخصياتها إلى بهلوانات في عروض للسيرك.
إن الذكاء الاصطناعي متسارع جدا في تقدمه، ولن ينتظر أفرادًا يستيقظون من نومهم ليلحقوا به، والسؤال الباحث عن سيناريو يلامس ثقافتنا، ويتصل بلغتنا العربية في ظل التقنية المنفتحة لا ينبغي أن يلغي التفكير بالمتغيرات السياسية والعالمية من حولنا.
في ظل هذا السياق أعود إلى مشاهدة أعمال تلفزيونية وأفلام سينمائية أو دراما وثائقية عن وحيد حامد، ومحمد صفاء عامر، وبشير الديك، وأسامة أنور عكاشة الذي يملك ثقافة وموقفا وقلما، وظف هذا كله في كتابة جُمل مناسبة لوعي شخصيات مسلسلاته، وفهم حقيقي لدواخلها، ولهذا يُتفق على أن ما سطره بوعيه وقلبه من مسلسلات تُشاهد حتى اليوم من دون عسر، فقد استطاع أن يكتب دراما يصعب نسيانها، تخللها الهُوية الثقافية للمجتمع المصري من دون أن يغفل الجانب العروبي فيها.
لعل ما نفتقده اليوم ليس التقنية، ولا المنصات، ولا أدوات الذكاء الاصطناعي، بل ذلك الإيمان القديم بأن الدراما ليست وسيلة للترفيه فحسب، وإنما طريقة لفهم الإنسان والعالم.