كتب ـ يوسف بن سالم الحبسي
في ظاهرة طبيعية تستعرض فصولها محمية السلاحف كل عام بين شهري مايو وسبتمبر، إذ تخرج آلاف السلاحف الخضراء مع جنوح الليل مثقلة الخطى من أعماق بحر العرب وبحر عُمان بعد رحلة طويلة في أعماق البحر، باتجاه شواطئ المحمية الممتدة على طول 45 كيلومترًا، تتلمس طريقها فوق الرمال الناعمة مستطلعة المكان ببصرها القوي في الظلام الدامس، ثم تشرع في حفر مأمن لبيوضها مستخدمة زعانفها القوية، وما إن تضع بيوضها حتى تبدأ بردم الحفرة بعناية فائقة، في سلوك غريزي لتمويه العش وحماية صغارها المستقبليين، قبل أن تقفل راجعة إلى البحر في رحلة تستمر سنوات قبل عودتها مرة أخرى.
صحيفة "عُمان"، وبالتعاون مع هيئة البيئة، وثّقت تعشيش السلاحف الخضراء بعد أن أرخى الليل سدوله، بمرافقة المراقبين البيئيين في المحمية، حيث بدأنا عصرًا مع المتطوعين بتنظيف الشاطئ لتهيئة البيئة الملائمة للتعشيش، ثم الانتظار لساعات بعد حلول الظلام لمراقبة خروجها الفريد من البحر نحو الشاطئ ببطء، وتستغرق السلحفاة الواحدة من ساعتين إلى 3 ساعات لوضع بيضها في رمال الشاطئ، قبل أن تعود إلى البحر في رحلة تمتد سنوات في أعماق المحيط.
الثانية عالميًا
وقال نزار بن سالم آل فنه العريمي، مدير إدارة البيئة بمحافظة جنوب الشرقية: إن سلطنة عُمان تعد الأولى في الشرق الأوسط والمحيط الهندي في تواجد أربع أنواع من السلاحف على شواطئها، وهي: السلاحف الخضراء، والريماني، والشرفاف، والزيتونية، وتحتل المرتبة الثانية عالميًا كموائل طبيعية للسلاحف، مشيرًا إلى أن برنامج "حماة البيئة" يأتي ضمن اهتمام هيئة البيئة بالسلاحف، إذ تمثل شواطئ سلطنة عُمان مواقع ملائمة لتعشيش هذه الأنواع لوفرة الغذاء وانسيابية الشواطئ بمحافظة جنوب الشرقية.
وأضاف: إن النسخة السادسة من برنامج "حماة البيئة" هذا العام تأتي بالشراكة بين هيئة البيئة والشركة العُمانية الهندية للسماد "أوميفكو"، إيمانًا بأهمية الشراكة المجتمعية وإشراك المجتمع المحلي في حماية السلاحف أثناء التعشيش والتفقيس بمحمية السلاحف، مبينًا أن البرنامج أسهم خلال نسخه السابقة في زيادة معدل السلاحف الخضراء التي تزور المحمية خلال السنوات للتعشيش، كما أسهم في رفع كفاءة التوعية المجتمعية وارتفاع عدد المتطوعين سنويًا خلال موسم التعشيش والتفقيس بمحمية السلاحف، إذ تعدّت أعداد المتطوعين الآلاف سنويًا سواء من مواطنين أو مقيمين، وكذلك بمشاركة مؤسسات حكومية وخاصة، إضافة إلى مشاركات من خارج سلطنة عُمان في هذه المواسم.
موسم التعشيش
وقال صالح بن عبدالله الحربي، رئيس مركز البيئة بمحمية السلاحف: إن محمية السلاحف أُنشئت بموجب المرسوم السلطاني رقم (25 /96م) بتاريخ 23 أبريل 1996م، وتبلغ مساحة المحمية حوالي 120 كيلومترًا مربعًا، وتشمل شاطئًا بطول 45 كيلومترًا، يبدأ من خور جراما شمالًا إلى منطقة الرويس جنوبًا.
وأوضح أن المحمية استقبلت العام المنصرم ما يقارب 60 ألف سلحفاة للتعشيش في رمال الشاطئ، ويبدأ الموسم كل عام من يونيو حتى ديسمبر، إلا أن موسم 2026 بدأ من أواخر شهر مايو الماضي، ومن المتوقع استقبال أعداد كبيرة خلال هذا العام.
وأشار إلى أن الموسم ينقسم إلى قسمين: الأول من يونيو حتى سبتمبر وهو ذروة التعشيش في المحمية، ثم تبدأ أعداد السلاحف المعششة في شواطئ المحمية بالانخفاض تدريجيًا، يليه موسم التفقيس من أغسطس حتى ديسمبر، إذ تبدأ أولى البيوض بالتفقيس بعد حوالي شهرين من بدء ذروة التعشيش في يونيو.
وتعمل هيئة البيئة خلال الموسم ضمن خطة عمل متكاملة على تكثيف الرقابة البيئية على الشواطئ ومواقع التعشيش، ورفع كفاءة الكوادر الفنية والمراقبين البيئيين، مع تنفيذ برامج توعوية للزوار والمجتمع المحلي بنيابة رأس الحد والمناطق الواقعة ضمن حدود المحمية، للمحافظة على الموائل الطبيعية بمحمية السلاحف وأهمية توفير الهدوء للسلاحف للتعشيش في مختلف المواقع.
حرارة الشاطئ
وأكد أن السلحفاة الخضراء تقوم بحفر نصف متر من الرمال للتمويه ونصف متر آخر لوضع البيض، أي أن عمق حفرة التعشيش يقارب مترًا واحدًا، وتضع السلحفاة في الموسم ما يقدر بـ80 إلى 120 بيضة، وينجح ما مقداره 80% من الفقس للسلحفاة الواحدة.
وبيّن أن نسبة الذكور تكون أعلى عندما تعشعش السلحفاة بالقرب من الشاطئ، أما التعشيش في منتصف الشاطئ فإن نسبة الذكور والإناث تكون متساوية، بينما تكون نسبة الإناث أعلى عندما تعشعش السلحفاة في نهاية الشاطئ، ويرتبط ذلك بدرجة حرارة الشاطئ.
آلاف السلاحف
وتطرق الحربي إلى أن موسم التعشيش عام 2025 شهد استقبال المحمية قرابة 60 ألف سلحفاة خضراء، وإرجاع حوالي 800 سلحفاة كبيرة ضلت طريقها إلى البحر، كما تم ترقيم 250 سلحفاة خلال ذات الموسم، وبلغ إجمالي المشاركين والمتطوعين في موسم 2025 في النسخة الخامسة لبرنامج "حماة البيئة" 385 مشاركًا ومتطوعًا، إضافة إلى إرجاع 121 ألف سلحفاة صغيرة إلى البحر.
كما بلغت حصيلة حملات تنظيف الشواطئ في موسم 2025 نحو 1586 كيسًا، بإجمالي قرابة 2900 ساعة عمل، وشملت المخلفات التي تم تجميعها البلاستيك والأكياس والأخشاب وشباك الصيد، وتم التخلص من 120 شبكة صيد خلال الموسم السابق.
صغار السلاحف
وذكر أن صغار السلاحف بعد التفقيس تواجه مهددات طبيعية مثل الثعالب والقطط وسرطان البحر والنورس، وكذلك الأسماك مع دخول السلاحف إلى أعماق البحر، أما المهددات البشرية فتتمثل في التلوث الضوئي والبلاستيك وشباك الصيد.
وأوضح أن ثمة اشتراطات بيئية لمن يقوم ببناء منازل في الخطوط الأولى من شواطئ المحمية، من بينها تركيب إضاءة صديقة للبيئة.
وبيّن أن محمية السلاحف في رأس الحد تشتهر بالسلاحف الخضراء، وتستقطب شواطئ سلطنة عُمان أربعة أنواع من السلاحف، بينها الخضراء، وكذلك الريماني والشرفاف والزيتونية، أما سلحفاة النملة فهذا النوع يمر في البحار العُمانية ويتغذى ويهاجر ولا ينزل إلى الشواطئ قط.
وأشار إلى أن موسم تعشيش سلاحف الريماني يبدأ في شهر مايو من كل عام، فيما يبدأ موسم سلاحف الزيتونية والشرفاف في شهر فبراير.
رصد الانتهاكات
وأشار إلى أن المجتمع المحلي في رأس الحد والمناطق الأخرى الواقعة ضمن حدود المحمية يقوم بدور كبير في إنقاذ السلاحف العالقة في المناطق الصخرية أو التائهة والبعيدة عن الشاطئ، ويتم التواصل مع المراقبين البيئيين في حالات صعوبة الإنقاذ أو جنوح السلاحف، كما أن للمجتمع المحلي دورًا ملموسًا في رصد الانتهاكات والإبلاغ عنها فورًا.
وأوضح أن أهم الإرشادات لزوار محمية السلاحف هي التقليل من الضوضاء، وعدم استخدام الإضاءة أثناء التصوير، واستخدام الإضاءة الحمراء أثناء مشاهدة السلاحف في شواطئ المحمية في المركز العلمي التابع لشركة عمران برأس الجنز.
وبيّن أن الموسم يستقطب العديد من المتطوعين من مختلف المحافظات للمشاركة في تنظيف الشواطئ وتهيئة مختلف المواقع لتعشيش السلاحف، كما أن بصمة المجتمع المحلي وطلاب المدارس في نيابة رأس الحد والمناطق الأخرى الواقعة ضمن حدود المحمية واضحة في حملات التنظيف ومساعدة السلاحف على التعشيش.
أجهزة تتبع
وأكد أن هيئة البيئة قامت في عام 2022 بتركيب 10 أجهزة تتبع ضمن المرحلة الثانية من مشروع تتبع السلاحف البحرية عبر الأقمار الاصطناعية، وذلك لتعزيز المساهمة المعلوماتية لدراسة ظروف التعشيش والموائل الطبيعية للسلاحف البحرية.
وتعمل أجهزة التتبع عبر الأقمار الاصطناعية على معرفة حركة السلاحف وسلوكها ومواطن تعشيشها وتغذيتها، ويهدف المشروع إلى مراقبة التهديدات لهجرة السلاحف والحد من المخاطر والتأثيرات البيئية، وإجراء المسوحات ودراسة ظروف التعشيش والموائل الطبيعية وفهم السلوك في مناطق التغذية والتعشيش.
كما يهدف إلى تتبع عدد أكبر من السلاحف الخضراء في رأس الحد، وبناء القدرات المحلية، وتظافر الجهود المحلية والدولية لتطبيق أفضل الممارسات لحماية السلاحف البحرية.
ومن النتائج المتوقعة للمشروع زيادة المعرفة حول تحركات السلاحف البحرية ومواقع التعشيش والتغذية، وإدارة وصون مواقع التعشيش والتغذية، وإشراك المجتمع في متابعة تحركات السلاحف التي تم تركيب الأجهزة عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي للهيئة، وذلك بمشاركة المختصين من دائرة صون البيئة البحرية ومكتب حفظ البيئة ومكتب الرقابة البيئية والمراقبين ومشرفي النظم البيئية من المحافظات الساحلية.