ينظر الكثيرون لسلطنة عُمان على أنها دولة محايدة تكرس جهودها في بناء وساطات وفتح مسارات حوار من شأنها نزع فتيل الصراعات الدامية في منطقة الشرق الأوسط. هذه النظرة صحيحة، لكنها لم تعد كافية لفهم الدور الكبير الذي تقوم به عُمان والذي يتجاوز الجانب الدبلوماسي وإطفاء الحروب في الإقليم إلى بناء استقرار إنساني يقوم على أسس الحوار الحضاري من أجل ترسيخ المشتركات الإنسانية ما يمنح الدول الفرصة المواتية للبناء والتنمية.

قبل عقد ونصف أطلقت سلطنة عُمان مشروعا دوليا تحت عنوان «معرض رسالة السلام» طاف قارات العالم معرّفا برسالة عُمان ورؤيتها للسلام الإنساني. وفي عام 2019 تبلور المعرض إلى مشروع أكبر وأعمق حمل اسم «المؤتلف الإنساني». جاء مشروع «المؤتلف» امتدادا لقراءة عُمانية لمسار الحوار الحضاري الذي برز في العقود الأخيرة، وخاصة في ظل الجدل الذي أثارته أطروحة «صدام الحضارات» وما أعقبها من تصاعد للاستقطاب والصدام الحقيقي بعد أحداث سبتمبر 2001 وغزو أفغانستان والعراق. سعى المشروع إلى جمع الأمم والشعوب حول القيم الإنسانية المشتركة التي تحضر في الديانات والثقافات والأيديولوجيات المختلفة بوصفها قاعدة يمكن أن تخفف من حدة الصدام وتفتح مسارات أوسع للتفاهم والسلام.

ويوم الخميس أطلقت سلطنة عُمان بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة وتحالف الأمم المتحدة للحضارات ومكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية وشبكة صناع السلام الدينيين والتقليديين، مشروعا جديدا حمل اسم «خطة مسقط» بهدف تعزيز جهود الوقاية من الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة وخطابات الكراهية والتحريض على العنف من خلال تفعيل أدوار القيادات التقليدية والشعوب الأصلية في الوساطة المجتمعية وبناء السلام.

أضافت «خطة مسقط» بعدا جديدا إلى صورة عُمان في العالم؛ فالدولة التي عُرفت بأنها دولة الحياد ونزع فتيل الحروب، وظفت خبرتها الطويلة لبلورة خطة تهدف لحماية المجتمعات من الإبادة وخطابات الكراهية قبل أن تتحول إلى عنف، وقبل أن يتحول العنف إلى جريمة جماعية. وهذا الانتقال جوهري وعميق؛ لأنه يتجاوز الحوارات الدبلوماسية بين الدول والحكومات إلى النسيج الاجتماعي نفسه، حيث يملك القادة التقليديون والشعوب الأصيلة والفاعلون المحليون عناصر قوة لا تستطيع المؤسسات الدولية أن تصنعها وحدها.

تحاول «خطة مسقط» إذن، إعادة تعريف السلام باعتباره عملا يوميا يبدأ من المجتمع ومن قدرته على إصلاح تصدعاته قبل أن تجد المجتمعات نفسها أمام مآس لا يصل إليها العالم إلا بعد فوات الأوان.

وتؤكد «خطة مسقط» أن العالم في حاجة ماسة إلى بناء أدوات وقائية تتعامل مع جذور العنف قبل أن يصل إلى لحظة الانفجار، ومع الكراهية قبل أن تتحول إلى خطاب انقسام قد ينتهي إلى جرائم فظيعة يدفع الأبرياء ثمنها الأكبر.

ومن هنا تأتي أهمية الخطة في أنها تعيد الاعتبار للوساطة المجتمعية ولأدوار القيادات التقليدية والشعوب الأصلية بوصفها قادرة على الوصول إلى مساحات لا تبلغها المؤسسات الرسمية والدولية بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. ستحتاج الخطة إلى جهود كبيرة من أجل بناء إيمان بها في مختلف البيئات والمجتمعات، ولعل ما سيدعم هذا الإيمان أنها نتاج مشروع عُماني متراكم شاركت عُمان المجتمع الدولي في بلورته طوال العقود الماضية الأمر الذي سيسهل وصوله للعالم عبر منظمة بحجم الأمم المتحدة وما يرتبط بها من مشاريع مثل مشروع «تحالف الحضارات».

ومن خلال هذا المسار، يأخذ الحضور العُماني في العالم معنى يتجاوز الوساطة بين الخصوم؛ معنى يتصل ببناء مشروع إنساني يرسخ قيام مجتمعات متماسكة وقادرة على حماية تنوعها وصون كرامة الإنسان فيها. فمن «رسالة السلام» إلى «المؤتلف الإنساني» وصولا إلى «خطة مسقط»، تمضي عُمان في بناء رؤيتها بهدوء وثقة مستندة إلى فهم عميق لأحوال الأمم والشعوب وإلى إيمان راسخ بأن الإنسان هو الغاية الأولى لكل سياسة وكل تنمية وكل حضارة.