لورا تايسون / جورج باباكونستانتينو
تنعقد القمة الثانية والخمسون لمجموعة السبع (G7) اليوم في فرنسا، برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون. وقد أُنشئت مجموعة السبع خلال أزمة النفط العالمية في سبعينيات القرن الماضي، وهي تجمع الاقتصادات الصناعية المتقدمة بهدف تعزيز التعاون في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية العالمية.
كما أن ستة من أعضائها السبعة (باستثناء اليابان) أعضاءٌ أيضًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وعلى الرغم من الهجمات الكثيرة التي شنّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أقرب حلفاء الولايات المتحدة، يبدو أن الولايات المتحدة ستشارك في الاجتماع.
لكن الولايات المتحدة ستشارك وفق شروطها الخاصة؛ فقد طالبت بفرض قيود على هوية المشاركين، والموضوعات التي ستُناقش، وصيغة البيان الختامي.
وعلى خلاف البيانات الختامية الصادرة عن الاجتماعات السابقة، لن يتضمن هذا البيان أي توصيات مُلزِمة، بل سيقتصر على «تشخيصات مشتركة» للتحديات الراهنة التي تواجه السياسات العامة.
وقد رفضت الولايات المتحدة بالفعل حتى التوصيات غير الملزمة المتعلقة بفرض تنظيم «على النمط الأوروبي» على شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية. فما الذي سيناقشه قادة مجموعة السبع إذن؟ كما حدث في مناسبات عدة سابقة، ستكون الاختلالات الاقتصادية الكلية العالمية أحد المحاور الرئيسية للنقاش، لكن ترامب سيعارض التشخيص الذي تتبناه المجموعة؛ فوفقًا لمذكرة أعدّها أربعة من كبار الاقتصاديين للحكومة الفرنسية، ينبغي لقادة مجموعة السبع أن يركزوا على الاختلالات الكبيرة والمتزايدة في الحسابات الجارية، والتي تهدد النمو الاقتصادي والاستقرار المالي.
في عام 2025، ارتفع عجز الحساب الجاري للولايات المتحدة إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عام 2006 (أي قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية مباشرة).
وفي المقابل، بلغ فائض الحساب الجاري في الصين ما يُقدَّر بنحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصل فائض الاتحاد الأوروبي إلى 2%.
وتنبع هذه الاختلالات التي يصنفها صندوق النقد الدولي بأنها مفرطة وكبيرة ومستمرة من أنماط الادخار والاستثمار في تلك الاقتصادات، وهي أنماط تؤدي بدورها إلى تدفقات صافية لرؤوس الأموال إلى الداخل أو الخارج، وتغذي الاحتكاكات والتوترات التجارية.
ورغم أن الصين ليست عضوًا في مجموعة السبع، فإن فائض حسابها الجاري يمثل تحديًا اقتصاديًا مشتركًا للجميع؛ فهي توجّه استثماراتها نحو قطاعات التصنيع والتكنولوجيا المتقدمة (مثل المركبات الكهربائية، والتقنيات الخضراء، والمعادن الحيوية)، وبالتالي تعتمد على الطلب الخارجي لاستيعاب حصة كبيرة من إنتاجها.
ومن الواضح أن الاقتصاد الصيني أصبح أكبر من أن يواصل الاعتماد على الصادرات بوصفها محركه الرئيسي للنمو، غير أن الاستهلاك المحلي ظل منخفضًا بصورة مزمنة، إذ لم يشكل سوى 56.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وهو مستوى أدنى بكثير من حصة الاستهلاك في الولايات المتحدة التي بلغت 82.9%.
وتشير الخطة الخمسية الجديدة للصين إلى احتمال حدوث تحول نحو تعزيز الاستهلاك، إذ تؤكد على زيادة الدعم العام للرعاية الصحية، وشبكات الأمان الاجتماعي، وإصلاح الميزانيات العمومية التي تضررت بفعل أزمة سوق العقارات في البلاد. لكنها في الوقت نفسه تتعهد بمزيد من السياسات الداعمة للابتكار والتصنيع.
وعلى أي حال، فإن ما إذا كانت الصين ستتخلى فعلًا عن نموذجها التقليدي القائم على قيادة الصادرات للنمو يعتمد على الرئيس الصيني شي جين بينغ، لا على قادة مجموعة السبع. وحتى الآن، لا يزال اليوان الصيني مقوَّمًا بأقل من قيمته الحقيقية بدرجة ملحوظة، وهو ما يعمل بمثابة «سياسة صناعية كلية» تعزز السياسات الصناعية الجزئية التي تتبعها الدولة.
أما الولايات المتحدة، فعلى النقيض من ذلك، فهي تعاني من عجز غير مسبوق في المدخرات، ما يضطرها إلى الاعتماد على بقية العالم لسد هذه الفجوة وتمويل كلٍّ من الإنفاق الحكومي والاستثمار.
وحتى في ظل التشغيل الكامل للاقتصاد، تسجل الولايات المتحدة عجزًا ضخمًا ومتزايدًا في الموازنة الفيدرالية، يستقطب المدخرات من الاتحاد الأوروبي ومن بقية أنحاء العالم لتمويل تخفيضات ضريبية للأثرياء، وإنفاق هائل على المؤسسة العسكرية وأجهزة إنفاذ قوانين الهجرة، وحربٍ يصفها الكاتب بالحمقاء في الشرق الأوسط.
لكن لماذا يسمح بقية العالم للحكومة الأمريكية بالاستمرار في هذا النهج؟
صحيح أن الأصول الحكومية الأمريكية تتمتع بسيولة عالية، وتوفر معدلات فائدة حقيقية (معدلة حسب التضخم) جذابة، كما أنها كانت تُعد لفترة طويلة خالية من مخاطر التعثر عن السداد. ومع ذلك، فقد خفّضت وكالات التصنيف الائتماني الأمريكية الثلاث الكبرى تصنيف ديون الحكومة الفيدرالية الأمريكية خلال السنوات الثلاث الماضية.
وتُصدر الحكومة الأمريكية حاليًا دينًا عامًا جديدًا يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سنويًا. وقد ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وهي مؤشر على مخاطر التعثر في السداد إلى 101%، ومن المتوقع أن تصل إلى 120% بحلول عام 2036.
وفي الوقت نفسه، تجاوزت مدفوعات الفوائد على الدين الفيدرالي القائم بالفعل نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يستلزم خفض الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية وبرامج أخرى تحظى بتأييد غالبية الناخبين. ومن شأن ذلك أن يؤجج حالة السخط السياسي، في حين أن ضيق الحيز المالي المتاح للحكومة سيحد من قدرتها على الاستجابة للصدمات والأزمات المستقبلية.
أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فتتمثل المشكلة في ضعف الطلب على الاستثمار، وهو ما ينعكس في فائض مستمر في الحساب الجاري. ومع توجيه جزء معتبر من المدخرات الأوروبية إلى الأصول المالية الأمريكية، سواء العامة أو الخاصة، يجد الأوروبيون أنفسهم من دون قصد يساهمون في تمويل حرب ترامب على إيران، وهي الحرب التي تسببت بدورها في ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة عليهم.
فماذا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يفعل لتقليص فائض حسابه الجاري وإعادة توجيه مدخراته نحو الاستثمار المنتج والنمو داخل حدوده؟
أولًا، عليه أن يتبنى سياسات تعمّق اندماج أسواق السلع والخدمات ورؤوس الأموال الأوروبية.
ولهذه الغاية، أقرّ الاتحاد الأوروبي مؤخرًا قانونًا جديدًا طموحًا يُعرف باسم «النظام الثامن والعشرين»، والذي يتيح للشركات التأسيس والعمل عبر الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي بموجب مجموعة واحدة من القواعد والأنظمة. ورغم أن هذا القانون لا يخلو من أوجه القصور، فإنه يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، مع توقع إحراز مزيد من التقدم خلال الفترة المقبلة.
ولمعالجة تجزؤ أسواق رأس المال، يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير سياسات تهدف إلى تعزيز اتحاد الادخار والاستثمار، بما يقلل الاعتماد على التمويل المصرفي في الاستثمار؛ وإصلاح أنظمة التقاعد الوطنية التي تظل أصولها حاليًا محتجزة في الودائع المصرفية، وبالتالي بعيدة عن الأصول المالية التي توفر عوائد أعلى معدلة بحسب المخاطر؛ وإنشاء هيئة رقابية أوروبية موحدة.
وعلى المدى الأبعد، يتعين على الاتحاد الأوروبي أيضًا إنشاء سندات حكومية أوروبية آمنة لتكون بديلًا لسندات الخزانة الأمريكية. وبما أن الاتحاد الأوروبي التزم بزيادة الإنفاق على قاعدته الصناعية الدفاعية وتعزيز أمنه في مجال الطاقة، فإنه يمكن ربط العائدات الناتجة عن الإصدارات الجديدة من السندات الأوروبية بأحد هذين الهدفين.
وببطء ولكن بثبات، يتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات للحد من فائض حسابه الجاري وتوجيه المزيد من مدخراته الضخمة نحو الاستثمار والنمو داخل اقتصاده.
إن قادة دول مجموعة السبع الأوروبيين يتصرفون، بحسب رؤية الكاتب، كراشدين يتحلون بالمسؤولية. وعندما تفشل هذه القمة في تقديم حلول ذات مغزى لبعض أكبر المشكلات التي يواجهها الاقتصاد العالمي، فلن يكونوا هم من يستحق اللوم.
لورا تايسون الرئيسة السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس خلال إدارة كلينتون، وأستاذة في كلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
جورج باباكونستانتينو وزير المالية اليوناني السابق، ومؤلف مشارك (مع جان بيزاني فيري) لكتاب عالم جديد قواعد جديدة: التعاون العالمي في عالم من التنافسات الجيوسياسية.
خدمة بروجيكت سنديكيت