في مقالي السابق تناولتُ أهمية الاستثمار في الشرق الأفريقي وما يحققه ذلك من فرص اقتصادية لعُمان. واليوم أتناول استثمارًا آخر لا يقل أهمية عن الاقتصاد، بل قد يكون أكثر عمقًا، هو الاستثمار في تاريخنا هناك؛ فزنجبار تحتضن ذاكرة عُمانية تتمثل في مواقع تاريخية، هي بحاجة إلى عناية عاجلة، مثل بيت المتوني وبيت المرهوبي ومسجد الحديث، وغيرها من الآثار.

قد يتساءل البعض: لماذا زنجبار بالذات؟ والجواب أنّ التركيز على زنجبار ليس خروجًا عن الاهتمام بعُمان - كما قد يعتقد البعض - بل هو عودة إلى جذور عُمانية ممتدة في قلب أفريقيا، إذ كانت عاصمة الإمبراطورية العُمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان، ومنها انطلقت التجارة البحرية التي ربطت مسقط بالهند وشرق أفريقيا. لذا فأنا من المؤمنين بأنّ الاهتمام بزنجبار هو اهتمام بعُمان نفسها، بتاريخها وهويتها وحضارتها التي عبرت البحار لتترك أثرًا عميقًا في ثقافة الشعوب، وأنّ إهمال هذه المواقع يعني أن نسمح لجزء من تاريخنا أن يتلاشى، بينما العناية بها تعني أن نُعيد الاعتبار لدور عُمان الحضاري في العالم.

ومباني المدينة الحجرية وأزقتها وعبيرها المميز، كلها عُمانية خالصة، ولكن ولسوء الطالع فقد بدأت تتآكل تدريجيًّا، كما بدأ بعض المباني في الانهيار بسبب الإهمال وسوء الاستغلال وانعدام الإحساس بقيمتها التاريخية والوجدانية؛ وهي التي صودرت من العُمانيين وبعض اليمنيين والهنود، ولم يعيروها الاهتمام المطلوب للحفاظ عليها لانعدام إحساسهم بالانتماء إلى تميزها التاريخي والوجداني، لدرجة أن يصل الأمر إلى تحويل الكثير من تلك المباني إلى فنادق، حيث يحضرني الآن بيت «مامبو مسيجي»، للشيخ بشير بن سالم البرواني والذي أكمل بناءه ابنه الشيخ سالم (الذي أعدمته ألمانيا)، وحضر افتتاحه السيد سعيد بن سلطان نفسه، عام 1850، والذي بيع لمستثمر وحُوّل الآن جزء منه إلى فندق، والجزء الآخر إلى قنصلية!!.

صحيح أنّ هناك مواقع تاريخية كثيرة في زنجبار تحتاج إلى الاهتمام، منها المنطقة المحيطة بالقصور، ومنها بيت المطبعة، لكنني اخترتُ ثلاثة مواقع فقط - في مقالي هذا - لأني أرى أنّ العناية بها أولى، بعد أنّ أثّرت فيها عوامل الزمن والتعرية بشكل واضح. أولى هذه المعالم، بيت المتوني الذي شيّده السيد سعيد بن سلطان عام 1829، وكان أعظم قصور زنجبار، يتسع لألف شخص ويضم حدائق استوائية وأحواضًا مائية أندلسية. واليوم يقف أطلالًا صامتة، لكنه يظلّ شاهدًا على عظمة الماضي، وكأنه يصرخ في وجه النسيان: من يعيد لي الحياة؟. وأذكر أنّ أحد العُمانيين المقيمين في زنجبار، أخبرني ومجموعة من رفقاء إحدى رحلاتي إلى هناك، أنّ البيت سُلّم لمستثمر خليجي ليجعل منه فندقًا. كان الخبر صادمًا لنا، وقد تأكد فيما بعد أنّه صحيح، لكن حكومة زنجبار -على ما يبدو- سحبت المشروع من المستثمر؛ لأنه تأخر في إتمام الإجراءات.

أما المعلم الثاني، فهو بيت المرهوبي، الذي بناه السلطان برغش بن سعيد بين عامي 1881 و1882 شمال المدينة الحجرية، وتميّز بحدائق غنّاء وزخارف خشبية دقيقة. ورغم تعرضه لحريق عام 1889، فإنّ ما بقي منه يكفي ليعكس فخامة العمارة العُمانية وتأثرها بالهند، ويذكّرنا بأنّ الإهمال قد يحوّل القصور إلى مجرد ذكرى.

وثالث هذه المعالم هو مسجد الحديث، الذي يقع في المدينة الحجرية، وكان مركزًا لتعليم القرآن والفقه، وتعاقب على إمامته علماء عُمانيون بارزون، ويقع في منطقة القصور، وكان يصلي فيه السلاطين، حيث يوجد ممر يصل بين بيت العجائب وبيت الساحل وقصور السلاطين إلى بوابة تصل مباشرة إلى المسجد، ممّا يجعله رمزًا للحضور الديني والنفوذ السياسي للعُمانيين هناك. كان السلاطين يصلون في هذا المسجد صلوات العيد، حيث كان أشهر خطبائه، الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي، والشيخ قسور بن حمود الراشدي خطيب السلطان خليفة بن حارب. واللافت أنّ الصلوات ما زالت تُقام فيه حتى اليوم، حيث يؤم المصلين حاليًّا، الشيخ منصور بن محمد بن صالح الخروصي، وتقام فيه حلقات العلم، ودرسٌ كلَّ أربعاء بعد صلاة المغرب، لكن المسجد بحاجة إلى صيانة عاجلة تحفظ مكانته، ولا يحتاج الأمر إلى ترميم شامل، مما يجعله فرصة سهلة وسريعة لإعادة الاعتبار له. كان المسجد يُعرف سابقًا بمسجد «الفرعي»، نسبة إلى بانيه الشيخ الفقيه حمود بن سيف بن مسلم الفرعي، الذي هاجر إلى زنجبار أيام السلطان برغش بن سعيد.

هناك جهات تعمل الآن بصورة أو بأخرى على صيانة المدينة الحجرية، بوصفها إحدى المدن المسجلة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، مثل مركز خدمات «أغا خان» في زنجبار، ومركز «زنجبار لصيانة الآثار»، و«جمعية تراث مدينة الأحجار»، و«المعهد الملكي القاري بهولندا»، و«برنامج صيانة المدن التاريخية (AKTC)» في جنيف، وكلّ تلك الجهود تحتّم علينا أن نهتم بتلك المدينة؛ لأننا أصحاب الشأن، ولا بد أن نعمل على المحافظة على هذا التراث العُماني الخالد.

إنّ بيت المتوني وبيت المرهوبي ومسجد الحديث، رموز لهوية مشتركة بين عُمان وزنجبار، والاهتمام بها واجب حضاري بل واقتصادي، وإهمالها تقصيرٌ في حق التاريخ.

وقد بذلت هيئة الوثائق والمحفوظات العُمانية جهودًا مشكورة لترميم المقبرة السلطانية وجمع المخطوطات والوثائق العُمانية هناك، والمطلوب اليوم أن تتعاون الجهات الرسمية والمؤسسات الثقافية في عُمان وتنزانيا لإحياء هذه المواقع وغيرها، وأن تُدرج ضمن مشاريع الترميم الكبرى؛ فالخطر الأكبر أنّ هذه المواقع إذا تُركت بلا اهتمام، فإنّ هناك من ينظر إليها بعين الاستثمار التجاري البحت، وقد تتحول إلى فنادق أو مشاريع سياحية فاقدة لروحها التاريخية، وهذا يعني أن تخسر هويتها الأصيلة وتصير مجرد سلعة، بينما هي في حقيقتها ذاكرة أمة.

ولا يخفى الآن أنّ زنجبار تشهد حركة سياحية واستثمارية كبيرة، وتتجه نظرةُ المسؤولين هناك إلى جذب مزيد من الاستثمارات، حتى لو كان على حساب التاريخ؛ إذ أنّ ذلك قد لا يعنيهم في شيء.

إنني أقولها بوضوح إنّ الوقت ليس في صالحنا. وكلّ يوم يمر دون صيانة أو ترميم، هو خطوة نحو اندثار هذه الشواهد، وإن لم نتحرك اليوم، فلن نجد غدًا ما نحافظ عليه. إنها مسؤولية وطنية وجماعية وأخلاقية. فهل نسمح لهذه الذاكرة أن تضيع، أم ننهض لنكتب فصلًا جديدًا من العناية والوفاء؟

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.