ترجمة: نهى مصطفى

في مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين «التقاليد العريقة لأوروبا في حرية التعبير»، لكنها وضعت في الوقت نفسه خطا أحمر، قائلة: «نحن واضحون تماما بشأن السيادة الرقمية... فما هو ممنوع في العالم الواقعي ممنوع أيضا في العالم الرقمي».

كان من الممكن أن تبدو مقولة فون دير لاين غريبة على قادة القارة قبل ما يزيد قليلا على عقد من الزمن؛ فبعد أن استلهمت الديمقراطيات الليبرالية حركات الربيع العربي التي غذتها وسائل التواصل الاجتماعي، تعاملت مع حرية الإنترنت باعتبارها مبدأ جيوسياسيا يستحق الترويج، لا مشكلة تستدعي التنظيم.

لكن تراجع الإيمان بالإمكانات التحررية التي يتيحها الإنترنت المفتوح منذ ذلك الحين، ليحل محله تركيز تكنوقراطي متزايد على مفهوم السيادة الرقمية، القائم على ضرورة سيطرة الدول على بياناتها وبنيتها التحتية بوصفه المبدأ المنظم للسياسة الرقمية الأوروبية. وجاء هذا التحول ردا على تنامي هيمنة منصات التكنولوجيا الأمريكية، إذ أثارت نماذجها القائمة على التفاعل مخاوف من إمكان استغلالها من قبل دول وجماعات معادية لنشر الدعاية وتقويض المؤسسات الديمقراطية.

ومنذ إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2024، ومع تقارب قادة وادي السيليكون من إدارة تعادي المؤسسة السياسية الأوروبية علنا وتدعم الشعبويين الذين يتحدونها، ازداد شعور صناع السياسات الأوروبيين بضرورة فرض السيطرة على ما وصفه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بـ«الغرب الرقمي المتوحش».

تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلالها التكنولوجي وتقليص اعتمادها على البنية التحتية الأمريكية عبر مبادرات مثل قانون الرقائق الأوروبي و Gaia-X (مبادرة أوروبية أُطلقت عام 2019 بدعم من ألمانيا وفرنسا، وهدفها إنشاء إطار أوروبي للبيانات والخدمات السحابية). لكن مفهوم السيادة الرقمية لم يعد يقتصر على التكنولوجيا والبنية التحتية، بل امتد إلى إدارة حرية التعبير، من خلال الضغط على منصات التواصل الاجتماعي لمراقبة المحتوى المصنف على أنه تضليل أو تلاعب أجنبي أو خطاب كراهية أو استغلال للأطفال.

باسم حماية الديمقراطية، تستورد المجتمعات المنفتحة سياسات الأنظمة الاستبدادية، التي تصنفها باعتبارها أعداء لحرية التعبير.

فقد تبنى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء ضوابط مركزية على المحتوى، فيما وسعت إدارة ترامب في الوقت نفسه نطاق المراقبة والتدقيق الأيديولوجي والضغط على منصات التكنولوجيا.

لم يفت الأوان بعد لاستعادة الوعد الذي حمله الإنترنت المفتوح بإتاحة الوصول الحر إلى المعلومات عبر الحدود. لكن ذلك يتطلب التمييز بين تنظيم عمل منصات التكنولوجيا ومحاسبتها من جهة، ومنح الحكومات سلطة الرقابة على المحتوى من جهة أخرى؛ فالأولى ضرورية، أما الثانية فيجب رفضها، مع تشجيع تصميم منصات أكثر شفافية ومساءلة.

في عام 2012، أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع مبدأ حماية الحقوق نفسها على الإنترنت كما في العالم الواقعي، ولا سيما حرية التعبير. ورأى مؤيدو القرار أن حرية تدفق المعلومات عبر الإنترنت حق عالمي، ما عزز آنذاك التفاؤل بأن الإنترنت المفتوح سيصبح ركيزة أساسية للحرية الحديثة.

لكن هذه الفكرة كانت تواجه تحديات حتى في ذروة التفاؤل التكنولوجي؛ فبعد أن استخدم نشطاء الديمقراطية في روسيا وسائل التواصل الاجتماعي لتنسيق احتجاجات حاشدة ضد الانتخابات التشريعية المزورة عام 2011 والانتخابات الرئاسية عام 2012، تعامل الكرملين مع المعارضة على الإنترنت باعتبارها تهديدا للأمن القومي.

واتهم جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) المدونين الروس وشبكات التواصل الاجتماعي الأمريكية بنشر دعوات غربية إلى «إسقاط النظام السياسي القائم».

وفي الشهر نفسه الذي اعتمد فيه قرار مجلس حقوق الإنسان، أقر مجلس الدوما قانونا لحماية الطفل أتاح عمليا للسلطات حجب المواقع من دون أمر قضائي، مما مهد لقيام نظام الرقابة والمراقبة المعروف بـ«الشبكة الحمراء»، الذي استخدمه الكرملين لعزل الروس عن المعلومات المستقلة وإضعاف المعارضة وتعزيز سلطة بوتين.

أما جهود الصين للسيطرة على الفضاء الرقمي فكانت أكثر طموحا، حيث سعت إلى إحكام سيطرتها على الفضاء الرقمي عبر توسيع الرقابة على الإنترنت بحجة مواجهة تسلل القيم الغربية.

وشمل ذلك تعزيز «سور الحماية العظيم»، وحجب المنصات ووسائل الإعلام الأجنبية، وتشديد الرقابة على المحتوى والمستخدمين، قبل توسيع هذه الضوابط لتشمل شركات الذكاء الاصطناعي ومخرجاتها.

شهدت أوروبا والولايات المتحدة تحولات خاصة بهما منذ قرار عام 2012.

ففي أوروبا، دفعت المخاوف من تأثير التضليل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016، وانتشار «وباء المعلومات المضللة» خلال جائحة كوفيد-19، ودعم إدارتي ترامب للشعبويين الأوروبيين، وعدائهما لتنظيم الإنترنت في الاتحاد الأوروبي، صناع السياسات إلى تبني مفهوم السيادة الرقمية. أما في الولايات المتحدة، فقد وسعت إدارة ترامب الثانية صلاحيات السلطة التنفيذية، واتخذت إجراءات عقابية ضد المنتقدين، في الوقت الذي نددت فيه بما تعده رقابة مشددة من جانب أوروبا.

رغم أن قرار الأمم المتحدة لعام 2012 أكد ضرورة حماية حرية التعبير على الإنترنت، يتجه قادة أوروبيون نحو فرض قيود أكبر عليها.

ففي فبراير، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى إنهاء إخفاء الهوية على الإنترنت. وفي ألمانيا، ارتفع عدد التحقيقات المتعلقة بإهانة شخصيات سياسية من 2598 تحقيقا عام 2023 إلى 4792 تحقيقا عام 2025، بزيادة تقارب 85%.

وفي أوائل يونيو، غُرم مستخدم على فيسبوك بسبب وصفه ميرز بـ«فريتز الكاذب»، فيما أُدين آخرون لانتقادهم وزراء في الحكومة. وفي فرنسا، رفض الرئيس إيمانويل ماكرون اعتبار التوزيع الخوارزمي للمحتوى جزءا من حرية التعبير، داعيا إلى سن قوانين جديدة لحماية الديمقراطية من الدعاية الأجنبية.

كما طالب بإجراءات سريعة لحجب «المعلومات المضللة» و«المحتوى الذي يمس كرامة الإنسان» على وسائل التواصل الاجتماعي، في توسيع واضح لقانون صدر عام 2018 يتيح للقضاة إصدار أوامر بإزالة المعلومات المضللة خلال فترات الانتخابات.

وسعت دول أوروبية عدة، منها النمسا والدنمارك وإسبانيا، قوانين خطاب الكراهية، فيما يدرس الاتحاد الأوروبي تجريمه على مستوى القارة. وبموجب قانون الخدمات الرقمية لعام 2022، تُلزم المنصات بإزالة المحتوى غير القانوني، ما يزيد من مسؤوليتها في مراقبة المحتوى ويدفعها إلى تقييد مزيد من الخطاب تجنبا للعقوبات.

تبدو هذه السياسات موجهة أساسا إلى عمالقة التكنولوجيا الذين تملك منصاتهم القدرة على تأجيج الاستقطاب ونشر محتوى لا تنشره المؤسسات الإعلامية التقليدية. ولا شك أن نفوذ هذه الشركات يثير مخاوف مشروعة في أوروبا. لكن استجابة الحكومات قد تكون أكثر خطورة واستدامة من نفوذ شركات التكنولوجيا، لأن أدوات الرقابة، بمجرد إنشائها، يصعب تفكيكها وتنتقل إلى الحكومات اللاحقة. وفي النهاية، لن يتضرر أصحاب المليارات في وادي السيليكون بقدر ما سيتضرر ملايين المستخدمين الأوروبيين الذين يعتمدون على هذه المنصات للوصول إلى المعلومات وتبادل الأفكار.

كما دفع الخوف من التدخل الأجنبي عبر الشبكات الاجتماعية صناع السياسات إلى التقليل من مرونة الديمقراطيات الأوروبية وقدرة مواطنيها على التفكير النقدي. وغالبا ما تبالغ الحكومات في تقدير حجم المعلومات المضللة وتأثيرها الانتخابي. وتشير مجموعة متزايدة من الدراسات إلى أن التعرض لهذا النوع من المحتوى يتركز بين شريحة محدودة من الأنصار الملتزمين سياسيا، وأن أثره المباشر في سلوك التصويت محدود.

لذلك، يبدو صعود الأحزاب الشعبوية في أوروبا مرتبطا بدرجة أكبر بمخاوف حقيقية تتعلق بالهجرة والاقتصاد، وهي قضايا سبقت ترامب ووسائل التواصل الاجتماعي بسنوات طويلة.

تنوع الآراء وانتقاد السياسات العامة، سواء جاءت من الداخل أو الخارج، يمثلان جوهر حرية التعبير. أما اعتبار هذا النقد هجوما على الديمقراطية، فيعني ضمنا أن سياسات القادة المنتخبين يجب أن تكون بمنأى عن المساءلة. ورغم أن ميرز وآخرين يؤكدون أن إجراءاتهم تستهدف «أعداء المجتمع المنفتح والليبرالي»، فإن كثيرا من المقترحات المطروحة تشبه سياسات أنظمة غير ليبرالية تستخدم السيطرة على الإنترنت للحفاظ على السلطة وكبح المعارضة. وليس من قبيل المصادفة أن تطبق قواعد التحقق بالاسم الحقيقي في الصين وإيران وروسيا وفيتنام.

لا تمثل الولايات المتحدة ثقلا موازنا موثوقا في مواجهة المسار المقلق الذي تسلكه أوروبا. فرغم الانتقادات الحادة التي وجهتها إدارة ترامب لسياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بحرية التعبير الرقمي، فإن التزامها بحرية الإنترنت يبدو متناقضا. استعانت الوكالات الأمريكية بالتكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي لكشف هويات المستخدمين المجهولين وحذف منشورات توثق أنشطة مسؤولي إنفاذ قوانين الهجرة. كما وسعت إجراءات التدقيق المفروضة على الزوار والطلاب لتشمل مراجعة حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بحثا عن مضامينهم الأيديولوجية، إلى جانب الفحوص الأمنية المعتادة.

عندما رفضت شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» السماح لوزارة الدفاع الأمريكية باستخدام منتجاتها في المراقبة الجماعية للمواطنين أو في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل، صنفتها الإدارة الأمريكية على أنها «خطر على سلسلة التوريد»، وأمرت الوكالات الفيدرالية بقطع علاقاتها معها. ولا تزال الدعاوى القضائية المتعلقة بالقضية مستمرة، لكن قاضيا فيدراليا أصدر في مارس الماضي أمرا قضائيا أوليا لصالح الشركة، معتبرا أن هذا التصنيف يمثل «انتقاما كلاسيكيا بموجب التعديل الأول للدستور» من حرية التعبير التي يكفلها الدستور الأمريكي.

يظهر التناقض الأمريكي بوضوح في السياسة الخارجية. فبينما تعمل واشنطن على إتاحة الوصول للأوروبيين إلى المحتوى المحظور بموجب القوانين الأوروبية، لم تتخذ خطوات مماثلة لمساعدة مواطني الصين أو إيران أو روسيا على تجاوز الرقابة الأكثر تشددا. كما قلصت برامج دعم حرية الإنترنت، بما في ذلك صندوق التكنولوجيا المفتوحة المخصص لمساعدة سكان الدول الاستبدادية على تجاوز القيود الرقمية.

ولا يعني ذلك أن نهج واشنطن وبروكسل تجاه حرية التعبير على الإنترنت متماثلان. فإجراءات إدارة ترامب، رغم طابعها الارتجالي والتنفيذي والانتقامي أحيانا، تظل مقيدة بالحماية التي يوفرها التعديل الأول للدستور الأمريكي، وهي حماية يفتقر إليها الأوروبيون إلى حد كبير. أما القيود الأوروبية على حرية التعبير، فرغم غموض نطاقها وضعف شفافية تطبيقها، فإنها تصدر عن مؤسسات منتخبة وتخضع لإجراءات تشريعية رسمية. ومع ذلك، يلتقي النهجان في ابتعادهما عن الرؤية الطموحة التي سادت مطلع العقد الثاني من الألفية، وفي عجزهما عن تقديم بديل ديمقراطي حقيقي لنموذج السيادة الرقمية الذي تكرسه الأنظمة الاستبدادية.

تشير التطورات الأخيرة إلى أن نموذج السيادة الرقمية الذي تتبناه الصين وروسيا يحقق تقدما على حساب رؤية الإنترنت المفتوح التي تبنتها الديمقراطيات الغربية. فبرغم بقاء الفضاء الرقمي الغربي أكثر انفتاحا، تراجعت المبادئ التي أكدها قرار الأمم المتحدة عام 2012 بشأن حماية الحقوق على الإنترنت، لصالح دور أكبر للحكومات في تنظيم الفضاء الإلكتروني والسيطرة عليه.

تمثل الوعد الأساسي للإنترنت المفتوح في منح المواطنين قدرة أكبر على الوصول إلى المعلومات والمشاركة في الشأن العام ومحاسبة الحكومات. وظهر ذلك في دور المنصات الرقمية في دعم الصحافة المستقلة والمعارضة السياسية، وفي كشف المعلومات المضللة وتصحيحها. ولهذا تنظر الأنظمة الاستبدادية إلى الإنترنت المفتوح باعتباره تهديدا لسيطرتها على المعلومات، وغالبا ما تلجأ إلى تقييده أو قطعه خلال الأزمات والاحتجاجات. ويرى المدافعون عن الإنترنت المفتوح أن حماية الخصوصية ومكافحة المحتوى الضار لا تتطلبان توسيع سلطة الحكومات على الفضاء الرقمي، بل يمكن تحقيقهما من خلال تطبيق القوانين القائمة وتعزيز شفافية المنصات وآليات مساءلتها.