إلى روح الشاعر هلال بن سعيد العامري -رحمه الله-
(1)
يرحل الأصدقاء فجأة، يترجلون عن أحصنتهم، يسبقونا إلى دار المقام، لا يودعوننا، ولا يدعوننا إلى حفل وداعهم، نراهم بعد رحيلهم مختلفين مغايرين تكللهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، يلبسون أكفانهم البيضاء كغيمة تمطر الحنين، والدمع علينا، نراهم بعين قلوبنا هذه المرة، ونسترجع ذكرياتهم معنا، ونعيش لحظاتهم الحميمة، وابتساماتهم الرائعة التي لم نكن لنراها لولا الغياب، نرى ظلالهم تتوسد ذاكرتنا، ونشاهد ضحكاتهم ترافقنا، ونعيد شريط الذكريات مرات، ومرات نحاول أن نعيد اللحظات إلى الوراء، علّنا نحظى بقليل من الوقت معهم.
(2)
أصبحت الذاكرة مملوءة بالرحيل، الأصدقاء يرحلون، الأقارب يرحلون، الأعداء يرحلون، ولا يبقى سوى انتظار الرحيل القادم، حين تأتي الضربة القادمة، إما أن نكون شهودًا عليها، أو شاهدةً علينا، ننسل من بين براثن الموت، لا يعود الموتى إلى الدنيا مرة أخرى ليخبرونا عمّا رأوه، ولا يرجعون صدىً ليرووا لنا حكايات القبور، ولا يتكلمون فنسمع أنينهم وحنينهم، إنهم يتركون فينا الحزن، ويركبون سحابةً من روح، ويرحلون بعيدًا حتى لا نراهم، ولكن تبقى الذاكرة والذكريات في مكانها، تحكي لنا الأيام الخوالي، وتعيد لنا تفاصيل لم نرها من قبل، وتقلّب لنا مواجع الرحيل الصامت.
(3)
رحل إلى الملأ الأعلى قبل أيام الصديق والشاعر العزيز هلال بن سعيد العامري، شاعر آثر الظل على الضوء، عاش في عزلته الكونية، رأى في الحياة نورًا يسير عبره، لم يكترث كثيرًا للظهور، ولم يهرول للإعلام، رأى في القصيدة ذاته المفقودة، وفي الانزواء مساحته العابرة، ترك أثره دون أن يعلم، وترك بصمته في الحياة دون أن يقصد، كان يبحث بصمت عن تلك القصيدة المباغتة، يرى فيها نفسه، ويعيش على أطلالها، كان مخلصًا لها لدرجة أنه كان يعيشها، ويسير في صحبتها، ويلمسها حين تكتظ عليه أوجاع الحياة، كانت صمته الذي يتحدث به، وصوته الذي يعبّر به عن ذاته، عاش لها دون أن يدري، وتقمصها دون أن يعي، رغم التقليدية التي كانت تغلفها، ولكن ليس كمثل القصيدة التقليدية من يعبّر عن المُثل والقيم التي تلبس المرء وتتلبسه حد الانصهار.
(4)
في (الإسكندرية) حيث تعرفتُ على المرحوم هلال بن سعيد العامري كانت ابتسامته لا تفارقه، يترك انطباعًا مؤثرًا في نفس محدثيه، وأثرًا طيبًا في أصدقائه، كان لديه قبول ببساطته، ودماثة خلقه، وابتسامته، ونبل صفاته؛ لذلك كان أثر رحيله المباغت صادمًا ومؤثرًا في نفوس من عرفه وعاشره، ولكن للموت وقاره، وللرحيل هيبته، ولا يبقى غير قليل من الوقت للحياة، وكثير من الأثر كي نتركه وراءنا.
يقول الشاعر غصن بن هلال العبري ناعيًا الشاعر الراحل هلال بن سعيد العامري:
لقد جاءَنا الناعي، وخوفي أن أكنْ
قريبًا.. أنا المنعيّ، فالموتُ يرقبُ
فكم من أحباءٍ لنا قد ترحّلوا
ونحنُ عليهم بعدُ للدمعِ نسكبُ
رحم الله الشاعر الجميل هلال بن سعيد بن محسن العامري، وتقبله في الفردوس الأعلى، وألهم أبناءه وأسرته الصبر والسلوان.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.