أ. د. حيدر أحمد اللواتي 

مع ارتفاع درجات حرارة الصيف، يحتاج الكثير منا لمشروب منعش وبارد يخفف من حرارة الصيف المرتفعة، ولذا يتساءل الكثيرون عن مشروب بارد يمكنهم تناوله أكثر من مرة في اليوم ودون أن يسبب لهم مشاكل صحية وخاصة فيما يتعلق بارتفاع نسب السكر في الدم؟ فما هو المشروب الذي يحقق هذا الغرض.

الكثير منا يلجأ إلى المشروبات الغازية، وخاصة تلك التي تم استبدال السكر فيها بمحليات منخفضة الطاقة، ويعد الأسبرتام من أشهرها وأكثرها وجودا في هذه المشروبات الغازية، وبالمقابل فهناك من يتجنب الأسبرتام لكونه مصنعا، ولذا قد يفضل تناول المشروب الغازي الذي يحتوي على السكر الطبيعي بدلا من المشروب الغازي الذي يحتوي على مادة الأسبرتام، ظنا منه بأن الطبيعي أكثر أمنا من المصنع، فأي المشروبين أفضل؟ وهل حقا المشروب الغازي الذي يحتوي على كميات من السكر أفضل لصحتك من ذلك الذي يحتوي على مادة الأسبرتام المصنعة؟ أم العكس هو الصحيح؟ أم هناك مشروبات أخرى أفضل من كليهما؟ هذا ما سوف نحاول أن نسلط الضوء عليه في هذه المقالة.

لنبدأ بالمشروب الغازي الذي يحتوي على السكر الطبيعي، فعندما نتناول هذا المشروب، نمنح أجسامنا كمية كبيرة من السعرات الحرارية الفارغة، فعبوة واحدة بحجم ٣٥٥ مل تحتوي عادة ما بين ٣٥ إلى ٤٠ جراما من السكر، أي ما يعادل حوالي ٩ إلى ١٠ ملاعق صغيرة من السكر، هذه الكمية ليست بسيطة، فهي تفوق التوصيات الصحية التي تنصح بعدم تجاوز ٢٥ جراما من السكر المضاف يوميا للحفاظ على صحة جيدة، كما أن السكر في هذه المشروبات يُمتص بسرعة في الدم، مسببا ارتفاعا حادا في مستويات الجلوكوز، مما يضغط على الجسم ويؤدي مع الوقت إلى مشاكل مثل: مقاومة الأنسولين، وزيادة الوزن، ومرض السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب.

حسنا ماذا عن المشروبات الغازية التي تم استبدال السكر فيها بمادة الأسبرتام؟ هل هي الحل المثالي؟ وهل يمكننا تناولها دون محذورات تذكر؟

تعد مادة الأسبرتام (Aspartame) مادة مُحلية مصنعة، تم اكتشافها عام ١٩٦٠م، وعلى الرغم من كونها مادة مصنعة إلا أنها تتكون من أحماض أمينية طبيعية، فهي تتكون من حمضين أمينيين، وتعد من أكثر المركبات المصنعة التي خضعت للدراسة والبحث على مدى سنوات طويلة.

وتتميز هذه المادة بأنها ذات طعم حلو للغاية، ولذا فإضافة كميات قليلة منه كافية فحلاوة الأسبرتام تفوق حلاوة السكر الطبيعي بـ٢٠٠ مرة، وتحتوي عبوة غازية قياسية على حوالي ١٨٠ إلى ٢٠٠ ملليغرام فقط من الأسبرتام، هذه الكمية تعد ضئيلة مقارنة بالحدود اليومية التي تعتبر آمنة للاستهلاك، والتي تصل إلى ٥٠ ملليغرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم حسب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وفي أوروبا، أكدت وكالة سلامة الغذاء الأوروبية (EFSA) أن الأسبرتام آمن للاستهلاك اليومي بحدود ٤٠ ملليغرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وأن الأدلة العلمية لا تثبت وجود خطر صحي واضح عند الالتزام بهذه الحدود، كما تصنف وكالة الصحة العامة في كندا الأسبرتام كمادة آمنة، وهكذا الحال في أستراليا، إذ تؤكد هيئة المعايير الغذائية الأسترالية والنيوزيلندية (FSANZ) على سلامة استخدام الأسبرتام ضمن الجرعات المقررة، مع متابعة مستمرة لأي دراسات جديدة.

ومع ذلك، لا يخلو الأسبرتام من الجدل، إذ صنفته بعض الهيئات كوكالة الأبحاث الدولية للسرطان (IARC) كمادة يحتمل أن تكون مسببة للسرطان وذلك بناء على أدلة محدودة تشير إلى احتمال وجود علاقة بسرطان معين، رغم أن هذا التصنيف لا يعني بالضرورة أن الأسبرتام يسبب السرطان بشكل قاطع.

وتوجد بعض الدراسات التي تشير إلى احتمالية ارتباط استهلاك الأسبرتام طويل الأمد بزيادة مخاطر السمنة وبعض اضطرابات الأيض، إذ خلصت إحدى الدراسات المهمة إلى أن الأشخاص الذين يستهلكون المشروبات المحلاة بالسكريات المصنعة يوميا كانوا أكثر عرضة بنسبة ٦٧٪ للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني مقارنة بمن لا يستهلكونها. ويرى بعضهم أن السبب يعود إلى أن الطعم الحلو للأسبرتام، يجعل الدماغ يعتقد بأنك تناولت مادة تحتوي على السكر، فيرسل إشارات إلى البنكرياس ليقوم الأخير بإنتاج الأنسولين، إلا أن الأنسولين الذي

يتم إفرازه لا يجد سكرا في الدم، ليقوم بحرقه، وهذا ما يجعل الدماغ في حالة من الارتباك؛ لأن الدماغ يربط بين الطعم الحلو ووجود السكر في الدم بينما في حالة تناول الأسبرتام لم يجد الدماغ هذا الرابط بينهما، فيلتبس الأمر عليه، ومع تكرار تناول الأسبرتام بشكل يومي فإن الدماغ لا يقوم بإرسال إشارات للبنكرياس بإنتاج الأنسولين عندما يشعر بالطعم الحلو؛ ولذا فعندما تقوم بتناول السكر الطبيعي لا يتم حرقه، ويظل يوجد في الدم، ويؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم، إلا أن هناك من يجادل في كون الأسبرتام مسببا لمرض السكري، ويرى أن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه المشروبات تسبب السكري بشكل مباشر، لكنها تشير إلى وجود علاقة معقدة قد تتأثر بعوامل أخرى مثل نمط الحياة، والوزن، والعوامل الوراثية، وقد يكون من ضمن التفسيرات أن الأشخاص المعرضين أكثر لخطر السكري قد يكونون قد لجأوا إلى هذه المشروبات كبديل لمحاولة تقليل السعرات، أو أن السكريات المصنعة تؤثر بشكل غير مباشر على الأيض أو توازن البكتيريا المعوية، إلا أن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأحكام ربما لا تكون حيادية تماما؛ لأن صناعة المشروبات والأغذية تعتمد بشكل هائل على مادة الأسبرتام منذ عقود؛ ولذا فلقد تواجه بعض الجهات الصحية العالمية ضغوطا هائلة من قبل الشركات المنتجة لهذه المشروبات.

ونظرا لهذه الدراسات التي تشير إلى احتمالية أن تسهم المشروبات الغازية التي تستخدم الأسبرتام على زيادة احتمالية الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني؛ فهناك من يرى في العصائر الطبيعية بديلا مناسبا عن المشروبات الغازية؛ إذ لا يشكك أحد في الفوائد الصحية للفاكهة، فهي غنية بالمواد المفيدة، إلا أن الخطأ الذي يقع به هؤلاء هو معادلة العصير بالفاكهة، فالواقع يقول شتان بين الفاكهة وعصيرها!

والسبب في ذلك أن الفواكه عموما تحتوي على كميات عالية من الفركتوز، وهو نفس السكر الذي يتم استخدامه في المشروبات الغازية، إلا أنه يوجد في الفواكه مع مادة أخرى تعرف بالألياف.

من الناحية العلمية فان السكريات والألياف يعدان من الكربوهيدرات، إلا أن السكريات يتم امتصاصها بسرعة في الدم مما يسبب ارتفاعا مفاجئا في نسبة السكر في الدم، أما الألياف فأمرها مختلف تماما، فهي لا تتحلل في أجسامنا إلى سكر الجلوكوز؛ ولذا فهي لا تنتج طاقة بيولوجية، ولا تسبب في ارتفاع نسب السكر في الدم، بل إن الدراسات تشير إلى أن تناول الألياف قبل أو مع تناول السكريات يقلل من امتصاص السكريات في الدم، ولا يسبب ارتفاعا مفاجئا في تركيزها. ونظرا لأن الفواكه غنية بالألياف فان امتصاص السكر في الدم يكون بطيئا مقارنة بتناول المشروبات التي لا تحتوي على ألياف، ولذا فان تناول عصير الفاكهة لا يعادل تناول الفاكهة، لأن عصير الفواكه خال من الألياف مما يسبب ارتفاعا حادا في تركيز السكر في الدم، لا يختلف أثره كثيرا عن أثر تناول المشروبات الغازية التي تحتوي على السكر الطبيعي، فمثلا عصير البرتقال الطازج يحتوي على حوالي ٥ إلى ٦ ملاعق من السكر أي ما يعادل حوالي ٢٤ غراما من السكر، أما عصير المانجو فيحتوي على ما يعادل على سبع ملاعق من السكر، أما إذا تناولت العصير المعلب فعادة يحتوي عصير البرتقال المعلب على حوالي ٣٠ غم من السكر، وقد يصل تركيز السكر إلى ٣٥ غراما أي ما يعادل حوالي ٩ ملاعق من السكر في عصير المانجو المعلب.

أما العصير الذي يمكنك تناوله دون أن يسبب لك ارتفاعا كبير في سكر الدم هو عصير الليمون والذي لم تتم إضافة أي سكريات له؛ إذ يحتوي على أربع غرامات من السكر فقط، أي ما يعادل ملعقة واحدة من السكر مع شرط عدم الإكثار منه!

و يعد شراب جوز الهند بديلا مناسبا للعصائر بشرط عدم الإكثار منه؛ إذ إن كمية السكر فيه تتراوح من ٥ الى ٦ جرامات في حوالي ٢٤٠ مل منه، أي حوالي ملعقة ونصف من السكر.

كما يعد عصير الكركديه من المشروبات الصحية بشرط ألا يضاف أي سكر للمشروب، فحوالي كوب منه يحتوي على أقل من ٣ غرامات من السكر؛ لأن هذا العصير يحضر من زهور نبات الكركديه المجففة، وهذه الزهور ليست حلوة بطبيعتها.

كما يلجأ البعض إلى المياه الفوارة الطبيعية (Sparkling Water)، والتي تخلو تماما من السكريات سواء المصنعة أو الطبيعية، وتعد بديلا رائعا للاستمتاع بمشروب بارد خال من مواد محتملة الضرر، ويمكن تناوله أكثر من مرة في اليوم دون أن يسبب لك ارتفاعا في مستويات السكر في الدم.

أما البديل المثالي الذي لا يفوقه أي مشروب فهو الماء الطبيعي الذي يمكنك الاستمتاع بشربه وجعله مشروبك المفضل في المقهى أو المنزل، ويمكنك تجربته بإضافة قطعة صغيرة من الليمون أو النعاع للاستمتاع بمشروب آمن يخفف عنك حرارة الصيف. تذكر أن المسألة في نهاية المطاف هو قدرتك على التأقلم والتعود، ودائما ما تكون البدايات صعبة، ولكن كلما كانت الصعوبة أكبر كان الإحساس بلذة الانتصار أعظم، فاستغل هذا الصيف لتعود جسمك على مشروب صحي منعش..

أ. د. حيدر أحمد اللواتي كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس