عندما كتب هذا المقال لم يكن اتفاق التسوية المؤقت بين إيران وأمريكا قد تم توقيعه كما لم يكن نصه الرسمي النهائي قد أعلن.

ما لدينا إذن كانت فقط سردية النصر التي سربها كل طرف فادعى الأمريكيون أنهم حققوا في الاتفاق ٨٥٪ من أهدافهم، وادعى الإيرانيون أنهم أجبروا الأمريكيين على قبول شروطهم الأساسية بما في ذلك الإفراج غير المعلن عن جزء مهم من أموال طهران المجمدة قبل أن يضعوا أي توقيع لهم على الاتفاق.

لكن غياب النص النهائي لا يمنع تقدير الموقف هذا من المغامرة بالاستنتاجات التالية:

هذا الاتفاق هو نهاية معركة وليس نهاية حرب: يتعلق الأمر هنا بحقيقة أن الاتفاق أجل القضايا شديدة الحساسية والتعقيد مثل «الملف النووي، استمرار البرنامج أو تفكيكه، كيفية التصرف في كمية اليورانيوم المشع الإيراني ذي المستويات العالية، قضية رفع العقوبات، مستقبل إدارة المضيق، التعويضات عن شن الحرب» وكلها مع الادعاءات المتناقضة لكل طرف عن الحدود التي لا يمكن التخلي عنها يجعل التوصل لاتفاق نهائي أمر معقد.

لكن السبب الأهم هو أن الاتفاق لم يغير من أهداف الطرفين المتحاربين من الصراع أو بعبارة أخرى فإن ما يسمى بـ الاستراتيجيات الكبرى Grand Strategies لأمريكا وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى ما زالت كما هي. فباعتراف الإسرائيليين- الذين بدأوا في لطم الخدود وشق الجيوب- اعتراضا على الاتفاق فإن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل حققنا أي هدف من أهداف شن الحرب.

لم يتم إسقاط النظام أو تحويله من الداخل لنظام موال للغرب كما كان أيام الشاه. لم يتم القضاء علي البرنامج النووي. لم يتم القضاء على البرنامج الصاروخي. لم يتم تفكيك محور المقاومة أو ارتباط إيران بملفات فلسطين ولبنان والعراق واليمن.

بعبارة أخرى قد يتعامل الطرفان المتنازعان أن الاتفاق ومفاوضات الـ60 يوما المقبلة هي مجرد هدنة لترميم الوضع الداخلي وإعادة بناء القدرات العسكرية المستنزفة وانتظار إما لحظة مواتية للعودة للحرب أو التوفيق في إنجاز الأهداف التي فشلت في تحقيقها في حرب الأربعين يوما، ولكن عبر خطط أخرى تستخدم الاقتصاد والضغوط الدبلوماسية وبناء تحالفات إقليمية وحتى داخلية عند الخصم

إذا وضعنا إلى جانب ما تقدم السعي الإسرائيلي المؤكد لإفشال هذه التسوية إما باستفزاز إيران إلى الحرب مجددا عبر قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وبالتالي استدعاء اندفاع محتمل للصقور في واشنطن للعودة للحرب لنصرة إسرائيل فإننا بكل المعاني سنكون وإقليم الشرق الأوسط في حالة سيولة استراتيجية لفترة غير قليلة من الوقت قبل أن تستقر التغييرات الجيوسياسية على صيغة جديدة للأمن الإقليمي والعلاقات الإقليمية بعد سقوط الصيغة القديمة التي هيمنت على المنطقة منذ اتفاقات السلام العربية / الإسرائيلية كتطور تاريخي ومنذ قيام نظام الثورة الإسلامية في إيران كتطور تاريخي مضاد ومتنازع معه.

ستستمر حالة السيولة الاستراتيجية حتى يستطيع الأمريكيون والإسرائيليون ومعهم الحلف الإبراهيمي الذي يضم دولا عربية والهند وقبرص واليونان وإثيوبيا وصومالي لاند من تحقيق استراتيجيتهم الكبرى، أو حتى يتوصل كل من أدرك خطورة الحلف الإبراهيمي على الأمن الإقليمي للدول الأصيلة التي عاشت مع بعضها البعض في المنطقة منذ فجر التاريخ عربًا وأتراكًا وفرسًا إلى صيغة أمن شرق أوسطي تقوده دول المنطقة ولا يفرض عليها من الخارج أو من دولة ناشئة من خارج الإقليم قامت على التوسع والهيمنة.

يكشف عن هذا الصراع غير المحسوم وبالتالي عن استمرار حالة «الرجرجة» الجيوسياسية هذه الاستراتيجيات المتناقضة لكل طرف من هذه التسوية المؤقتة.

استراتيجية الرئيس ترامب ومعه نتنياهو هو استغلال الاتفاق لتوسيع الصيغة الإبراهيمية وجعلها صيغة الأمن الإقليمي التي تكرس هيمنة أمريكا المطلقة على ثروات وممرات وموقع المنطقة الحاكم لاقتصاد وطاقة العالم وفي الوقت نفسه تكرس إسرائيل كقوة إقليمية تحرس هذه الهيمنة وتحول دولها لمناطق نفوذ آمنة بمستوى تسليح تافه لا يهدد ما تراه هي تهديدا لأمنها، والأهم من ذلك كله تصفية القضية القضية الفلسطينية تماما وجعل القدس والضفة الغربية والجولان ومنطقة آمنة في جنوب لبنان وغزة لمكاسب ثابتة ترضخ دول المنطقة لها وتتعامل معها كحقائق سياسية.

في هذه الصيغة ستجبر دول عربية وقعت على اتفاقيات سلام أنهت الحروب بتطبيع بارد على الانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية، وسيتم السعي لضم باقي الخليج للاتفاقات.

السلاح الإسرائيلي، وتكنولوجيا التجسس الإسرائيلية، والقواعد التي مكنها منها دول إبراهيمية «١٥٪ من صادرات السلاح الإسرائيلية العام الماضي استوردتها دول عربية !!» هي التي ستسود المنطقة. الاستراتيجية المضادة هي استراتيجية الاستقلال عن الهيمنة الدولية سواء من الغرب أو الشرق والتحرر النسبي من التبعية لواشنطن والسعي لصيغة أمن إقليمي تضعها دول المنطقة قائمة على توازن المصالح ورفض أي تطبيع مع إسرائيل قبل الاعتراف وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس طبقا لكل القرارات الدولية.

في هذا المجال يطرح هل تكون الآلية الرباعية لمصر وتركيا وباكستان والسعودية بداية عملية مسار استراتيجي وليس مؤقتا لمواجهة المشروع الإبراهيمي سيتمكن لاحقا من بناء علاقات تفاهم مع إيران؟

إن ثبوت عدم فعالية مظلة الحماية الأجنبية في جلب السلام والاستقرار لشعوب المنطقة بل تحولها لمصدر من مصادر النزاع والاستهداف يطرح أيضا سؤال السيولة الاستراتيجية، وبقدر ما تتبلور تجاهه إجابات شجاعة للاعتماد على الذات الجماعية العربية أولا وعلى التعاون الإقليمي للدول الأصيلة في مواجهة مشروع التوحش والتوسع واستخدام القوة من أجل القوة للنموذج الإسرائيلي والإبراهيمي بقدر ما تستقر حالة السيولة الاستراتيجية على «الجودي» يضمن الاستقرار والأمن ونجاح خطط التنمية الطموحة في الخليج والمنطقة.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري