تقرير ـ عبدالعزيز العبري

**media[3412960]**

يشهد قطاع الطرق في سلطنة عُمان تطورًا متسارعًا في توظيف التقنيات الحديثة والأنظمة الذكية في أعمال الرصف والصيانة، في توجه يستهدف رفع كفاءة البنية الأساسية، وتحسين جودة الطرق، وإطالة عمرها الافتراضي، وتعزيز الاستدامة البيئية، إلى جانب تسريع وتيرة الإنجاز وفق معايير فنية متقدمة.
وتأتي هذه الجهود ضمن توجهات وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات والجهات البلدية ذات العلاقة نحو تبني الابتكار والتحول الرقمي في مشاريع البنية الأساسية، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" الرامية إلى بناء منظومة نقل متطورة ومستدامة، قادرة على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف محافظات سلطنة عُمان.
رصف ذكي
ويبرز توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمال الرصف الإسفلتي بوصفه أحد التحولات النوعية التي دخلت قطاع الطرق، من خلال تطبيق تقنية الرصف الإسفلتي الذاتي باستخدام الذكاء الاصطناعي ضمن مشروع ازدواجية طريق السلطان سعيد بن تيمور – الجزء الرابع، في أول تطبيق من نوعه في قطاع الطرق والبنية الأساسية بسلطنة عُمان.
وتعتمد هذه التقنية على معدات ذكية مزودة بأنظمة تحكم متقدمة تعتمد على البيانات، وتتيح التنسيق التلقائي بين المعدات المختلفة أثناء عمليات الرصف، بما يحقق مستويات عالية من الدقة في تنفيذ طبقات الطريق من حيث السماكة والمناسيب وجودة الأسطح الإسفلتية.
وتسهم هذه التقنية في رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل العيوب التنفيذية، والحد من التدخل البشري المباشر، وتعزيز معايير السلامة المهنية، إضافة إلى تسريع الإنجاز وتحسين استدامة الطرق مقارنة بأساليب الرصف التقليدية.
مواد متطورة
وفي جانب تطوير مواد الرصف، اتجه قطاع الطرق إلى اختبار واستخدام خلطات إسفلتية متقدمة تعتمد على دمج المطاط المعاد تدويره من الإطارات المستهلكة مع البوليمرات وألياف الزجاج والمواد النانوية، بهدف تحسين خصائص الطرق ورفع مقاومتها للعوامل المناخية المختلفة.
ونُفذت هذه التجارب في عدد من المواقع، من بينها ولاية بدية بمحافظة شمال الشرقية، ومشروع ازدواجية وصلة الخابورة، حيث تسعى هذه المواد إلى زيادة مرونة الطريق ومقاومة التشققات والتآكل والتأثيرات الحرارية، بما يسهم في إطالة العمر الافتراضي للطرق وتقليل الحاجة إلى أعمال الصيانة المتكررة.
وتساعد هذه الخلطات على تحسين امتصاص الصدمات وتقليل الضوضاء الناتجة عن حركة المركبات، ورفع قدرة الطرق على تحمل الأحمال الثقيلة والحركة المرورية الكثيفة، خاصة في الطرق الحيوية التي تشهد نموًّا مستمرًّا في حركة النقل والشاحنات.
استدامة بيئية
وفي إطار تعزيز الاستدامة البيئية، تفتح التقنيات الحديثة في رصف الطرق المجال أمام إعادة تدوير الإطارات المستهلكة والنفايات البلاستيكية واستخدامها في الخلطات الإسفلتية، بما يسهم في تقليل المخلفات وخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بأعمال الإنشاء والصيانة، وتحويل النفايات إلى مواد ذات قيمة اقتصادية وإنشائية.
وتدعم هذه التوجهات الجهود الوطنية الرامية إلى ترسيخ مفاهيم الاقتصاد الدائري في مشاريع البنية الأساسية، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، وتبني حلول أكثر كفاءة في التعامل مع المخلفات الناتجة عن القطاعات المختلفة.
صيانة وقائية
ويأتي التطبيق التجريبي لتقنية "مايكروسيرفسنج" في صيانة جزء من أسفلت طريق ازدواجية بدبد – نزوى بمحافظة الداخلية، كأحد النماذج الحديثة التي تعزز كفاءة أعمال الصيانة الوقائية، إذ تعمل هذه التقنية على ملء الفراغات الصغيرة ومعالجة التشققات والانخفاضات في الطريق، وتكوين طبقة عازلة جديدة تجعل سطح الطريق أكثر استواءً وجودة.
وتسهم هذه التقنية في رفع مؤشر حالة الطريق وزيادة عمره الافتراضي وتعزيز صلاحيته للاستخدام، كما تتميز بسهولة التنفيذ وانخفاض التكلفة مقارنة بطرق الصيانة التقليدية، إذ لا تتطلب إزالة الطبقة القائمة من الأسفلت، ويتم تطبيقها من خلال آلة مخصصة تضيف المادة بدقة في أماكن الفراغات والتشققات.
وتتيح تقنية "مايكروسيرفسنج" فتح الطريق خلال ساعات معدودة بعد تنفيذ الأعمال، الأمر الذي يقلل من فترات الإغلاق ويحد من التأثير على الحركة المرورية، ويجعلها من التقنيات المناسبة لأعمال الصيانة السريعة في الطرق التي تشهد حركة مرورية مستمرة.
حلول بلدية
وتواصل بلدية مسقط جهودها في تطوير البنية الأساسية ورفع جودة الخدمات البلدية من خلال تبني تقنيات حديثة في صيانة الطرق، بما يسهم في تعزيز كفاءة الشبكة المرورية، وتقليل الازدحام، وخفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل، ودعم الاستدامة البيئية وإطالة العمر الافتراضي للطرق.
وتعتمد البلدية في أعمال الصيانة على مجموعة من الحلول التقنية المتطورة التي تتجاوز الأساليب التقليدية، من أبرزها تقنيات الإصلاح السريع للحفر والشقوق، التي تتيح معالجة الأضرار في وقت وجيز باستخدام معدات متخصصة ومواد أسفلتية محسنة بمواد إضافية تعزز المتانة ومقاومة العوامل الجوية، وتقلل من الحاجة إلى إغلاق الطرق لفترات طويلة.
كما تستخدم بلدية مسقط تقنيات الرش السطحي، ومنها "Slurry Seal" و"Microsurfacing"، وهي طبقات رقيقة من الخلطات الأسفلتية المائية تُطبق لمعالجة التشققات الدقيقة واستعادة كفاءة السطح، وتحسين مستويات السلامة والاحتكاك، إلى جانب كونها خيارًا اقتصاديًّا وصديقًا للبيئة نظرًا لانخفاض استهلاك المواد الخام.
وفي إطار توجهاتها نحو الاستدامة، تطبق البلدية تقنية إعادة التدوير البارد في الموقع، التي تتيح إعادة استخدام الطبقات الأسفلتية القديمة في موقع العمل بعد معالجتها بمواد مستقرة، بما يسهم في تقليل النفايات وخفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق وفر في التكاليف التشغيلية.
معدات متخصصة
وتشهد أعمال الصيانة استخدام معدات رصف متقدمة مدعومة بتقنيات حديثة، بما في ذلك أنظمة آلية تضمن دقة التسوية وجودة التنفيذ، الأمر الذي ينعكس على تحسين كفاءة الطرق ورفع مستوى السلامة المرورية.
وفي السياق ذاته، دشنت بلدية مسقط مؤخرًا أسطولًا جديدًا من المركبات والمعدات التشغيلية المتخصصة، شمل مركبات خفيفة وثقيلة لأعمال الصيانة اليومية، ومعدات للرصف والطحن والتسوية، إلى جانب أجهزة للكشف المبكر عن الأضرار، بما يعزز سرعة الاستجابة ويرفع كفاءة فرق العمل الميدانية.
وتنعكس هذه التحديثات إيجابًا على منظومة صيانة الطرق في محافظة مسقط، من خلال تقليل فترات الإغلاق المروري، وتحسين جودة الطرق، وتبني الصيانة الوقائية بدلًا من الإصلاحات الجذرية المكلفة، إلى جانب دعم الاستدامة عبر تقليل الأثر البيئي واستخدام مواد معاد تدويرها.
إنجاز أسرع
وفي جانب الأعمال الإنشائية المرتبطة بمشاريع الطرق، يسهم استخدام القوالب الخرسانية الجاهزة لصب العبارات المائية في رفع جودة التنفيذ وتقليل زمن الإنشاء وتسريع وتيرة الإنجاز مقارنة بالأساليب التقليدية.
وجرى اعتماد هذه التقنية في عدد من المشاريع الجاري تنفيذها، من بينها مشروع ازدواجية طريق ريسوت – المغسيل بمحافظة ظفار، بما يسهم في تحسين مستوى السلامة في مواقع العمل وتقليل التحديات المرتبطة بالأعمال الميدانية.
وتساعد هذه الحلول على تحسين كفاءة إدارة المشاريع، والحد من الأعمال الميدانية الطويلة، وضمان مستويات أعلى من الجودة في العناصر الخرسانية المستخدمة ضمن مشاريع الطرق، خاصة في المواقع التي تتطلب سرعة في التنفيذ واستمرارية في الحركة المرورية.
كفاءة مستدامة
ويمثل إدخال الذكاء الاصطناعي والمواد المتطورة وتقنيات التصنيع المسبق وإعادة التدوير في مشاريع الطرق تحولًا مهمًّا في إدارة وتنفيذ البنية الأساسية، لما توفره هذه الحلول من كفاءة أعلى في الأداء، وجودة أفضل في التنفيذ، وخفض في تكاليف الصيانة على المدى البعيد.
ومع استمرار تنفيذ المشاريع الاستراتيجية في مختلف المحافظات، تمضي سلطنة عُمان نحو بناء شبكة طرق أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على استيعاب النمو العمراني والاقتصادي، وتعزيز الترابط بين المحافظات، ودعم الحركة التجارية والسياحية، وترسيخ دور قطاع النقل بوصفه أحد المحركات الرئيسة للتنمية الشاملة.

**media[3412962]**