86 عامًا مرت على ظهور مسلسل الرسوم المتحركة (توم وجيري) أحد أكثر الأعمال التي أنتجتها (هوليوود) الأمريكية شهرة في تاريخها والتي حققت نجاحًا جماهيريًا منقطع النظير، وقد ظهرت أولى حلقات المسلسل في العام 1940 تحت عنوان «القط يتلقى ركلة».
وكما هو معلوم فإن أحداث حلقات المسلسل تدور حول صراع مستمر بين القط الكبير المتهور (توم) والفأر الماكر المستفز (جيري) اللذين يتشاركان السكن في نفس البيت.
ورغم أن المسلسل صمم خصيصًا للأطفال، إلا أن نسبة مشاهدة البالغين والكبار له تفوق نسبة مشاهدة الأطفال لما فيه من فكاهة وتسلية عالية.
وفكرة المسلسل الأساسية ومغزاه وهدفه النهائي بجانب التسلية هو تعزيز الثقة لدى الأطفال وتبديد الشعور بالضعف لديهم في مواجهة الأخطار التي قد تواجههم ممن هم أقوى منهم بدنيًا وذلك عبر الاعتماد على (العقل) أكثر من (العضَلات)، ولهذا السبب فإن كل جولات الصراع بين الخصمين توم وجيري تنتهي بانتصار جيري الصغير الضعيف بدنيًا على توم الكبير والقوي جسديًا. فبينما يستخدم توم قوته العضلية وجسده الكبير، يستخدم جيري عقله وذكاءه وتفكيره ليعوض صغر حجمه وضعف قوته.
والمغزى صحيح والفكرة ذكية، وتجد لها أمثلة مُشاهَدة وتطبيقات على أرض الواقع، فليست القوة المادية دائمًا لها التأثير المادي المطلق، وليس الضعف المادي عديم التأثير.
بعبارة أخرى تقرب المعنى، فإن القوة المادية لا تعني الغَلَبة والنصر، وأن الضعف المادي لا يعني الهزيمة والانكسار، وإنما الذي يصنع الفارق هو الاستخدام الأمثل للعقل في مواجهة الأزمات.
وعند خوض الصراعات والحروب، فالعتاد الحربي هو مجرد أدوات صماء عاجزة عن الفعل ما لم تشغّل وتدار بذكاء. والأساطيل الكبيرة طولًا وعرضًا هي مجرد قطع حديدية ضخمة تخضع لقانون الطفو وهي تسبح فوق سطح البحر إذا لم يخطط لعملها ومهامها بطريقة ذكية، ويمكن أن تغرق بحذافير خطة ذكية مضادة، والذكاء في الأصل منحة ربانية خِلْقية بالأساس لكنه يزيد بالقدْح والصقل وتواتر الخبرات والتجارب وتداعي الأزمات.
ولئن كانت القوة والضعف قيما تتعلق بـ(الكيف) فإن الكَثْرة والقِلة قيمتان تتعلقان بـ(الكم) وبالتالي تخضعان لنفس القاعدة الخاصة بالكيف، فالكَثْرة لا تعني الغَلَبة بالضرورة (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئًا)، والقِلة لا تعني الهزيمة بالضرورة (كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرة بإذن الله).
إنها قواعد ثابتة لا تتبدل بتقلب الأحوال، ولا تتغير بتقادم الأزمان ولا بتعاقب الحضارات وتناسخ الأجيال.
ولن نذهب بعيدًا عن معاني هذه القواعد والمسلّمات ونحن نعيش يوميات حرب خرجت علينا كما يخرج المارد من قمقمه، وكما تنطلق الرصاصة من فوهة البندقية لا يمكن أن تعود مرة أخرى، حرب لا يدري من أشعلها لِم أشعلها، وكيف يطفئ نارها، حرب شغلت العالم من أدناه إلى أقصاه أهدرت فيها موارد هائلة، وأزهقت فيها أنفس عديدة.
حرب أهدافها ضبابية، ودوافعها غير مرئية، ومبرراتها غير مقنعة، لكنها شُنت وأصبحت واقعًا يمشي بين الناس عليهم أن يواجهوا تداعياته شاءوا أم أبوا.
والمراقب لأحداث هذه الحرب منذ اندلاعها والناظر لسلوك أطرافها أو قل للدقة طرفيها ترد في خاطره صورة ذلك السجال والصراع المتواصل بين القط توم والفأر جيري بكل تفاصيله من مطاردات ومماحكات وحيل وخداع واستخدام مفرط للقوة، وكيف أن بعض المكائد ترتد وبالًا على من نسجها، وأن بعض عناصر القوة تصير عبئًا ثقيلًا على صاحبها ويستفيد منها الخصم، وأن التفكير السليم والتخطيط الجيد يتفوق على الشدة والبأس في أحيان كثيرة، وأن معرفة الـ(تضاريس) والـ(ممرات) داخل البيت وامتلاك ملاذ آمن فيه (الجحر) لا يستطيع معه العدو الدخول إليه تعتبر (معادلة) جيدة وتعطي ميزة عالية وتفوقًا لصاحبها وتقلب موازين القوة لصالحه وتجعله يرغم خصمه على تقديم تنازلات لم تكن في حسبانه وتتيح له أخذ زمام المبادرة والتحكم في مجريات الصراع.
في الحرب الحالية إسرائيل وأمريكا معًا (طرف أول)، الأولى قوة (عظمى) إقليمية، والثانية قوة عظمى عالمية ولا مجال للجدال في ذلك، وتحظيان بمهابة اقليميًا ودوليًا وتمتلكان قوة ردع هائلة وأسلحة دمار شامل، وإيران (طرف ثان) وهي قوة إقليمية (ناشئة) لم تصل إلى مرتبة القوة العظمى بعد، فبينها وبين هذه المرتبة أمد بعيد، لكن لديها طموح لبلوغ هذه المرتبة، ويبدو من خلال المؤشرات أنه تعدى في درجته مرحلة (الأماني)، وظلت زهاء خمسة عقود حبيسة حصار اقتصادي وسياسي محكم وكل (حيلتها) أسلحة تقليدية محلية الصنع لطالما كانت محل سخرية الطرف الأول الذي ضَمِن النصر حتى قبل أن يشن الحرب، باعتبار أن الأمر سيكون أسهل من التهام قطعة كيكة مع قهوة كابتشينو!!
الوضع الآن على الأرض وبعد مرور أكثر من مائة يوم من بداية الحرب مختلف ولا يعكس واقع الفارق الكبير والهوة الواسعة في القوة بين الطرفين، فالطرف الأول لم يحقق هدفه من الحرب ولم يقضِ على الطرف الثاني الذي لم يتصدع كما أريد له بل ما يزال يمتلك القدرة على الرد والمقاومة، بينما بدأت بوادر التصدع والخلاف تظهر في الطرف الأول.
كذلك فإن الطرف الأول أصبح حريصًا على إنهاء الحرب على موائد التفاوض بعيدًا عن ميدان المعركة، والتفاوض يعني في جوهره الأخذ والرد والتنازل والمرونة والقبول بالحلول الوسط وليس فرض الشروط والإملاء .
بينما الطرف الثاني يتمنع ويتشدد ويفرض معادلات جديدة سينتج عنها وضع جديد لصالحه في مضيق هرمز، وفك أرصدته المالية المجمدة، ورفع العقوبات ، وربط ملف الضاحية الجنوبية لبيروت بالمفاوضات ليشملها اتفاق وقف إطلاق النار، بحيث يكون الاعتداء عليها خرقا للاتفاق وبالتالي يعطي إيران الحق في الرد وفقا لقاعدة المعاملة بالمثل Tit for Tat، وفصل المفاوضات حول البرنامج النووي عن قضية الحرب وتحويله إلى ملف تقني ليعود لنفس المسار التفاوضي السابق في عهد أوباما، وإخراج ملف الصواريخ الباليستية من بنود التفاوض مع العلم أنه السلاح الأكثر فعالية بالنسبة للطرف الثاني.
هذا هو المشهد الآن والصورة في الوقت الراهن، وهي صورة تبدو فيها كفة إيران راجحة،رغم التدمير الذي طال منشآتها وبنياتها التحتية واغتيال رموزها العسكرية والدينية والسياسية، والخراب الذي لحق بكثير من جوانب الحياة فيها والتدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم بنسب عالية وتداعياته السالبة على متطلبات الحياة اليومية، وغيرها من آثار الحرب الظاهرة والمستترة.
لكن رغم ذلك تبدو مكاسب الطرف الثاني (إيران) بادية للعيان لا يمكن إغفالها، وخسائر الطرف الثاني (إسرائيل وأمريكا)هي الأخرى ظاهرة بادية للعيان لا يمكن إغفالها، وليس لهذا الوضع الغريب ـ الذي فيه «القط يتلقى ركلة» ـ
من شفرة تفك غموضه سوى قصة توم وجيري، فهل يتعظ العقل الأمريكي برمزية هذه القصة التي هي من إنتاج استوديوهات هوليوود الأمريكية..!!