بين "حرب المعادلات" التي لم تنتهِ بعد، والنيران التي "التهمت" ولا تزال وقف إطلاق النار، يبدو لبنان وكأنّه يقف في المنتصف، "عالقاً" بين قرار حرب لا يملكه وسلام لم تنضج شروطه بعد، يراقب الرسائل المتبادلة بين ربط إيراني بوقف إطلاق النار على إسرائيل بوقف العمليات العدائيّة على الضاحية الجنوبيّة لبيروت وعلى الجنوب اللبناني ككلّ، وبين رفض إسرائيل تكريس هذه المعادلة وتمسّكها بنظريّة أنّ المهمّة مع "حزب الله" لم تنتهِ بعد.


وعلى سلّم التصعيد العسكري بين الجانبيْن، فإنّ ثمّة قراراً في الكواليس السياسية اللبنانية - الأمريكية، يقضي بأنّ "المنطقة التجريبيّة" جنوبيّ لبنان ستكون مفتوحة لأبنائها، تحت حماية الجيش اللبناني، ولن تتعرّض لقصف إسرائيلي، وبأنّ كلّ ما يحصل في واشنطن يصبّ في صالح لبنان، وإسرائيل ستنسحب وتعيد الأراضي والأسرى.

وهنا تكمن "العقدة" الفعليّة التي تجعل كلّ ورقة تفاوض قابلة للإنفجار عند أوّل غارة. ذلك أن واشنطن تريد تزامن الخطوات، وإيران تريد دمج التفاوض، لربط الملفّات أو لإعادة إحياء مبدأ "وحدة الساحات" أو "وحدة الجبهات"، وإسرائيل تريد ضمانات أمنيّة مسبقة، فيما ثنائي "حزب الله"- "حركة أمل" يصرّ على وقف نار شامل وانسحاب إسرائيلي أوّلاً.

وبهذا المعنى، لا تدور المفاوضات حول وقف الحرب فقط، بل حول من يملك حقّ ترتيب اليوم التالي في الجنوب اللبناني.. فهل يُدار الجنوب بمنطق الدولة والجيش، أم بمنطق الضمانات الأمريكيّة، أم بمنطق الأمر الواقع الإسرائيلي، أم بمعادلة المقاومة والردع؟


وعند هذا الحدّ، تحدّثت مصادر متابعة عن صيغة "شكليّة" بلا مُهل زمنيّة دخلت "سوق" التداول، وعُرِضت عملتها على السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، على أن يتمّ صرفها في "المنطقة التجريبيّة" التي استقرّت على "المنطقة الصفراء". وبحسب الصيغة "قيد البحث"، يتمّ التفكيك التدريجي لمنشآت "حزب الله"، بالتزامن مع الإنسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وعودة الأهالي.


وفي مرحلتها الثانية، تنصّ الصيغة على بسط سيطرة الجيش على قرى "الخطّ الأصفر"، مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بنقاطٍ أمنيّة وُصِفت بـ"الحاكمة"، وبعمق نحو كيلومترين، إلى حين تنفيذ ما تمّ الإتفاقُ عليه. هذا في جنوب الليطاني. أمّا شماليّ النهر، فلا يزال مجهول المصير إلى حين الإنتهاء من جنوبه. وفي المعلومات، فإنّ هذه الصيغة ستُعرض على "حزب الله" لإبداء الرأي فيها، بعد المطالعة مع الحليف الإيراني، وقد تحضر "ملائكتها" في باكستان.


حلول مؤجّلة
وعلى هذه الخريطة ترتسم في الأفق معالم حلول، ولو مؤجّلة، تتقدّم فيها "طاولة واشنطن"، بنسختها الخامسة التفاوضيّة بين لبنان وإسرائيل في 22 من الجاري، على "طاولة إسلام آباد"، لتكريس فصل المسار اللبناني عن المسار الأمريكي- الإيراني. ومع ذلك فإنّ حبل خلاص لبنان لم ينقطعْ عمّا يجري في المنطقة، وخصوصاً بين طهران وتلّ أبيب، وإِن انتهت الرسائل النارية على أرضه وفي سمائه بإعلان الطرفين وقف إطلاق النار.


وعليه، يرى الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد بسام ياسين صعوبة في استشراف ما سيكون عليه الوضع في 22 من الجاري، وذلك لكون "الأوضاع تتغيّر بشكل يومي، وهناك مستجدات قد تغيّر المشهد بأكمله". ففي ضوء التشنّج الإيراني- الأمريكي والإيراني- الإسرائيلي، وردّات الفعل والقصف الذي يحصل، فإن المفاوضات الإيرانية- الأمريكية ستدخل مرحلة من الجمود، أي من دون تحريك سريع، وخصوصاً في ظلّ "شهر كأس العالم"، بحيث أن لا أحد سيتخذ القرار قبل انقضاء هذا الشهر، ومن بعده يتضح مسار الأمور، وفق قوله لـ"عُمان".


أمّا بالإستناد الى الوضع الحالي، المثقل بالمناوشات بين إيران وإسرائيل، والتي لها علاقة مباشرة بالوضع اللبناني، وتطوّر الوضع الميداني على الأرض، مع القصف العنيف الذي تتعرّض له منطقة النبطية تحديداً، فيشير الى أن "طاولة واشنطن" التفاوضيّة، بنسختها الخامسة، من المفترض أن تشهد حديثاً بالتفاصيل المتعلّقة بوقف إطلاق النار، وبـ"المناطق التجريبيّة"، لجهة ما إذا كانت خارج نطاق "المنطقة الصفراء" (الخطّ الأصفر) أم داخلها. وبرأيه، سيعلن الإسرائيلي "المناطق التجريبية" خارج "المنطقة الأصفر"، بحيث يختبر قدرة الجيش اللبناني على "تنظيف" هذه البقعة من حزب الله، كما يريد. ومقابل كلّ منطقة، يتمّ التخلّي عن قرية أو قريتين من القرى التي احتلّها العدو الإسرائيلي، الى حدّ الوصول الى مسافة الـ4- 6 كلم التي يطالب بها كـ"منطقة عازلة".


ومن بوّابة هذه الوقائع التي تكشف أن حديث واشنطن عن "تقدّم مستمرّ في المسارين السياسي والأمني" بات خارج السياق الواقعي للميدان، وأن وقف النار، بمفهومه الدبلوماسي، لم يعد موجوداً إلا كـ"غطاء مناورة" يستخدمه الأطراف لتحسين شروط التفاوض بالنار، يؤكد ياسين أن المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية لن تكون سهلة، ولن يكون لها أيّ مخارج عملانية صحيحة، لأنّ موضوع سلاح "حزب الله" ليس بيد الدولة اللبنانية.. وبالتالي، نحن قادمون على "فترة طويلة من التشنجات والضغوط، الى حين الوصول الى مرحلة أن تكون الأمور قد وصلت عند جميع الأطراف الى نقطة الذروة، وبعدها يأتي الحلّ الذي من المفترض أن يكون منصفاً للجميع، بحيث يعيد الأرض للبنان، وفي الوقت عينه يحقق الرغبة اللبنانية بحصريّة السلاح"، مشيراً الى أن ملفّ "حزب الله" يجب "أن يأتي من ضمن الحلّ الإقليمي".


مساران.. وأولويّات
وعلى اختبار الأيام المقبلة، أكد رئيس تحرير "موقع 180 بوست" الصحافي حسين أيوب لـ"عُمان" أنه لا يمكن النظر إلى مستقبل الوضع في لبنان بمعزل عمّا يجري في المنطقة والعالم، فـ"لبنان ليس جزيرة معزولة" و"ليس هذا هو زمن العزف المنفرد"، مع إشارته الى وجود مساريْن يتحكّمان بواقعه: مسار إسلام آباد الأمريكي- الإيراني ومسار واشنطن اللبناني- الإسرائيلي، والى أن "لبنان لديه مصلحة في أن يكون جزءاً من المسارين، الأوّل بوصفه تعبيراً عن فالق زلزالي ضخم، هو الفالق الأمريكي- الإيراني، والثاني بوصفه تعبيراً عن زلزال إرتدادي هو الفالق اللبناني- الإسرائيلي".

أمّا المهم في الحالتين، فهو يتلخص بحسب قوله في "أن يملك لبنان رؤية استراتيجية إزاء الأهداف التي ينوي تحقيقها"، فيما الأهمّ يكمن بين مضامين السؤال: "ماذا يمتلك من أوراق قوّة وتحديد نقاط الضعف حتى يُبنى على الشيء مقتضاه؟"
وفي جردة حساب سريعة، يشير أيوب الى أن لبنان كان، منذ تاريخ الخروج السوري منه العام 2005، تحت تأثير نفوذ أمريكي- إيراني. ومنذ نهاية حرب العام 2024، إختلّت موازين القوى، وصار لبنان تحت تأثير النفوذ الأمريكي. وفي 2 مارس، تاريخ انخراط "حزب الله" في الحرب الأمريكية- الإيرانية، عاد لبنان أسير التجاذب الأمريكي- الإيراني، في ظلّ أرجحية واضحة لواشنطن.


ومن بوّابة هذه الجردة، يؤكد أيوب أن "ما يعنينا، لبنانياً، هو عدم استبدال وصاية سورية بوصاية أمريكية أو إيرانية، أو حتى إسرائيلية. ما يعنينا أن نحاول تثبيت دعائم البيت الوطني اللبناني حتى يصمد ولا ينهار في مواجهة العواصف التي تضرب المنطقة والعالم". ولذا، فإن المطلوب، بحسب رأيه، هو "مقاربة وطنية لبنانية للقضايا المختلف عليها لبنانياً، من أجل أن يحدّد كلّ طرف لبناني مخاوفه وهواجسه ورؤيته، بما يفضي إلى توفير الحماية والحقوق إذا كانت منقوصة".

وفي مقدّمة هذه القضايا تقع قضية السلاح. يقول أيّوب، معتبراً أن "هذا السلاح لا يعني لشريحة لبنانية مجرّد لعبة قطّة وفأر". فـ"هذا السلاح كان تعبيراً تاريخياً عن الفراغ الذي جعل الجنوبيّين وغيرهم يلجأون إليه لملء فراغ غياب الدولة التي لم تكن تحميهم من الإعتداءات الإسرائيلية".. فهل الدولة اللبنانية جاهزة لملء هذا الفراغ؟ وبالتالي، هل تستطيع أن تحمي الجنوبيّين؟.


ويقدّم أيوب قراءة للمشهد مفادها أن لبنان أمام مساريْن، أولّهما هو مسار إسلام آباد، الذي من شأنه "أن يفتح الباب جدياً لوقف النار الحقيقي بين لبنان وإسرائيل". أمّا المسار الثاني، فمتعلّق بجدولة الإنسحاب الإسرائيلي، فـ"إمّا ستكون جزءاً من مسار إسلام آباد، خلال مفاوضات الـ60 يوماً، أو تُحال إلى المسار اللبناني- الإسرائيلي". وعندها، يجب أن تتعاطى الدولة اللبنانية بـ"حكمة"، وإلا فـ"إنّ أية دعسة ناقصة، ستجعل العهد في حالة موت سريري منذ السنة الثانية له".

ومن بوّابة هذه القراءة، لا يتوقع أيوب من جولة المفاوضات المقبلة "أن تأتي بالمنّ والسلوى للبنان، بل على العكس، سيكون التفاوض نفسه، واستناداً الى روحية البيان الأخير، مدعاة للمزيد من الإنقسامات اللبنانية الداخلية"، خاتماً بسؤال: ماذا نكون قد كسبنا إذا ربحنا رضى الأمريكيين وخسرنا الوحدة الوطنية؟.


وهكذا، بين حدّي القراءات المتعدّدة والأسئلة المشروعة، فإنّ ثمّة إجماعاً على أن الإشتباك الحاصل على الساحة اللبنانية لا يقلّ خطورة عن الإشتباك بالنار. فإيران تحاول تثبيت حضورها في معادلة الردع، وتريد أن تقول إن لبنان ليس متروكاً، وإن أي اتفاق معها يجب أن يلحظ وقف النار فيه، فيما واشنطن تستخدم الدبلوماسيّة لضبط الإنفجار.

أمّا إسرائيل، فتستخدم النار لتحسين شروطها، ولا تتعامل مع لبنان كساحة تهدئة، بل كساحة ضغط. تريد فصل الساحات، لتستفرد بالجنوب والضاحية، وتمنع طهران من تحويل لبنان إلى بند تفاوضيّ ضاغط.


وما بين الموقفين، وفي سياق سعيه الى انتزاع وقف نار لا يتحوّل الى وصاية أمنية جديدة، يقف لبنان الرسمي أمام معضلة حقيقية، يلخّصها مصدر سياسي بارز بقوله "هو لا يملك ترف الإنقسام بين من يرى طهران مظلّة حماية، ومن يعتبرها عبئاً تفاوضيّاً، ومن يراهن على واشنطن وحدها". وبالتالي، كيف يستفيد من أيّ مظلّة إقليميّة لوقف العدوان، من دون أن يظهر كأنّه مجرّد ورقة في مفاوضات الآخرين؟