يتضاد- للوهلة الأولى - المصطلح أعلاه مع مصطلح «كرة الثلج» مع أن كلاهما تصل نتائج ممارساتهما إلى نفس النتيجة، ولذلك فكلا المفهومين أو المصطلحين يمكن استخدامهما في الفهم الاجتماعي أو السياسي، فحالات التدهور المصاحبة للأحداث تنطبق على كليهما، وإنما تأتي التورية باستخدام هذا هنا وذاك في موقع آخر لإضفاء نوع من التغطية عن الدخول المباشر في المناقشة والذي يشار إليه بالأسلوب الـ «فج» وقد تكون الفكرة أيضا للفت الانتباه، فاستعطاف القارئ ليس بالأمر الهين، فما يدور في ذهنه يتجاوز الذي يطرح على اعتبار أنها أفكار ليست جدية، مع أن جديتها تكمن في الوقت الذي تناقش فيه، وعلى كل الحال فالمناقشة هنا -أيضا- لا تتمحور حول المفهومين ودلالاتهما اللغوية، وإنما تذهب إلى تداعيات السلوكيات التي يتعمدها الناس «مع سبق الإصرار والترصد» وعدم الأخذ في الاعتبار أن كل المشاكل بلا استثناء تبدأ صغيرة جدا قد لا يقام لها وزن، وتنتهي بمصائب كبيرة، قد لا يستحضر حجمها مع بداية التشكل الأولى، أو لحظة ميلادها، فالذي يسعى إلى زراعة حقد، أو حسد، أو ضغينة، أو صدام، هو يعي تماما أن المسألة لن تتوقف عند مستوى معين من الخطورة، وإنما تظل تداعياته مستمرة، تأكل بعضها بعضا حتى تأتي على كامل بيت القش، لأن الإنسان مخلوق ضعيف، يتأثر بالكلمة الجارحة كتأثره بالكلمة الـ «دامثة أو الدماثة» وتأثره بالصدق كتأثره بالكذب، وتجاوبه مع الجدية كتجاوبه مع الهزل، ولذلك قيل: «لا تخدع لتصل، فالعلاقات التي تُبنى على الزيف، تنهار على أول صدق» ومعنى ذلك أن حالات الانهيار أشد خطرا، وأسرع «دراماتيكيا» من حالات البناء، لأنها كحال حبات الدومينو تتسارع في دفع بعضها بعضا على سرعة الانهيار والتتابع، ومعظم الناس مفطورون على الآنية، وغالبا ما تحدث المفاجآت في آنية الحدوث، وليس بعد مرور من الزمن؛ حيث تهدأ النفوس، وتعود لمراجعة ذاتها، فتفرز السار من الضار، لتعود إلى المسار الطبيعي، وهو المسار غير ذي الكلفة المعنوية.
مما هو مأثور، ومتداول كذلك أن: «معظم النار من مستصغر الشرر» وهي ذات الصورة التي تبين أنه مع أول انفراط الحبة الأولى من العقد، انفراط حبات العقد كلها، وتناثرها، ومع تناثرها يصعب جمعها واصطفافها كما كانت عليه؛ فبعد التناثر تدخل عوامل كثيرة تؤثر على ما كان عليه الوضع قبل الانفراط، كما هو حال القلوب؛ كما قال عنها الشاعر: «إن القلوب إذا تناثر ودها؛ مثل الزجاج كسرها لا يجبر» حيث تتغير القناعات، وتتبدل المواقف بعد ذلك، ويحدث تشكل جديد للأشياء، ولذلك يحرص كثير من الناس وخاصة كبار السن - على المحافظة على الصور أو الممارسات التي توصف بأنها نمطية أو تقليدية، فمع تقليدية المشهد في هذا الأمر، إلا أنه يظل أقل خسارة عن حالة الدخول في معارك جديدة، لا تستشف نتائجها على المدى المنظور، مع أن المغامرات، وهي التي -غالبا- ما تعمل على تدافع حبات الـ «دومينو» تأتي -في كثير من الأحيان- بنتائج حيوية، وديناميكية، ولذلك يلجأ إليها صغار السن، أكثر من غيرهم، فلا يهمهم أن يقعوا في الخسارة من أول مرة، فالعبرة كما يقال في «النهايات أو الخواتيم» وحبات الـ «دومينو» المتناثرة يمكن أعادة اصطفافها من جديد، وبصورة أكثر ذكاء.
في البعد الاجتماعي يقال لك: « لا تُصافح وأنت جالس، فالوقوف احترام، والهيبة لا تُهدى لمن نسي الوقوف» وعلاقة هذه المسألة بما يتم مناقشته هنا، أن البعد الاجتماعي يتقصى كل صغيرة وكبيرة في سلوكيات الأفراد للخوف من تناثر وتدافع حبات الـ «دومينو» فبحركة مقصودة أو غير مقصودة، يمكن أن تبنى أو تهدم من خلالها علاقة مع شخص ما، مع أن التوجيه النبوي كما يروى في هذا الجانب يشير إلى خطورة الشعور بأهمية أن يمتثل الآخر للآخر بالقيام: «من سره أن يتمثل الناس له قياما؛ فليتبوأ مقعده من النار» ولكن؛ هل يعي كل الناس هذا التوجيه فيمتثلوا بالرضا سواء في بناء العلاقات أو هدمها؟
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني