1. سْلوم
أ. رواية مندوب الجيش:
في إحدى المراحل النهائية لتدريب الجنود المستجدين كان هناك تطبيق عملي لسيناريو هجومي بالذَّخيرة الحيَّة، وفي هذه الظُّرف حدَث ما حدث بكل أسف. قيل إنه تحمَّس أكثر مما ينبغي وظنّ أن الأمر معركة حقيقيَّة، فخرج من الخندق من غير وجود دخان تمويهيٍّ، ولا تغطية ناريَّة، وهو يقفز ويصرخ وكأنه ممثل في مسرحيَّة. سبق لي أن رأيته من مقربة ثلاث أو أربع مرات فقط، كان يضحك فيها بصورة فاجرة لا نحبِّذها في قوانين الصَّرامة الميدانيَّة لدى المنتسبين. ومع ذلك يصعب عليَّ القول إني عرفته. لكنّ رفقاءه يقولون إنه كان يضحك كثيراً، ولا حديث له ليل نهار إلا عن النساء. أحسُّ الآن أني أريد أن أسمع ضحكته الفاجرة. أما اليوم فقد طالبوني بالذهاب إلى قريته حسب ما هو مُتَّبع في تقاليدنا العسكريَّة.
ب. رواية شيخ القرية:
كان الوقت عصراً حين جاءني أحدهم مرتدياً زيَّاً عسكريَّا، وعرَّف بنفسه أنه مندوب الجيش. أبلغني النبأ السيئ، وطلب مني نقله إلى عائلة المرحوم، تمهيداً لإحضار الجثمان ودفنه. أدركت أنني أمام مهمة عسيرة؛ فقد كنت أعلم مدى تعلّق الأب بابنه الأكبر، ومراهنته عليه لأن يكون عوناً له في تأمين لقمة العيش لعائلته الكبيرة تعزيزاً لليسير الذي كان يجود به البحر. بحثتُ عنه فوجدته جالساً القرفصاء على الشاطئ متأملاً البحر. قلت في نفسي بأسى: «قد يكون يفكَّر بولده في هذه اللحظة بالذَّات». ألقيت عليه السلام، وجلست إلى قربه واضعاً يدي على كتفه، وبدأنا في حديث المجاملات الاعتيادي. ثم طلبت منه أن يبسمل، ويحوقل، ويقرأ الفاتحة، ويردد معي بعض الأدعية. فعل ونظراته تزداد ثقة بأنه على وشك تلقي نبأ سيئ. حين شعرت أن اللحظة مناسبة ألقيت عليه الخبر الحزين موصياً إياه بالصَّبر، والجَلَد، وأنا في دخيلتي أتوقع أكثر ردود فعل عاطفيَّة وبكائيَّة منه. لكني ذُهلت وهو يرد عليَّ بصوت فيه حشرجة خفيفة: «مات؟! ولدي مات؟! مات؟! حبيبي مات؟! إنزين ما أنا اللي خذيته حتى أصبر ولا ما أصبر! رَبَّي عطاني إياه، ورَبَّي خَذاه مني، وربَّه أولى به منِّي»! ثم نهض بصورة حثيثة متسائلاً عن موعد وصول الجثمان.
ج. رواية أخرى:
ذات ليلة صيفيَّة رطبة عاشت نساء القرية رعباً لا يوصف ولا يُنسى بسببه، فقد عمد إلى صنع قناع عفريتي القسمات لم تبدُ منه حين ارتداه إلا عيناه. لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى القرية، بل كان ظلامها مؤثَّثاً بالجن، والعفاريت، والشياطين، وكافة أنواع المسوخ وأشباه المخلوقات، وجَمَل يخرج من «المَطْيَنَة» ليمضي متجولاً على غير هدى في الأزقة والطرقات وهو مقطوع الرأس.
في تلك الليلة، إذاً، استغلَّ انشغال الرجال بـ «الرَّمسة» وخلو البيوت من الإنارة باستثناء ضوء الفوانيس الكازيَّة الشاحب في بعضها، فأخذ «يهاجم» البيوت السَّعفيَّة مصدِراً أصواتاً شيطانيَّة تعزِّزها رقصاته العفريتيَّة الاستعراضيَّة الشريرة. أصيبت النساء بالرعب حتى أن بعضهن فعلتها في ثيابها. كان ذلك يحدث وهو مستمتع ببطولته المطلقة للمسرحيَّة الجهنميَّة، ويعدو من شمال القرية إلى جنوبها بسرعة الريح التي كنا نحسده عليها حين نلعب لعبة «الغمّيضة».
د. رواية الراوي:
لا تزال القرية تنتظر وصول الجثمان.
2. صدى
كان الجميع يبحثون عما يمكن قوله ولا يمكن، وعمَّا يجوز فعله أو لا يجوز. استرشدوا بمن كان قبلهم، وتيقَّنوا أن عليهم توخي الحكمة والحذر، والإصرار على تكرار الماضي بكل ما فيه من حذافير. أطلقوا لحاهم وأظافرهم، وارتدوا الأسمال الشَّبيهة بالفَزَّاعات، واحتكموا إلى الكتب والرُّوزنامات، وتاريخ الأقوام، ومآلات الأمم والشعوب، وتبادلوا الفتاوى، والاجتهادات، والآراء.
وقبل أن ينتهوا من ذلك أصيبت الجبال بزنا المحارم في مكبِّرات الصوت التي كانت تلعلع في أرجاء البلاد.
3. هيكل
كانت الطوابير طويلة منذ أول الصَّباح، ولم يصل دورنا حتى انتصف الليل. أدخلونا إلى قاعة كبيرة تبعث على الرَّهبة، خافتة الإضاءة، وتُعزف فيها موسيقى عسكرية هادئة مع قرع خفيف على طبول صغيرة، وتفوح منها رائحة العُود والبخور، وذلك كي نلقي النظرة الأخيرة عليه.
أزاحوا الغطاء عن قدميه، ولكنهم لم يكشفوا لنا عن وجهه.
4. تذكار
«يا الله! ابتسامات كبيرة يا شباب! Cheese guys، 1، 2، 3،»!
ثم خرَّ الأموات من الصُّورة.
5. زيارة
اقتضى المسار أن تحلَّق الطائرة فوق عاصمة تلك البلاد التي أنا ممنوع من دخولها. وكانت الرحلة ليلية لتضيء المدينة أنوارها فجأة بحيث يشرق حيٌّ كامل كلما سارت الطائرة خطوة إلى الأمام. وكنت أحاول تمييز السجن الصحراوي الذي يقبع في إحدى زنازينه الانفراديَّة صديقي منذ سنوات، والذي يُفتَرَضُ أن تنتهي محكوميَّته في العام 2042، وإن كنت أعتقد أنه سيخرج من السِّجن قبل ذلك التَّاريخ، ولكن إلى القبر.
انعكس وجهه الشاحب على نافذة مقعدي، وأطفئت كل أنوار المدينة بغتة، وأخذت الطائرة في النُّكوص.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني