استطلاع: سارة الجراح - تصوير: خلفان الرزيقي

تجسّد اللوحات الفنية المشاركة في معرض «بهاء عُمان» حكايات بصرية عميقة تعكس الهوية الثقافية العُمانية بتنوعها الحضاري، وتوثّق ملامحها الجمالية لتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، وما يصاحبها من إعادة تقديم للتراث بأساليب معاصرة تجمع بين الأصالة والابتكار.


ويبرز المعرض دور الفن بوصفه وسيلة فاعلة في الحفاظ على الإرث الثقافي من خلال رؤى إبداعية قدّمها عدد من الفنانين والمبدعين من مختلف التخصصات؛ حيث استلهمت أعمالهم الأزياء العُمانية التقليدية، وسعت إلى توثيقها وإبراز قيمتها الجمالية والثقافية بأساليب حديثة ومتنوعة.


وتنوّعت الأعمال المعروضة بين الفن التشكيلي، والفن الرقمي، وتقنيات الأنيميشن، والخط العربي وصولًا إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تجربة بصرية تعكس تداخل الفنون الحديثة مع الموروث الثقافي، وتعيد تقديمه بصورة مبتكرة تواكب التحولات الفنية المعاصرة.


وفي استطلاع أُجري على هامش المعرض تحدّث عدد من الفنانين عن تجاربهم وبداياتهم الفنية، ورؤيتهم لدور الفن في صون الهوية الثقافية مؤكدين أن هذه الأعمال تمثل مساحة لتوثيق التراث العُماني، وإعادة تقديمه برؤى معاصرة تجمع بين الأصالة والحداثة، وتسهم في ترسيخ حضور الهوية الثقافية في المشهد الفني الحديث.
الهوية والأصالة
تقول الفنانة التشكيلية المتخصصة في الفن الرقمي كوثر بنت سليمان المسكرية: إن شغفها بالفن بدأ منذ سنوات مبكرة؛ حيث كان وسيلة للتعبير الذاتي قبل أن يتحول إلى مسار دراسي وممارسة فنية واعية مشيرة إلى أن ملامح رحلتها الفنية بدأت تتشكل بشكل أوضح خلال دراستها في جامعة السلطان قابوس، التي أسهمت في صقل موهبتها، وتوسيع رؤيتها الفنية.
وأضافت أن البيئة الأكاديمية كان لها دور بارز في تعريفها بمختلف المدارس الفنية وأساليب التعبير البصري وتقنيات الفن الرقمي، ما ساعدها على بناء هوية فنية تجمع بين الحداثة والحفاظ على الهوية الثقافية العُمانية.


وعن مسيرتها الفنية أوضحت المسكرية أنها خاضت العديد من المشاركات المحلية والدولية كان لكل منها أثره في تشكيل تجربتها وتطوير أسلوبها؛ حيث حصلت على المركز الثالث في المعرض السنوي للفنون الرقمية عام 2019، وهو ما اعتبرته محطة مهمة منحتها الثقة والدافع للاستمرار.


وعلى الصعيد الدولي شاركت في مهرجان الكويت الدولي عام 2024 بلوحة بعنوان «بوابة البادية»، كما شاركت في معرض «روح الفن» بدولة قطر عام 2026 بلوحة «سيدة الصهيل» التي حظيت بتقدير خاص تمثل في اقتناء العمل من قبل أحد الفنانين القطريين، وهو ما وصفته بأنه إحدى أبرز محطات نضجها الفني.


وأشارت إلى أن كل مشاركة شكلت إضافة نوعية لمسيرتها، غير أن معرض الفنون الرقمية كان بمثابة نقطة الانطلاق الحقيقية، فيما أسهمت مشاركتها في الكويت في تعزيز التواصل الثقافي وتبادل الخبرات، بينما عكست مشاركتها في قطر مرحلة أكثر نضجًا من حيث وضوح الهوية وتطور الأسلوب الفني.


وفيما يتعلق بمشاركتها في معرض «بهاء عُمان» أوضحت أن عملها «زينة الشرقية» يمثل عملًا فنيًا رقميًا يتجاوز التوثيق التقليدي للزي النسائي، ليقدمه بوصفه رمزًا ثقافيًا يعكس هوية المرأة في محافظة شمال الشرقية، ويجسد حضورها الاجتماعي والتاريخي.


وبيّنت أن اختيار الزي جاء لارتباطه العميق بالتراث العُماني؛ إذ يعد أحد الرموز التي تحمل دلالات ثقافية واجتماعية تعكس مكانة المرأة ودورها في المجتمع، مضيفة أنها سعت من خلال العمل إلى إبراز الجمال البصري والبعد الرمزي في آن واحد، وتحويله إلى سردية بصرية تعبر عن الهوية والانتماء.


وأكدت المسكرية أن الفن التشكيلي يؤدي دورًا محوريًا في توثيق التراث العُماني وصون الهوية الثقافية، ليس بوصفه عنصرًا جماليًا فحسب، بل كأداة توثيق قادرة على نقل الموروث بأساليب معاصرة تصل إلى الأجيال الجديدة.


وشددت على أن الزي العُماني ليس مجرد لباس تقليدي، بل هو هوية متكاملة تعكس تاريخًا وقيمًا راسخة مشيرة إلى أن التراث عنصر حي يمكن إعادة تقديمه وتطويره بأساليب حديثة دون أن يفقد جوهره، ليظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية والبصرية للأجيال القادمة.
الفن والإدراك البصري
توضح الفنانة التشكيلية ومعلمة الفنون لمياء بنت سالم المخمرية الحاصلة على درجة الماجستير في الفنون التشكيلية أن رحلتها مع الفن بدأت منذ مراحل مبكرة عبر التصوير الواقعي والرسم الزيتي قبل أن تتطور تدريجيًا نحو الأعمال المفاهيمية المعاصرة التي أتاحت لها مساحات أوسع للتجريب والتعبير الفني.


وأضافت أن مشاركاتها في عدد من المعارض والفعاليات والمسابقات الفنية داخل سلطنة عُمان، إلى جانب إسهاماتها في تنفيذ مشروعات فنية وبحثية متنوعة أسهمت في بناء تجربة فنية متراكمة وصقل رؤيتها الإبداعية، وتعزيز حضورها في المشهد التشكيلي.


وأشارت المخمرية إلى أن أبرز محطات مسيرتها الفنية تمثلت في مشروع الماجستير الذي تناول العلاقة بين الفن والإدراك البصري من خلال التعبير عن الأشكال المحرّفة واصفةً إياه بأنه نقطة تحول مهمة في رؤيتها الفنية، وأسهم في تطوير أسلوبها وتوجهها في العمل التشكيلي.


وفيما يتعلق بدور الفن التشكيلي ترى المخمرية أنه يؤدي دورًا محوريًا في توثيق التراث العُماني وصون الهوية الثقافية بوصفه وسيلة فاعلة لحفظ الذاكرة البصرية للمجتمع عبر توثيق العادات والتقاليد والتفاصيل الثقافية بلغة فنية معاصرة قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة بما يعزز استمرارية الهوية الثقافية بشكل حي ومتجدد.


وأكدت أن رسالتها الفنية تتمثل في دفع المتلقي إلى التأمل في الفكرة والرسالة الكامنة خلف العمل الفني، وليس الاقتصار على الجانب الجمالي فقط، معتبرة أن الفن مساحة للتفكير وإعادة قراءة المعنى البصري بعمق أكبر.


وفي حديثها عن أعمالها المرتبطة بالتراث، أوضحت أنها حرصت على إبراز جماليات الزي البلوشي العُماني بما يحمله من زخارف وتفاصيل غنية لافتة إلى أنها اختارته لما يمثله من تنوع ثقافي داخل الهوية العُمانية، فضلاً عن كونه أحد الأزياء الحاضرة في المناسبات الاجتماعية والأفراح، ما يمنحه حضورًا بصريًا وثقافيًا متجددًا يعكس ثراء المجتمع وتنوعه.


القيم الجمالية
يؤكد الفنان التشكيلي سعيد بن سعيد الغريبي، الذي لا يزال في بداية مسيرته الفنية، أن شغفه بالفن امتد منذ الطفولة واستمر حتى اليوم؛ حيث ارتبط اهتمامه بمجالات متعددة تشمل الرسم والتصميم والمونتاج، ما أسهم في بناء قاعدة فنية متنوعة لديه منذ المراحل الأولى.


وأوضح أن هذا الشغف المبكر قاده لاكتساب مهارات في الرسم والتلوين والتصميم الرقمي قبل أن يتجه إلى فن السرد القصصي عبر المانجا اليابانية التي مثّلت له مساحة إبداعية مميزة، ثم انتقل لاحقًا إلى مرحلة التحريك (الأنيميشن)، والتي اعتبرها نقطة تحول مهمة في مسيرته، كونها نقلته من الرسم الثابت إلى السرد البصري المتحرك.


وأشار الغريبي إلى مشاركته في عدد من المسابقات المحلية التي حقق خلالها مراكز متقدمة، الأمر الذي أسهم في تعزيز ثقته وتطوير أدواته الفنية، لافتًا إلى أن من أبرز محطاته الدولية مشاركته في معرض إكسبو اليابان (أوساكا 25) ضمن مجموعة من الفنانين في مجال المانجا، واصفًا التجربة بأنها محطة فارقة على المستوى المهني والدولي.


كما تحدث عن مساهمته في تأسيس أول شركة متخصصة في تأليف السلاسل العلمية بأسلوب المانجا، في خطوة تهدف إلى دمج الفن بالمحتوى العلمي بأساليب مبتكرة، إلى جانب مشاركته في ولاية صور ضمن دورة احترافية في رسم المانجا قدمها مدربون يابانيون، والتي شكلت محطة مهمة في تطوير مهاراته.


وفي الفترة الأخيرة اتجه الغريبي إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأعمال الفنية والمونتاج مستفيدًا من أدوات حديثة مثل (VEO 3.1 وOmni) لإنتاج لوحات بأسلوب زيتي كلاسيكي ومشاهد سينمائية تحاكي الواقع، ما أتاح له تنفيذ أعمال أكثر تنوعًا وابتكارًا.


وأضاف أن من أبرز أعماله المختارة أربع لوحات بأسلوب ضربات السكين في الرسم الزيتي إلى جانب مشروعه الفني «نسيج التاريخ العُماني» الذي يهدف إلى إنتاج مشاهد سينمائية لكل محافظة عمانية لإبراز تنوع الأزياء وربطها بالهوية الثقافية.


وفي معرض «بهاء عُمان» شارك الغريبي في إنتاج مشاهد فنية تحاكي الواقع لإبراز الأزياء التقليدية في مختلف محافظات السلطنة مؤكدًا أن الأزياء العُمانية تمثل ذاكرة ثقافية أصيلة تستحق التوثيق وإعادة التقديم بأساليب معاصرة.


ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مساعدة للفنان تسهم في تسريع الإنتاج ورفع دقته وفتح آفاق جديدة للإبداع مشيرًا إلى أهمية أرشفة الأزياء التقليدية مع تطوير أزياء معاصرة تحافظ على الهوية وتواكب العصر.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن أكثر ما يطمح لإبرازه للجمهور هو فن المونتاج وأساليب صناعة الأعمال الفنية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءًا من مستقبل الفن الحديث.
توثيق الإرث الثقافي
تؤكد الفنانة المتخصصة في الفن الرقمي والتصميم البصري حنان بنت محمد المعمرية أن مسيرتها الفنية انطلقت من اهتمام واضح بتوظيف التقنيات الحديثة في تقديم الأفكار والقصص بأسلوب معاصر مع تركيز خاص على إبراز الهوية والثقافة العُمانية في أعمالها الفنية.


وأشارت إلى أن من أبرز محطاتها الفنية مشاركتها في فيلم قصير ضمن جائزة الفنون البصرية التي تنظمها وزارة الثقافة والرياضة والشباب في مجال الأنيميشن، والذي حصل على المركز الأول، واصفة هذه التجربة بأنها من المحطات المهمة التي أسهمت في تطوير مسيرتها الفنية وصقل خبراتها العملية.


كما قدمت المعمرية مشروعها الفني «خيوط عُمان» الذي يهدف إلى إبراز جمال وتنوع الأزياء العُمانية عبر أسلوب بصري حديث، مع التركيز على توثيق هذا الإرث الثقافي، وإعادة تقديمه بصورة معاصرة تواكب اهتمامات الأجيال الجديدة.


وفي أعمالها الفنية حرصت المعمرية على توثيق مجموعة متنوعة من الأزياء العُمانية التقليدية شملت الزي العُماني والصوري والظفاري والبلوشي في محاولة لإبراز التنوع الثقافي والجمالي الذي تتميز به سلطنة عُمان.
وترى أن الفن الرقمي أصبح وسيلة فعالة في توثيق التراث، وإعادة تقديمه بأساليب حديثة وجذابة بما يسهم في تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتهم الثقافية، ويجعل التراث أكثر حضورًا واستمرارية في الفضاء البصري المعاصر.


دمج الهوية العمانية
وأكدت المهندسة ومصممة الجرافيك هديل اليحيائية أن الفن التشكيلي والخط العربي يشكلان مساحة أساسية لتجسيد الهوية العُمانية والعربية في أعمالها الفنية من خلال دمج البعد الجمالي بالبعد الثقافي، وإعادة تقديم التراث بأسلوب معاصر يواكب تطلعات الأجيال الجديدة.


وأوضحت اليحيائية أن رحلتها مع الفن بدأت منذ الصغر، وتعززت خلال دراستها في الكلية العلمية للتصميم؛ حيث تبلور اهتمامها بالخط العربي باعتباره امتدادًا لموهبة عائلية مشيرة إلى أنها بدأت تعلمه عام 2013 بخط الرقعة قبل أن تتدرج في مستواها الفني وصولًا إلى خط الوسام عام 2023، والذي مثّل نقطة انطلاقتها الفعلية في المجال.


وأضافت أن مشاركتها الأولى في معرض «حروفيات» الخاص بخط الوسام شكلت بداية حضورها الفني، تلتها مشاركات متعددة، من أبرزها معرض «فن مسقط 2024» الذي حظي بتفاعل واسع من الزوار، إلى جانب مشاركاتها في معرض رمضاني بقلعة مطرح، ومعرض يوم اللغة العربية، ومعرض «بهاء عُمان» الذي نظمته وزارة الثقافة والرياضة والشباب.


وبيّنت اليحيائية أن أعمالها تقوم على فكرة دمج الهوية العُمانية بالهوية العربية من خلال توظيف الخط العربي كعنصر بصري جمالي داخل اللوحات، بما يسهم في إبراز اللغة العربية كقيمة فنية وثقافية، وتحويل الحروف إلى مكون تشكيلي يعكس الهوية والانتماء.


وأكدت أن الفن التشكيلي يمثل وسيلة مهمة لتوثيق التراث العُماني، سواء عبر الأزياء أو العمارة أو الزخارف التقليدية، من خلال إعادة إنتاجها بصريًا بأسلوب معاصر يحافظ على أصالتها ويجعلها أقرب للأجيال الحديثة.


وفي هذا السياق، أشارت إلى مشروعها الفني الذي وظّفت فيه «المخور» بوصفه أحد أبرز الأزياء التقليدية في محافظتي البريمي والظاهرة، حيث عملت على إدخال الخط العربي في تفاصيله، خاصة في منطقة «التخويرة» أسفل الرقبة، ضمن إطار مشروعها القائم على خط الوسام.


واختتمت اليحيائية بالتأكيد على أهمية تطوير الأزياء التقليدية بما يواكب العصر دون المساس بهويتها الأصلية، بما يضمن استمرار حضورها في الذاكرة الثقافية، مع الحفاظ على روحها التراثية وقيمتها الجمالية.