رصدٌ ميداني عابر من زاوية مقهى هادئ يتوسط أحد المراكز التجارية الحيوية في محافظة مسقط، كان كفيلًا بكشف أزمة بيئية صامتة تتوارى خلف تفاصيلنا اليومية؛ ففي الوقت الذي تستقر فيه على بُعد خطوات حاويات "الفرز من المصدر" بألوانها المميزة المصممة هندسيًا لفصل البلاستيك عن الورق والمعادن، جاء السلوك العفوي للمستهلكين ليعكس فجوة عميقة بين المخطط التنظيمي والتطبيق الفعلي، بعدما تداخلت علب المشروبات بعبوات الأطعمة والأوراق في الحاوية ذاتها دون تمييز.
هذا التناقض يضعنا مباشرة أمام تساؤلات جوهرية: هل يفتقر السلوك الاستهلاكي الحالي إلى المعرفة الحقيقية بالمردود الاقتصادي لعمليات إعادة التدوير؟ أم أن الوعي البيئي النظري بات بحاجة إلى حوافز أكثر فاعلية لتحويله إلى ممارسة مجتمعية تلقائية تضمن استدامة الموارد؟
أطر تنظيمية وتشريعات
رغم وجود الأطر التنظيمية والتشريعات البيئية، لا يزال تطبيق منظومة "الفرز من المصدر" في الأحياء السكنية والمنشآت التجارية يدور في حلقة مفرغة من الأداء الخجول، مما يفتح الباب واسعًا أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كان هذا التعثر يعود لغياب البنية الأساسية والحاويات المخصصة، أم لضعف آليات الرقابة والجزاءات الفعلية؛ وهي معضلة تتشابك خيوطها بين متطلبات البنية الأساسية والتحولات التنظيمية الأخيرة التي شهدها القطاع في سلطنة عُمان، حيث انتقلت مسؤوليات خدمات جمع ونقل النفايات البلدية والرقابة الميدانية على المخالفات في الأحياء والمنشآت إلى البلديات في مختلف المحافظات لتعزيز التكامل المؤسسي، بينما واصلت الشركة العمانية القابضة لخدمات البيئة "بيئة" دورها الاستراتيجي في إدارة المرافق الهندسية، والمعالجة، وتطوير مشاريع الاقتصاد الدائري واسترجاع الموارد.
وبناءً على هذا التوزيع الجديد للصلاحيات، فإن نجاح المنظومة لا يتوقف عند توفير الحاويات أو تفعيل العقوبات بشكل منفصل، بل يكمن في تحقيق تكامل مرن يجمع بين تطوير البنية التحتية، وتطبيق التشريعات الحازمة بالتوازي، مع قيادة تغيير تدريجي في الثقافة المجتمعية وأنماط الاستهلاك عبر الشراكات والمبادرات الوطنية.
تكاليف مرتفعة
وحول مدى كفاءة المسارات الحالية لجمع النفايات، وما إذا كانت الأنظمة الذكية مثل "إنترنت الأشياء" قد دخلت فعليًا خط المواجهة لتحسين عمليات الجمع وتقليل الانبعاثات الكربونية؛ وهو التحدي الذي واجهه قطاع إدارة النفايات في سلطنة عُمان عبر نقلة نوعية في بنيته التشغيلية والتقنية، ترد "بيئة" أنه مع انتقال مسؤوليات جمع ونقل النفايات البلدية إلى البلديات في المحافظات لإدارتها ضمن منظومة محلية مرنة، واصلت شركة "بيئة" دورها المحوري في تشغيل المرافق الهندسية والمحطات التحويلية، مما أثمر عن إدخال حلول رقمية متطورة تشمل أنظمة تتبع المركبات، وتحليل المسارات التشغيلية، والرقابة الرقمية على الأداء.
وقد تجسدت النتائج الملموسة لهذه الثورة التقنية في تحقيق خفض ملحوظ في استهلاك الوقود والانبعاثات الضارة، مدعومة بشبكة حديثة من المحطات التحويلية والمرافق الهندسية التي اختصرت مسافات النقل المباشر إلى المرادم، ليعاد بذلك رسم خارطة الكفاءة التشغيلية والبيئية للقطاع بأدوات الذكاء الرقمي والتكامل المؤسسي.
نفايات الرعاية الصحية
وتُصنَّف نفايات الرعاية الصحية والنفايات الخطرة قنابل موقوتة تهدد السلامة العامة، ونتساءل عن الفاتورة الباهظة والخسائر التشغيلية التي تتكبدها المنظومة نتيجة "الخلط العشوائي" لهذه السموم مع النفايات العامة أثناء عمليات الجمع، وكيف يتم التعامل مع مسببي هذه المخالفات؟ إن إجابة "بيئة" على هذا التساؤل تكشف عن منظومة رقابية صارمة في سلطنة عُمان تُدار بأعلى المعايير الدولية بالتنسيق بين وزارة الصحة، وهيئة البيئة، وشركة "بيئة"، حيث تبدأ من العزل الصارم وتصل إلى المعالجة الحرارية والتعقيم بالبخار.
منظومة إعادة التدوير
وعند الحديث عن كواليس الأرقام، وما هي نسبة الربح الفعلية التي تحققها مصانع تدوير البلاستيك والورق والمعادن في سلطنة عُمان، وهل تقع هذه الشركات في مصيدة العجز المالي فتعتمد، خلف الستار، على دعم حكومي ضمني لتغطية خسائرها؟ توضح "بيئة" أن منظومة إعادة التدوير محليًا وعالميًا لا تُقاس بمسطرة الربحية التجارية المباشرة، بل هي خدمة بيئية استراتيجية ذات عوائد تدريجية بعيدة المدى، خاصة أن كلفة الجمع والفرز والمعالجة المتخصصة تبدو مرتفعة نسبيًا مقارنة بعوائد البيع المحكومة بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار المواد الخام.
فإن التدخل الحكومي في هذا المشهد لا يأتي كصك دعم تقليدي لتغطية عجز تجاري، بل كاستثمار سيادي لتطوير البنية الأساسية والتنظيمية، بهدف دفع عجلة التنويع الاقتصادي وبناء سوق محلي صلب للاقتصاد الدائري، ليتحول القطاع من مجرد نشاط ربحي سريع إلى ركيزة أمن بيئي واستثماري تضمن جودة الحياة للأجيال القادمة.
وتتساءل "عُمان": لماذا لا نرى منتجات عُمانية مصنّعة من مخلفات معاد تدويرها بشكل واسع محليًا؟ وأين تختفي تلك المواد؛ هل تُصدَّر فعلًا إلى الخارج كمواد خام منخفضة القيمة والإنتاجية؟ أوضحت "بيئة" أن سلطنة عُمان قطعت شوطًا كبيرًا في بناء منظومة الفرز واسترجاع المواد، كما أن عبارة "صُنع في عُمان من مواد معاد تدويرها" لا تزال تصطدم بغياب حلقة صناعية تحويلية متكاملة تحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية في الابتكار؛ حيث يُوجَّه جزء من هذه المواد حاليًا نحو تطبيقات البناء، والقطاع الزراعي، أو كمواد أولية تغذي سلاسل صناعية محلية وخارجية. فالقطاع لا يزال يخوض مرحلة تنظيمية تهدف إلى تعظيم "القيمة المحلية المضافة" عبر تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وجذب الاستثمارات الخضراء، لتظل المعادلة مرهونة بالسرعة التي ستتحرك بها الجهات المعنية لتهيئة التشريعات وبناء الشراكات، وتحويل تلك المواد من مجرد "صادرات أولية" إلى سلع استهلاكية وطنية تُنافس في السوق المحلي وتدعم الاقتصاد الدائري.
حملات التوعية
وعن الأثر الحقيقي لحملات التوعية التي تنفذها شركة "بيئة" على سلوك المواطن والمقيم، وهل تمتلك الشركة مؤشرات قياس علمية وملموسة، كـ"معدل التلوث في الحاويات البلاستيكية"، لتثبت حدوث تحول إيجابي؟ أجابت "بيئة" أنها اعتمدت استراتيجية واجهت بها قضايا بيئية مزمنة عبر مبادرات طويلة المدى طرقت أبواب المدارس والكليات، بالإضافة إلى حملات موسمية تصدت لهدر الطعام، واستخدام البلاستيك، والرمي العشوائي في المواقع السياحية؛ حيث تخضع هذه الجهود لعمليات تقييم دورية لرصد مؤشرات التفاعل، وتغير مستويات المعرفة والسلوك. ورغم أن النتائج الأولية تسجل مؤشرات إيجابية في رفع الوعي البيئي العام لدى مختلف الفئات العمرية، إلا أن لغة الواقع تؤكد أن غياب أرقام حاسمة لـ"تصفير تلوث الحاويات" مرده أن هندسة السلوك البشري وتغيير أنماط الاستهلاك اليومية لا تحدث بلمسة زر، بل هي عملية تراكمية، يتطلب تحويل الرسالة التوعوية من مجرد مبادرات موسمية إلى شراكة مجتمعية مستدامة تجعل من الوعي البيئي سلوكًا وثقافة لا مجرد شعارات.
معالجة النفايات
كم تبلغ الطاقة الحالية لمعالجة النفايات في السلطنة، وما هي النسبة التي تلتهمها المدافن الصحية فعليًا من هذا الإجمالي، وكم عدد تلك المدافن التي تستقبل العبء اليومي؟ أوضحت شركة "بيئة" أن رصد البيانات التشغيلية المحدثة حتى الربع الأول من عام 2026 يكشف عن بنية أساسية ضخمة وجاهزية هندسية عالية؛ حيث تبلغ السعة التشغيلية الإجمالية للمرادم الهندسية في خلاياها العاملة نحو 22,108,461 طنًا، في حين تتدفق إلى هذه المنظومة كميات هائلة تبلغ في المتوسط 8,501 طن يوميًا من النفايات التي يتم التخلص منها عبر 11 مردمًا هندسيًا موزعة استراتيجيًا على مختلف محافظات السلطنة. كما أن تحدي المنظومة يكمن في السباق الهندسي الذي تقوده شركة "بيئة" لتطوير مرافق المعالجة واسترجاع الموارد؛ وهي معركة تشغيلية تهدف بالدرجة الأولى إلى كسر كفة الاعتماد على "الطمر التقليدي" لصالح خفض نسبة النفايات الموجهة للمدافن، وتحويل تلك الآلاف من الأطنان اليومية إلى مدخلات طاقة ومواد خام تدعم شريان الاقتصاد الدائري.
وجاء التساؤل الأخير حول من يتحمل كلفة الفشل إذا لم ترتفع نسب التدوير؛ هل هي شركة "بيئة"، أم الجهات الحكومية، أم أن المواطن سيتحمل الفاتورة النهائية عبر رسوم بيئية جديدة؟
ترد "بيئة" أن كواليس التخطيط الاستراتيجي تفكك هذا التخوف بفرضية "المسؤولية المشتركة" التي لا يمكن اختزالها في طرف دون آخر، ويتجلى ذلك في التحرك العلمي الأحدث الذي تقوده وزارة الاقتصاد ومؤسسة (Circle Economy Foundation) بالتعاون مع "بيئة" لإعداد "تقرير الفجوة الدائرية لسلطنة عُمان" (Circularity Gap Report)؛ وهو المشروع الذي يهدف إلى تشريح تدفقات الموارد بدقة، وتحليل مستوى دائرية الاقتصاد الوطني لتحديد الفرص والتحديات ووضع خارطة طريق علمية مبنية على المؤشرات والبيانات الدقيقة. فالحديث عن "الفشل والرسوم" يتراجع أمام بناء منظومة استباقية متكاملة؛ حيث يصبح نجاح التحول أو كلفته رهنًا بمدى نضج السياسات والتشريعات، وجاذبية البيئة الاستثمارية للابتكار، وتغيير السلوك المجتمعي.

**media[3413826]**