تبدو الكتابة شيقة حين تزيح عن كاهل الكاتب وطأة الذكريات المؤلمة، وتؤجل الملامة والحسرات إلى حين، فالكتابة تبوح أكثر إذا خاتلها الحنين، فتنفتح أسارير الكتابة التي تتجنب سرد الذات كسجل حرفي بتجاربه الحياتية دون رقابة أو محاذير.

ففي السرد يجد المرء ترياقا لكل سِقام خفي وعلة لا يراها العامة، فيستر ما يؤذيه لكيلا يجد الشامتون به لذة الاستمتاع.

الخضوع للحنين توق إلى أزمنة وأمكنة تمنح النفس طمأنينة الناسك وسلام المؤمن، فتصبح الكتابة عن الحنين طهرانية جوانية، وتخفف من مراكمة الخيبات.

يحرضني قدوم الخريف على استعادة الذكريات، فنحن الذين فُطمنا على حليب النوق ورثنا الحنين الذي تعلمه الإنسان من الناقة التي تحن إلى ولدها. وليس الحنين فقط مكسبنا الوحيد في علاقتنا بالنوق، بل النزوع أيضا، فالناقة تنزع إلى الأمكنة التي وفرت لها الماء والمأكل أو وجدت فيها حريتها، وهذا ما يورده السارد في رواية «ناقة الله» للروائي الليبي إبراهيم الكوني، على لسان البطل (أسيس) حين يصف الناقة (تملّالت): «في مقلتي الناقة لمع جنون مجبول بألم.

ألم يستفز فيه نزيفا لا يطاق كلما استعاد ذكراه. ألم مشفوع بغياب. ألم زوّر الروح في المخلوقة التي هدهدها وعرفها وأحبها ليبعث فيها شبحا آخر، فتساءل مرارا عن سر الحنين. عن سلطان «اهيراغ» كما يسميه القوم.

أهيراغ الذي لم يكن ليكون الملهم لكل الأشعار، ولكل اللحون، ولكل الفنون، بل وللحب أيضا، لولا سطوته الخفية التي لم يؤمن بقوتها إلا في تجربته الدموية مع هذا الكائن الذي لا يستطيع إلا أن يصفه بالكائن؛ لأنها ليست حيوانا بالطبع، وليست أيضا شبحا أو ما يسميه فقهاء النجوع ملاكا، ليلقنه درسا في هذا اللغز المسمّى حنينا، لا في صيغته المألوفة، ولكن في بُعده الآخر، في بُعده الخطر، الذي يتكتم على طبيعته المميتة دهاة القبائل، فلا يرد اسمه على الألسن إلا همسا، كما هو الحال مع الحنين إلى الوطن».

إذا تركنا خيالات الأدب عن الحنين جانبا، وولجنا أرض الواقع، فسنسرد مشاهد حيّة تتجلى فيها معاني الحنين. فنحن نروي شهادة عيان وثّقت شوق النوق الجارف في شرق ظفار؛ حنينٌ غريزي يبدأ باستشعار بوادر الخريف المتمثلة في الغيوم الكثيفة القادمة من الغرب واحتجاب الشمس خلف السحب. تشم الإبل رائحة المطر وتستشعر نمو الأعشاب وإيراق الأشجار في أمكنة احتفظت بتفاصيلها في ذاكرتها العميقة. فتتخلى النوق عن أماكنها وتهجر معاطنها في المناطق الجافة والقاحلة الواقعة في منطقة «صلوت» شرق مدينة مرباط، وتشد الرحال مستسلمة لنداءات الخريف.

تسلك النوق المسكونة بالنزوع دروبا برية تُعرف بـ«طُرُق الزوار»، متجهة صوب «وادي شعبون» والمناطق المجاورة له. وإذا ضنّ عليها الوادي بالكلأ، تصعد إلى حواف المنحدرات الشاهقة. هناك يضطر الرعاة إلى تتبع نوقهم خطوة بخطوة، خشية تعرضها لخطر انزلاقات التربة المفاجئة أو التعثر في ثقوب الصخور الغادرة.

يستمر الرعي في «شعبون» ومناطق «إقيطان» و«حجلين» و«كُزا» ما يقارب الشهرين، حيث تقتات الإبل على ما جادت به الأرض من أشجار «السغوت» و«الخفوت» و«الحور»، لتبدأ بعدها عادة «الخطليت»، التي تعني خلط قطعان الإبل، وهي تظاهرة اجتماعية خاصة بأصحاب الإبل. حين ينقضي موسم «الصرب» (الربيع في ظفار)، وتصفر أوراق الشجر وتقل وفرة الأعشاب، وتبدأ الرياح الشمالية بالهبوب، تبدأ الرحلة العكسية للحنين، والعودة إلى المناطق الدافئة والمحمية من رياح الشتاء عند خواصر جبل سمحان. هناك ترعى النوق في الأودية والشعاب وتمكث فيها طوال أشهر الشتاء والصيف، في انتظار نداءات الخريف القادمة.

ولقائل أن يقول: ماذا تبقى من تلك الرحلة؟ وهل لا تزال الإبل تمارس طقوس الحنين؟ أقول بكل أسف: لا، فقد طرأت تغيرات جذرية على عادة «خنطوت»، أي خروج الإبل من مناطق الجفاف إلى مناطق الاخضرار، فقد تخلت النوق عن الحنين، واستسلمت لأكياس الأعلاف المصنعة. أما الدروب والمسالك البرية فقد هجرتها أقدام الرعاة وأخفاف الإبل إلى الطرق الإسفلتية وسيارات الدفع الرباعي.

ويبقى الأمل في إمكانية إحياء «طُرُق الزوار» أو «دروب الحنين المنسية» -مثلما أود تسميتها- بواسطة فعاليات سياحية ورياضية تُحدد ببداية شهر يوليو من كل عام. ينطلق المشاركون من منطقة «صوب» -على سبيل المثال- إلى وادي شعبون؛ إذ تُقدر المسافة بحوالي (40) كم، ويمكن قطعها سيرا على الأقدام في نحو تسع ساعات.