تابعت قبل أسابيع قليلة مقاطع من جلسة استذكار لصديق شاعر ومخرج وأكاديمي غادر باكرا هو د. ياسر عيسى الياسري، وقد أُقيمت تلك الجلسة بمناسبة صدور كتاب أعدَّه، وقدَّم له د. سعد التميمي، حمل عنوان (الاتحاد بروح المكان)، ضمَّ ديوانه (أقدام لا تصلح للهرب)، وقراءات نقدية ومراثي كتبها أصدقاء الشاعر، ومحبوه، وطلبته، مع صور نادرة للشاعر الشاب الراحل، والكتاب صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، تلك الجلسة نظمتها منصة إبداع في بغداد، بالتعاون مع مكتبة أطراس.

وبعد أيام من تلك الجلسة أبلغني د. سعيد الزبيدي أنَّ طردًا وصل إليه من (كندا)، به نسختان من الكتاب؛ واحدة لي، والثانية له، فشكرته، مثلما شكرتُ الأب المفجوع برحيل فلذة كبده الشاعر الكبير عيسى حسن الياسري الذي بذل جهودًا للحصول على نسخة من الديوان، وتكفَّل بالطباعة حفظًا لإرث ولده الشعري.

حين قلَّبت الكتاب شاهدت صورة الشاعر الراحل تزين غلافه الأول، فتذكرت ملامحه، وابتسامته الخجولة، عندما كان يتردد على مبنى مجلة (أسفار)، في أواسط الثمانينيات، وكان يومها قد التحق بالدراسة في كلية الفنون الجميلة؛ قسم السينما، فيما كان والده يشغل موقع سكرتير تحرير المجلة.

وكم كانت سعادة (ياسر) كبيرة عندما نشرت له مجلة (الآداب) البيروتية قصيدة، في وقت كانت لا تنشر إلا للأسماء المتحققة!

فتوقعنا له مستقبلًا باهرًا، تبعها بأكثر من قصيدة نُشرت له في أكثر من مجلة ثقافية، وتُوِّج هذا الحضور بصدور مجموعته الشعرية (أقدام لا تصلح للهرب) عام 1989م، ونالت حال صدورها إطراءً نقديًّا طيبًا، لكن انشغال الشاعر بمواصلة دراسته العليا حال دون إكمال مشواره مع الكتابة الشعرية، خصوصًا أنه التحق باكرًا بالتدريس، لكونه من العشرة الأوائل في الكلية، فجرى تعيينه معيدًا فيها في عام تخرجه نفسه، وجاءت تلك الانشغالات على حساب الشعر، رغم أنه ظل يواصل الكتابة، ويعرض ما يكتب على أصدقائه، ووالده، لكنه صار مقلًّا في النشر، سوى ما يكتب من بحوث أكاديمية، وإصدارات، ومنها كتابه (مائة سؤال في الدراما.. قراءة ملخَّصة في كتاب فن الشعر لأرسطو طاليس)، وربما لم يكن يرغب في نشر نصوص تقطر مرارة في سنوات صعبة مر بها العراق، يقول الأستاذ الدكتور سعد التميمي على الغلاف الأخير من الكتاب عن شعره بأنه: «شهادة شعرية مؤلمة على جيل عراقي عاش مرارات الحرب، وفجائع الغياب، وأحزان الوطن المتروك، وهو ديوان يُغذّي وجدان القارئ بأسئلة كبرى لا إجابات نهائية لها، مستنهضًا، من خلال اللغة، طاقة النداء والاحتجاج، والانتماء المتألم إلى الذات، والطفولة، والمكان».

وحول ديوانه يضيف التميمي في دراسته التي حملت عنوان (بلاغة السؤال.. وأخلاقيات النداء في ديوان (أقدام لا تصلح للهرب)): «يكتسب الديوان بُعدًا رمزيًّا كثيفًا، يتمثل في بلاغة السؤال التي تتجلى من خلال انكسارات الشاعر، وانشغاله الوجودي بالرحيل، والمصير، وأخلاقيات النداء التي تتردد بصوت إنساني شفيف، يتوسل اللغة لتكون عزاءً ومعادلًا للمقاومة الداخلية»، وجاءت هذه الدراسة إلى جانب دراسات ومقالات قيمة لنقاد، وأكاديميين، وأدباء معروفين من بينهم: د. حاتم الصكر، د. رائدة العامري، د. خزعل الماجدي، د. عبدالهادي سعدون، د. دورين نصر سعد، د. رعد عبدالجبار ثامر، فاطمة خليفة، ماجد الحسن، نصير الشيخ، وآخرون.

وكتب الناقد السينمائي د. صفاء صنكور تقديمًا موجعًا ذكر به تفاصيل علاقة صداقة جمعتهما على حب السينما، والشعر، وعيسى الياسري، أما المراثي فهي كثيرة، وأبرزها المرثية الرائعة التي كتبها والده الياسري، وجاءت تقطر عاطفة إنسانية، وألمًا، وفيها يوجه خطابه الشعري لولده الفقيد قائلًا:

حرستني مثلَ طيرٍ يحرسُ الوكنا

فكنتَ أنتَ أبي والطفلُ كانَ أنا

تكونُ في مأمنٍ يا كلَّ ما زرعتْ

كفّي ويا نهرَ دمعي فاضَ أم سخنا

يا ياسر القلبُ مكسورٌ ومنفطرٌ

ناعيكَ قبلَ نداءِ الصبحِ صبحَّنا

ما كنتُ أعرفُ أنَّ القلبَ محبرةٌ

والحبرُ شريانُه المقطوعُ إنْ طُعنا

حتى رأيتكَ تمضي مسرعًا عجلًا

كغيمةٍ تتلاشى والقتيلُ أنا

هذا الجرح الناغر جاء ليجسد قول الشاعر الكبير الراحل عبدالرزاق عبدالواحد:

إنَّ الكبيرَ كبيراتٌ مدويةٌ

أمجادُه وكبيراتٌ مصائبُهُ!

يمثل الكتاب الذي جاء بـ(240) صفحة من القطع الكبير، وبغلاف مجلد سميك، لمسة وفاء من أصدقاء شاعر اختطفه الموت سريعًا، لكن اسمه سيظل في ذاكرة محبيه، وطلبته، وبقيت قصائده تشير إلى صوت شعري، كان من الممكن أن يصنع فرادته، لكن للموت كلمته التي ترفض التأجيل.