ثمة حكاية هنا تستحق أن تُروى، لأنها تشكّل جزءًا من التاريخ الثقافي في عُمان الذي ما زال ينتظر مَنْ يرويه مِنْ مؤرخينا الأشاوس المشغولين أكثر بالتاريخ السياسي، خاصة أنها ــ أي الحكاية ــ عجيبة، وغير مسبوقة في بلادنا على حدّ علمي، وربما في البلاد العربية كلها. يتعلق الأمر بقضية في المحكمة رُفِعتْ ضد دار نشر عُمانية وظلت منظورة لمدة عام كامل قبل البت فيها بالحكم النهائي.
تتلخص الحكاية في أنه في أبريل من العام الماضي (2025)، وخلال معرض مسقط الدولي للكتاب صدرت عن دار «نثر» في مسقط الترجمة العربية لكتاب «الموت بالسيف: عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية» للباحثتين الأمريكيتين «مونيكا دافي تُوفت» و «سِديتا كوشي» بترجمة المترجم العُماني حمد سنان الغيثي؛ الفائز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، في فرع الترجمة، عام 2016. هذا الكتاب الذي صدر بالإنجليزية عن مطبعة جامعة أكسفورد عام 2023، يقدّم قراءة نقدية لمسار السياسة الخارجية الأمريكية منذ نشأة الولايات المتحدة حتى العقود الراهنة. وقد وقّع الغيثي عقد ترجمته في منتصف عام 2024، وأنجز الترجمة في بدايات 2025، وهذا بحقّ «أنسب وقت لترجمة هذا الكتاب» كما كتب في مقدمته، موضِّحًا أنها تأتي «في ظل تزايد الرفض الشعبي العربي لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، ولا سيما دعمها المستمر لإسرائيل. فالمزاج العام في العالم العربي، الذي بات أكثر وعيًا وإدراكًا لتبعات هذه السياسات، يجعل من الضروري تقديم مثل هذه الدراسات، التي تكشف جذور التدخلات الأمريكية، وترصد تطورها عبر العصور».
حتى الآن فإن كل الأمور على ما يُرام، فنحن أمام كتاب مهمّ، صدر في وقته المناسب، وأنجزه مترجم متمكن. لكن الشيطان كَمَنَ للجميع في تفصيل صغير يتعلق بغلاف الكتاب. فما إن رأى المترجم شعار «سلسلة المقاومة» الذي وضعتْه دار نثر أسفل الغلاف، حتى أعلن اعتراضه، واتهمها بأنها «سيّست» الكتاب في حين أنه كتاب أكاديميّ صرف، وقد كان الشعار على هيئة دائرة صغيرة مسيجة بأسلاك شائكة، ومبطنٌ جزؤها الأسفل بكوفيّة فلسطينية.
من المعروف في الوسط الثقافي العُماني أن دار «نثر» يقوم عليها الكاتبان العُمانيان حمود الشكيلي ومازن حبيب، وبما أنها عُمانية فإن عليها قبل نشر أي كتاب الحصول على ترخيص له من وزارة الإعلام، لأنها تعلم مسبقًا أنها من دون هذا الترخيص لن تتمكن من بيعه في معرض مسقط، ولا توزيعه في المكتبات العمانية، وهو ما حصل مع «الموت بالسيف». أذكر هذا الأمر المعلوم بالضرورة، لأسرد أن المترجم حاول منذ الأيام الأولى لظهور الكتاب في معرض مسقط الأخير (أبريل 2025) استصدار أمر من وزارة الإعلام بوقف تداوله وسحبه من السوق، لكن الوزارة رفضت الاستجابة لطلبه، لأنها لم تر في الغلاف أي مخالفة لقوانينها. فلم يكن أمام المترجم سوى اللجوء إلى المحكمة.
استند الغيثي في دعواه القضائية التي رفعها في محكمة الاستثمار والتجارة في مسقط إلى أن شعار «سلسلة المقاومة»، لم يرد في النسخة الأصلية للكتاب، الصادرة عن مطبعة جامعة أكسفورد، ولم يُتَطرَّق إليه في العقد المبرم بينه وبين «نثر»، وأنها لم تَستشِره في إضافته، ولا استشارت مؤلفتَي الكتاب الأصلي، أو دار النشر الأصلية التي تمتلك حقوق النشر (أي مطبعة جامعة أكسفورد)، وهنا أفتح قوسًا لأقول إنني لم أجد خلال متابعتي للقضية أي اعتراضات من المؤلفتين أو الناشر الأمريكي على غلاف نثر، وأن الاعتراض الوحيد المعلن كان من المترجم. وقد ردت الدار العُمانية على هذا الاعتراض بالقول إن الغلاف - حسب أعراف النشر - حقّ أصيل للناشر، ولا تدخُّلَ للمؤلف أو المترجم فيه إلا بإبداء رأي غير مُلزِم. وضربتْ مثلًا بأحد الكتب المترجمة في سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، وكان ناشره الأصلي مطبعة جامعة أكسفورد تحديدًا، ألا وهو كتاب «رؤية الأشياء كما هي: نظرية الإدراك» لجون سيرل (ترجمة: إيهاب عبدالرحيم علي)، فقد وضعت «عالم المعرفة» شعارها كسلسلة على الغلاف، ولم تعترض جامعة أكسفورد. وقد اعترض الغيثي بأن هذه المقارنة لا تستقيم، فليست كل السلاسل تتساوى في دلالتها.
ثمة جزئية أخرى استند إليها المترجم في شكواه وهي أن الكتاب لا علاقة له بالمقاومة الفلسطينية ولا بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأن شعار «سلسلة المقاومة» يمس بحقوقه الأدبية، بل ذهب أبعد بالقول إنه ينال من سمعته وشرفه ومصداقيته، ويعرض سلامته وأمنه وحريته للخطر؛ إذ إنه طالب ماجستير في كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس الأمريكية، وبات يواجه خطر الترحيل من الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية بدأت بإلغاء تأشيرات المئات من الطلاب العرب الذين ترتبط أسماؤهم بأدبيات المقاومة. وقد ردّت «نثر» بأنه ظل خلال شهور من تداول القضية يسافر إلى الولايات المتحدة ويعود منها دون أي منغصات تُذكَر، وتساءلتْ: إذا كان الكتاب أكاديميًّا صرفًا ولا ينبغي وضعه في سياق سياسي، فَلِمَ ربط المترجم نفسه في مقدمته توقيت ترجمته بالرفض الشعبي العربي لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، ولا سيما «دعمها المستمر لإسرائيل»! وكيف يخشى على أمنه وحريته من شعار في الغلاف ولا يخشى عليهما من مقدمة كتبها باسمه وضمّنها إحالات سياسية مباشرة!
ويبدو أن المحكمة اقتنعت بدفاع «نثر» ورأتْ أنها لم تغيّر عنوان الكتاب الأصلي، وكل ما فعلته أنها أضافت شعارًا على الغلاف بغرض التسويق للكتاب الذي انتقلت إليها حقوق نشر طبعته العربية، وهذا أمر يكفله قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، فحكمت برفض دعوى المترجم، كاتبةً بذلك الفصل الأخير لهذه الحكاية الثقافية التي ستبقى في ظني حكاية لافتة في تاريخ النشر العُماني، لأنها نقلت الغلاف من الهامش إلى المتن، ومن واجهة الكتاب إلى قاعة المحكمة، وأثبتتْ أن تفصيلًا صغيرًا قد يتسبب أحيانًا في خلاف لا يتوقعه أحد.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني