تراجع الدول الواثقة قوانينها قبل أن تتحول الفجوة بين النص والواقع إلى عبء على المجتمع ومؤسساته، وتنظر إلى القانون باعتباره إحدى أدوات صناعة المستقبل، وكلما احتاجت هذه الأداة إلى مراجعة أقدمت عليها بوصفها علامة ثقة لا مظهرا من مظاهر التردد.
من هذه الزاوية يمكن قراءة المسار التشريعي الذي تسير فيه سلطنة عُمان خلال السنوات الست الماضية؛ فقد اتجهت الدولة إلى تحديث منظومة واسعة من القوانين بما يعكس وعيا بأن التنمية الاقتصادية والاستثمارية تحتاج إلى منظومة قوانين تواكبها وتحكم مسارها. والقانون، كما يقول فقهاء القانون، هو البنية العميقة التي تمنح المؤسسات قدرتها على العمل وتحدد الحقوق والواجبات وتوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة الوطنية.
وتحديث منظومة القوانين لا يقوم على القطيعة مع ما سبق بقدر ما هو قراءة لواقع جديد يتغير ومراعاة لأحوال مجتمع يتحرك بإيقاع سريع، تغيرت معه حاجات الناس وتطلعاتهم وأصبحت الشفافية والحوكمة والمساءلة جزءا أصيلا من معايير الثقة العامة. وتشابكت مؤسسات المجتمع المحلية مع المؤسسات الدولية الأمر الذي جعل عمل هذه المؤسسات في حاجة ماسة إلى قواعد أكثر وضوحا تحميه من الارتباك وتمنحه في الوقت نفسه مساحة للمشاركة والمسؤولية. ومن بين القوانين التي جاءت في هذا السياق قانون مؤسسات المجتمع المدني.
وإلى جانب تنظيمه عمل مؤسسات المجتمع المدني، يمكن النظر إليه باعتباره علامة على انتقال أوسع في فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع. وكلما كان هذا الفهم أوضح استطاعت مؤسسات المجتمع المدني أن تأخذ مكانها الصحيح لتكون شريكة في حركة التنمية في البلاد. وعندما تعمل هذه المؤسسات وفق معايير الحوكمة والشفافية والأنظمة الحديثة تصبح أقرب إلى ثقة الناس وأكثر قدرة على خدمة الفئات التي أنشئت من أجلها.
لقد كشفت تجربة العقدين الماضيين عن تحديات عديدة في عمل بعض الجمعيات والمبادرات؛ بعضها إداري ومالي، وبعضها متصل بتداخل الاختصاصات وضعف قواعد المساءلة. وجاء القانون ليضع إطارا أكثر قدرة على معالجة هذه الثغرات ويبني مسارا تتوازن فيه الحرية مع المسؤولية والمبادرة مع الرقابة والرغبة في خدمة المجتمع مع مقتضيات النزاهة والشفافية وحماية المصلحة العامة.
والقوانين لا تمنح المجتمع حيويته وحدها، غير أنها تفتح له طريقا أكثر أمنا ووضوحا. وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو أن تتحول هذه النصوص إلى ممارسة مؤسسية ناضجة وأن ترافقها لوائح تنفيذية واضحة وثقافة إدارية ترى في المجتمع المدني طاقة وطنية ينبغي تنظيمها وتمكينها في آن واحد.
إن سلطنة عُمان، وهي تحدّث منظومتها القانونية، تؤكد أن بناء الدولة الحديثة عملية مستمرة وأن الحفاظ على الخصوصية الوطنية يمر عبر قوانين قادرة على فهم الزمن الذي نعيش فيه. فالمجتمعات التي تتغير من دون أن تتجدد قوانينها تترك مساحات واسعة للارتباك. أما المجتمعات التي تجعل القانون رفيقا للتطور فإنها تمنح نفسها فرصة أوسع لبناء مؤسسات أكثر كفاءة، ومشاركة مجتمعية أكثر عمقا ومسؤولية.