المعتصم الريامي
منذ عام 2020 حتى عام 2024، كانت مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات (FDD)، وهي مؤسسة بحثية أمريكية شهيرة، تحث بأبحاثها بقوة نحو استخدام القوة والحرب ضد إيران. بل أنها دعت إلى الضغط العسكري الأقصى وتوجيه ضربات على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، وركزت على نقاط الضعف الإيرانية وأكدت أن الفرصة مواتية لتنفيذ أفضل ضربة حربية. في الفترة نفسها، نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أوراقا بحثية عن الخيارات الأمريكية المتاحة لضرب إيران، وقد نوقشت تلك الأوراق في الكونجرس الأمريكي بشكل مكثف.
من جانبه، قام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بتطوير محاكاة استراتيجية حول الصراع المحتمل مع إيران وناقش جدوى الحرب الأمريكية على طهران، كما دعا إلى تعزيز الحضور العسكري الأمريكي في مضيق هرمز بشكل يثير التساؤلات. هذه الجهود تمثل جزءا من عشرات الدراسات والأبحاث الصادرة عن مراكز بحثية كبرى في الولايات المتحدة. هذه الدراسات ومراكز الأبحاث ومن يمولها ومن يستفيد منها كلها تثير الكثير من التساؤلات والشكوك التي تستحق البحث والتدقيق، خاصة وأنها تسهم في توجيه سياسات تؤثر على العالم بأسره في هذه الأيام.
في المخيلة العامة والأعراف السائدة، تُعد مراكز الأبحاث مؤسسات نزيهة ومستقلة، تقوم بجمع البيانات من مصادر متنوعة وبطرق مختلفة، وتحللها بمناهج علمية معروفة، ثم تستخلص النتائج بموضوعية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن تكون هذه النتائج محددة ومعروفة مسبقا قبل بدء عملية البحث؟ وما الذي يضمن الحياد العلمي في ظل تداخل المصالح الكبرى؟ فالممارسات الفعلية لكثير من هذه المراكز تكشف عن واقع مختلف تماما عن الصورة المثالية التي نتخيلها. هناك فجوة واسعة بين النموذج الأكاديمي المثالي وبين الواقع المعقد والمصالح المشتركة بين مؤسسات ربحية وأخرى تشريعية وأخرى علمية. بنظرة سريعة على آليات تمويل في كثير من كبريات مراكز الأبحاث في أمريكا، يتضح أن البيانات التي يتم اختيارها لكثير من دراسات الحرب والبيانات التي يتم تجاهلها تكون مدروسة بعناية فائقة، بهدف الوصول إلى نتائج محددة تخدم جهات معينة. كيف يحدث ذلك؟ يتم ذلك من خلال عملية معقدة تبدأ من اختيار الموضوع البحثي نفسه، مرورا بتحديد المصادر والبيانات المستخدمة، وانتهاء بطريقة تحليل هذه البيانات وعرض النتائج. هذا النمط من البحث المتحيز لا يعكس سعيا علميا نحو الحقيقة، إنما محاولة منظمة ومدروسة لتكريس نتائج معينة تدعم جهات بعينها. والخطير في الأمر أن هذا البحث الموجه يتم بأسلوب احترافي جدا يصعب على المراقب العادي اكتشافه.
لفهم العلاقة بين مراكز الأبحاث ومصانع الأسلحة أكثر، لنرى ما توصي به النتائج البحثية لهذه المراكز وما تقوم مصانع الأسلحة بصنعه. فالمصنع الذي يطور أكبر الصواريخ الدفاعية الأمريكية «توماهوك» وبطاريات «باتريوت» ومنظومة الدفاع «ثاد»، وهو مصنع رايثيون (Raytheon)، يقوم بتمويل مباشر ،وفق السجلات المعلنة، لأهم المراكز البحثية بأمريكا ومن بينها مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات (FDD) التي بدأنا بها هذا المقال، ومركز الأمن الأمريكي الجديد (CNAS) وتقوم هذه المراكز بإصدار أوراق بحثية كثيرة توصي بتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي في الشرق الأوسط، وتوصي بمنظومة ثاد تحديدا وبطاريات باتريوت.
أما مركز راند (RAND) -الذي لا يتوقف عن إصدار أبحاثه الداعمة لإسرائيل بكل الأشكال والوسائل- فقد حدد الأسلحة التي يمكن أن تشل النظام الإيراني في ضربات تكتيكية موجهة ضد المنشآت النووية. تلقى هذا المركز تمويله من الشركات المنتجة لطائرات F-35 و F-22 والصواريخ طويلة المدى (JASSM)، وهي تحديدا الأسلحة التي يوصي بها مركز راند في دراساته وتقاريره. هذا التناسق والتوافق الكبير بين التوصيات البحثية وقائمة منتجات معينة لا يمكن أن يكون بمحض الصدفة لا أكثر. أما شركة جنرال أتوميكس (General Atomics)، منتجة الطائرات المسيرة التي استخدمت في عمليات اغتيال شخصيات مهمة في المنطقة، فهي تمول مراكز أبحاث معينة تخلص بتوصيات تدعم ضرورة توسيع استخدام المسيرات في الصراعات الحربية، وبالتحديد مسيرات جنرال أتوميكس ذاتها.
وحين نلتفت إلى مركز الأمن الأمريكي الجديد (CNAS)، نجد أن الشركات التي أوصى بها في دراساته فازت بعقود حكومية ضخمة لتطوير نظم الذكاء الاصطناعي العسكري، وهي الجهات نفسها التي تموله أيضا. بل وأبعد من ذلك، الصادم حين تكتشف أن الكثير من المشرعين في الكونجرس الأمريكي هم مديرون سابقون في مصانع للأسلحة أو من عوائل لديها هذه المصانع. هنا تتسع الدائرة وتنغلق أكثر فأكثر: فالمشرع مستفيد من خلال اتصالاته وعلاقاته وخبرته السابقة، ومركز البحث مستفيد من التمويل الضخم، ومصنع السلاح مستفيد من العقود الحكومية الجديدة والمتكررة، وكلها تصب في مصلحة تنمية أموالهم وزيادة أرباحهم، بغض النظر عن تأثير ذلك على الاستقرار العالمي والنزاهة والحياد العلمي.
هذه الظاهرة الغريبة كانت ولا تزال محل اهتمام وشكوك من كثير من الجهات، ويُطلق على شبكة المصالح والعلاقات التي تربط بين مؤسسات الدفاع العسكرية وشركات صناعة الأسلحة الخاصة والكونجرس الأمريكي اسم «المجمع الصناعي العسكري» (Military-Industrial Complex)، وهو مفهوم حذّر منه الكثير من صناع القرار والرؤساء الأمريكيين عبر التاريخ، وعلى رأسهم الرئيس دوايت أيزنهاور في خطابه الوداعي عام 1961. وكان خطابه حينها يعكس قلقا عميقا وتحذيرا مباشرا ومبكرا من تأثير هذا المجمع على السياسة الأمريكية وسوء استخدام السلطة وتداخل المصالح. أما مؤخرا، فقد برز معه مجمع عسكري آخر يدور في فلك مختلف لتنمية جيوب مالية أخرى، وهو المجمع العسكري التقني الذي يجمع بين شركات التكنولوجيا الكبرى والمؤسسات العسكرية بطرق معقدة ومتشابكة.
لعل أبرز نتاج هذا التحالف الخطير مشروع مافن (Maven) لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب والاستهداف الدقيق حسب الخوارزميات، والذي أصبح ركيزة أساسية في التخطيط الاستراتيجي للهجمات على إيران. هذا بالإضافة إلى عقود بقيمة مليارات الدولارات للحوسبة السحابية العسكرية والذكاء الاصطناعي مع شركات أمازون ومايكروسوفت وبالانتير. وهذه هي الشركات نفسها التي تقوم بتمويل مراكز الأبحاث التي تنتج أوراقا بحثية لتوجيه المشرعين نحو اختيار خدمات ومنتجات هذه الشركات، مما يمهد الطريق لمزيد من العقود الحكومية العسكرية الضخمة والتي تصل إلى مبالغ هائلة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأمريكي.
وقد حذر من هذا التحالف الخطير والمتنامي الكثير من أصحاب القرار والقادة السياسيين، على رأسهم الرئيس جو بايدن في خطابه الوداعي عام 2025؛ حيث أشار بايدن آنذاك إلى منصب إيلون ماسك المرتقب، الذي أصبح وزيرا وصاحب قرار في الحكومة الأمريكية، وفي الوقت نفسه تمول الحكومة شركاته بشكل مباشر من أموال دافعي الضرائب. هذا التضارب الصارخ في المصالح يعكس دور الشركات التقنية الكبرى في خدمة الأجندات الحكومية من خلال التحكم في الإعلام ونشر الأخبار المضللة والكاذبة ومحاولة إلغاء برامج التحقق من الحقائق في منصات التواصل الاجتماعي. وهذا ما يشكل خطرا حقيقيا على الديمقراطية والحرية الإعلامية مدفوعة بتحالف مشبوه.
وفي السياق نفسه، نشر مركز راند دراسة متطورة لاستخدام نماذج محاكاة تقنية للتنبؤ بحدوث صراعات متزامنة على عدة جبهات، وكيفية تطور السيناريوهات المختلفة، خاصة عند وجود جهة مثل إيران في المعادلة. ومركز راند هذا بكل تأكيد يقبل التمويلات من وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية والاستخبارات كذلك. بل وأبعد من ذلك أنه من ضمن قواعده التأسيسية أن الجهة الممولة لها الحق في مراجعة الدراسات قبل نشرها، وهذا يعني في أحسن الأحوال أن التقارير التي تتعارض مع أجندة الجهة الممولة قد لا ترى النور أبدا، وهذا ما يُطلق عليه «التحيز في النشر»، وهو ما يمثل أخطر أشكال العبث بالنزاهة العلمية والمنهج البحثي القويم.
ومن ناحية أخرى تقوم مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومراكز أبحاث أخرى مرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري، تقوم بتناول الحرب الإلكترونية والسيبرانية بتفصيل دقيق وخطير، وتبحث عن نقاط الضعف في شبكات التحكم الصناعي في إيران، ونقاط الهشاشة في منظومات إدارة شبكات الكهرباء والبنى التحتية الحيوية الأخرى. مثل هذه الأوراق البحثية الخطيرة والحساسة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الكثير من الهجمات السيبرانية الموثقة والمنسقة التي ألحقت أضرارا جسيمة بالبنى التحتية الإيرانية على مدى عقود. هذه الهجمات، سواء كانت مشروعة أم لا حسب القانون الدولي، ترتبط بشكل وثيق بالأبحاث التي تُنشرها هذه المراكز.
يمكننا أن نرى الآن بكل وضوح أن هذا التشابك المعقد بين البحث العلمي والمصالح العسكرية والاقتصادية يطرح تساؤلات جوهرية حول استقلالية المؤسسات البحثية وموضوعيتها ونزاهتها وحيادها. فعندما تكون نتائج البحث مرتبطة مباشرة بقرارات السياسة الخارجية والعسكرية التي تؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم، ودول بأكملها، يصبح من الضروري والحتمي إعادة النظر جذريا في آليات التمويل والإشراف على هذه المؤسسات. وربما علينا أن نسأل أنفسنا، هل يمكن أن نثق في نتائج أبحاث تمولها جهات لها مصلحة مباشرة في الوصول إلى نتائج معينة؟
تاريخيا، قدم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي العديد من الأمثلة على كيفية تأثيره في السياسة الخارجية وقرارات الحرب والسلام. حرب فيتنام، على سبيل المثال، استمرت لفترة أطول مما كان ضروريا، لأن إنهاءها كان يعني خسارة عقود ضخمة وتقليل الطلب على الأسلحة والمعدات العسكرية. وبالمثل، الاستثمار الأمريكي الضخم في أنظمة الدفاع الصاروخي في الشرق الأوسط ليس دائما لأسباب استراتيجية محضة، فأحيانا يكون جزءا من مصلحة اقتصادية واضحة للشركات المصنعة يدعمها ويبررها الكثير من مراكز الأبحاث ذات المصلحة. هذا التأثير العميق للمجمع الصناعي العسكري يتجاوز القرارات السياسية ويصل إلى تشكيل الثقافة والفكر الاستراتيجي الأمريكي والعالمي. وعندما تصبح الحرب خيارا مربحا اقتصاديا للقطاع الخاص والعام، فقد تميل بعض المؤسسات نحو تبرير الحروب والاستعداد العسكري وتبرير النفقات الدفاعية الضخمة، ولعل فهم وتفكيك هذه الظاهرة هي أول خطوة للحد منها.
المعتصم الريامي مطور ومهتم بالتقنية