ترجمة: قاسم مكي -

في مقال سابق لي سألت: هل الذكاء الاصطناعي فقاعة، أم نعمة، أم نقمة؟

كانت أجوبتي بأنه فقاعة إلى حد ما، وإنه نعمة وأيضا نقمة. (نشرت صحيفة عمان ترجمة لهذا المقال تحت عنوان «دليل المحتارين إلى الذكاء الاصطناعي» في عدد الخميس 11 يونيو – المترجم). الآن أريد أن أتناول بمزيد من العمق الجانب الأخير من السؤال والمتعلق بالنِقَم. والمسائل التي سأتطرق لها هي: ما خطورة الذكاء الاصطناعي؟ وما الذي يجب علينا القيام به لاحتوائه؟ وهل ينجح أي شكل من أشكال التنظيم في ذلك؟ الاستنتاجات الرئيسية التي سأتوصل إليها بعد إمعان النظر في ذلك هي إنه يقينا خطِر وعلينا بالتأكيد محاولة تنظيمه، لكن المحاولة في الغالب ستفشل.

قال لي البعض: إنه لا يحق لي التعليق لأنني لست خبيرا. ويجادل آخرون بأننا يجب علينا قبول أي شيء تقدمه لنا التقنية؛ لأنها مصدر النمو الاقتصادي.

لكن كلا الرأيين خاطئ؛ فالديموقراطية مشروع سياسي مشترك. ولدينا كلنا حق المشاركة في الجدل حول كيفية إدارة التقنيات الجديدة والخطرة.

كان هذا صحيحا عندما اخترعت القنبلة الذرية، وهو صحيح أيضا مع الذكاء الاصطناعي الذي ستكون له تبعات أشد تعقيدا إلى حد بعيد، ولكن أيضا خطرة.

إلى ذلك، الحق المزعوم بالتقرير في مثل هذه الأشياء والذي طالب به بعض عمالقة التقنية لم يعد بالتأكيد قائما بعد الضرر الهائل الذي سببته وسائل التواصل الاجتماعي للشباب وللخير العام المتمثل في المعلومة السليمة.

هل المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية غير معقولة؟ لا أبدا؛ لأن الذكاء الاصطناعي قد يأتي أيضا بمفاسد كبيرة تشمل انهيارا في القيم الإنسانية الأساسية، وبعض الأخطار المعيَّنة والجسيمة، واضطرابا واسع النطاق.

البشر يفكرون ويبدعون ويعملون. ما الذي سيحدث عندما تفكر الآلة وتبدع وتعمل لنا؟ هل سيظل البشر يكابدون لكي يفهموا أم نعتمد على الإطعام بالملعقة (نصبح عالة تماما على الآلة)؟ باختصار: هل سيغير الذكاء الاصطناعي ليس فقط ما يفعله البشر، ولكن أيضا هويتنا؟

هنالك جانب جوهري لمعنى أن يكون البشر بشرا، وهو المساءلة وتحمل المسؤولية.

صارت هذه المسألة واضحة للعيان عندما أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي عن تأسيس «شركة غير بشرية»، رد عليه الفيلسوف والمؤرخ يوفال هاراري بقوله «البلدان التي تمنح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية تخاطر بالتحول إلى شيء لا تذكر له سجلات التاريخ مثيلا. تخاطر ليس بالتحول إلى دولة (تديرها) شركة ولكن إلى دولة (يديرها) ذكاء اصطناعي».قانونيا، الشركات «أشخاص». لكن شركات الذكاء الاصطناعي قد تتخذ قرارات ليس بواسطة بشر؛ فكيف يمكن أن يكون برنامج ذكاء اصطناعي محاسَبا ومن يحاسبه؟

يمكن أن يذهب الرؤساء التنفيذيون المجرمون إلى السجن. لكن من المماثل لهم في (شركات) الذكاء الاصطناعي؟ فكما يقول البابا، الذكاء الاصطناعي «أداة» إنه ليس شخصا. هل يعاني؟ هل ينزف دما؟ هل يتحمل المسؤولية الأخلاقية؟ هل يمكن محاسبته بأية طريقة لها معنى؟ لا أبدا.

إلى ذلك؛ فالسؤال المتعلق بالمسؤولية لا يقتصر على العمل التجاري؛ فمن الذي سيُحاسَب على جرائم الحرب عندما يتولى الذكاء الاصطناعي توجيه جيوش الروبوتات؟

تثور مسألة المحاسبة أيضا في حالة المؤسسات الأخرى القادرة على استخدام الموارد التي يتيحها تكامل الذكاء الاصطناعي مع تقنيات أخرى. فإمكانيات المراقبة الجماعية ضخمة، وكذلك إيجاد أسلحة ذاتية الاستخدام. كما تعززت بقدر هائل القدرة على اختلاق الأكاذيب والتزييف العميق وتدبير مكائد الاحتيال. مثل هذه المستجدَّات يمكن استخدامها بواسطة الدول، وأيضا جهات خاصة، أو بواسطتهما كليهما.

كيف يمكن تفعيل القانون والمحاسبة السياسية في مثل هذا العالم؟ في تدوينة مثيرة على منصة «سبستاك» ذهب الاقتصادي نوح سميث حتى القول بأن الذكاء الاصطناعي سيسيطر على العالم.

ثم هنالك أخطار أكثر تحديدا؛ من بينها خطر واضح، وهو القدرة على زعزعة حضارتنا المعزَّزة رقميا.

انتبهنا إلى ذلك عندما حذرت شركة أنثروبيك من التهديد الذي يشكله «ميثوس» للأمن السيبراني؛ فكل شيء نعتمد عليه يعتمد بدوره على مثل هذه الأنظمة.

وإذا عطلها الذكاء الاصطناعي ستكون الحياة غير آمنة بشكل جذري، وستكون احتمالات الابتزاز بلا حدود. كما أن احتمال تصميمه لمسببات أمراض قاتلة مرعب أيضا.

يقول نيال فيرجسون الباحث بمعهد هوفر (محذرا) من بين الأسباب التي تجعل الذكاء الاصطناعي غير قابل للسيطرة إنه مدفوع بسباقَي تسلح متزامنين. أحد السباقين يدور وسط عدد قليل من الشركات، والآخر بين الولايات المتحدة والصين.

حتى الآن قررت الولايات المتحدة عدم تنظيم وضبط السباق بين شركاتها فيما لا تحاول هي والصين السيطرة على السباق بينهما.

يحاجج فيرجسون بأن السباق الأول يفسره إلى حد بعيد السباق الثاني. ويعتقد أن الاتفاق بين الولايات المتحدة والصين حول تنظيم الذكاء الاصطناعي شرط ضروري للسيطرة على تنافس الشركات الأمريكية الرائدة والذي يشبه الصراع بين عصابات المافيا.

هكذا نحن، كما ذكرت في مقالي السابق، في مصيدة.

فأهل التقنية يقذفون بنا وبسرعة غير عادية في عالم جديد لا نفهم النتائج المترتبة عنه أو نسيطر عليه. ويعود هذا في جزء منه إلى أن الذكاء الاصطناعي هو التقنية الأكثر «أغراضا» من بين التقنيات متعددة الأغراض؛ فهو من الممكن أن يعني حتى إحلال الذكاء البشري بذكاء الآلة.

والنتائج كما ذكرت تتخطى المخاوف بشأن أخطار محددة. كما سيؤثر الذكاء الاصطناعي على إحساسنا بالهوية كبشر والطريقة التي ننظم بها المجتمع ونفهمه.

فهل سيكون بمقدور البرامج التصرف مثل الناس في حين أنها لا تشعر ولا تملك وعيا أو ضمائر؟

على أية حال، نحن بالتأكيد سنرغب في احتواء الأخطار الأكبر وخصوصا تلك التي ناقشناها أعلاه. وهكذا سيكون السبيل المعقول إلى الأمام أن تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى تحديد معاهدة لنزع سلاح الذكاء الاصطناعي والموافقة عليها، فهذا يمكن أن يجعل كل أحد يشعر بمزيد من الأمان.

ثمة خبر جيد وهو أن الخوف من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية يثير القلق في نفوس الناس. وهم يعتقدون عن حق أن المستقبل أهم من أن يُترك لِقِلَّة من «أساتذة التقنية» تماما مثلما الحرب أهم من أن تُترك للجنرالات. بالنظر إلى ذلك، قد ينفتح المجال لتنظيم الذكاء الاصطناعي.

مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز