حاورته - رحمة الكلبانية 

لم تعد السياحة اليوم قطاعًا اقتصاديًا عابرًا، ولا مجرد تعبير عن رحلات تنتقل بين المدن والوجهات، بل أصبحت صناعة متكاملة ترتبط بالثقافة والهوية والإنسان، وتعكس الطريقة التي تُقدَّم بها الدول نفسها للعالم. وفي سلطنة عُمان تحديدًا تتجلى السياحة كواحدة من أكثر القطاعات التي تحمل إمكانات واسعة للنمو؛ لما تمتلكه السلطنة من تنوع طبيعي وثقافي وإنساني يمنحها خصوصية مختلفة عن كثير من الوجهات الأخرى.

وفي هذا الحوار تناقش «عمان» الدكتور حمد بن محمد المحرزي عميد كلية عُمان للسياحة؛ للاقتراب من ملامح المشهد السياحي الحالي كما يراه، ورؤيته لمستقبل السياحة العُمانية، والتغيرات التي يشهدها القطاع عالميًا إلى جانب أهمية بناء كوادر وطنية تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على صناعة تجربة سياحية تليق باسم عُمان وحضورها المتفرد. .

يشهد قطاع السياحة العالمي مؤخرًا تحولات فارقة على مستوى التقنيات وأنماط السفر وتوقعات السائح؛ فكيف تقرؤون أبرز هذه المتغيرات؟ وما أكثر الاتجاهات التي تعتقدون أنها ستؤثر على مستقبل السياحة عالميًا خلال المرحلة المقبلة؟

إذا ما نظرنا إلى قطاع السياحة العالمي اليوم فإنني أعتقد أن القطاع يمر بمرحلة إعادة تشكُّل عميقة مرتبطة بشكل كبير بالتحولات الجذرية التي يمر بها العالم، سواءً في الجوانب التقنية أو التعليمية أو الثقافية. في الوقت الحالي -وخاصةً بعد الجائحة- بدأت عملية إعادة تشكيل لفلسفة السفر تظهر على السطح بشكل أكبر؛ حيث أصبح البحث عن التجربة السياحية ذات المعنى، والتي تعكس هوية السائح واهتماماته وقيمة الشخصية هو المحرك الأساسي رغم أن المتطلبات التقليدية لا تزال مهمة، والتي تتمثل في المسكن المريح وزيارة المعالم ذات الشهرة، وعليه يمكن أن نصف التوجه الحالي من زيارة المكان إلى تجربة أو معايشة المكان.

هذا التحول يأتي بفرضيات جديدة على الوجهات السياحية ومنها سلطنة عُمان؛ حيث من المهم التفكير بطريقة مختلفة في تهيئة الوجهات السياحية؛ إذ أصبحت الجوانب التقليدية في جاهزية الوجهات السياحية شيئًا مسلمًا به، وتأتي المنافسة ضمن قدرة الوجهات على تقديم تجارب سياحية أصيلة (authentic) تتميز بعمق الأمان والاستدامة، ومصممة بعناية فائقة حول توقعات واحتياجات السياح، ومن هنا تبرز أهمية الربط بين مستقبل السياحة و«رؤية عُمان 2040» التي تستهدف التنوع الاقتصادي، وتمكين القطاعات الواعدة كقطاع السياحة، وبناء اقتصاد معرفي ومستدام.

وإذا ما أردنا أن نلخص المتغيرات الرئيسية والاتجاهات الحديثة في قطاع السياحة العالمي فيمكن تلخيصها في الاتجاهات التالية:

١.التحول من السياحة الكمية التقليدية إلى السياحة التجريبية والشخصية، والمقصود هنا أن هناك تحولًا جذريًا في مفهوم الاقتصاد العالمي؛ حيث ظهر اقتصاد التجربة كأحد الاتجاهات الحديثة منذ بداية الألفية الثانية. وإذا ما أسقطنا هذا على قطاع السياحة العُماني فإن السلطنة تتميز بعناصر تنافسية أصيلة تتمثل في تجارب مثل العيش ومخالطة المجتمع العُماني، والمشاركة في الحرف التقليدية، وتجارب الطعام العُماني والمطبخ العُماني، وزيارة القرى والأسواق التراثية والتجارب البيئية المتنوعة والمثرية، وعليه فإن السائح يعيش تجارب أصيلة بعيدًا عن التصنع أو تلك القائمة على الترفيه اللحظي رغم أهميتها، ويمتزج بروح المكان الذي يشع حضارة وثقافة عُمانية متأصلة في عناصرها الجغرافية والديمغرافية.

٢.صعود جيل الشباب خصوصاً الأجيال الحديثة كجيل Z، وجيل الألفية، فهذه الشرائح من السوق السياحي غالباً تنظر للسفر بشكل مختلف، ويخططون ويقضون أوقات السفر بشكل شخصي أكبر، ولا يتأثرون بالرسائل التقليدية؛ حيث يعتمدون بشكل جذري على المحتوى الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي والمشاركات البصرية والحسية بشكل رئيسي. الجدير بالذكر أن هذه الأجيال أكثر اهتماما بالقيم الإنسانية الأصيلة، والمعنية بالاستدامة والمحافظة على البيئة والتنوع الثقافي في المجتمعات. وعليه، فإن الوجهات السياحية القادرة على تقديم سردية واضحة تتميز عن التقليد وتوضح عناصر الاختلاف المحمود سيكون لها نصيب من اجتذاب هذه الشرائح.

٣. صعود ملحوظ للأنماط السياحية النوعية كالمغامرات والاستشفاء والرفاه؛ حيث أصبحت الأنماط السياحية المتخصصة عنصرًا رئيسيًا في سوق السفر العالمي، وهذا شيء طبيعي مع ما ذكرته سابقًا من التحول إلى السياحة التجريبية والشخصية، فأصبح السائح يبحث عن تجارب وأنماط تغذي رغبتهم في الاستشفاء (خاصة مع صعود فئة كبار السن والسفر المنفرد)، وهنا تمتلك السلطنة إمكانات ومقومات وموارد متنوعة سواء في الطبيعة أو التنوع المناخي تتيح تقديم تجارب تلبي رغبات السياح الباحثين عن التوازن النفسي والبدني، لكن من المهم أن تكون هذه التجارب مبنية على أسس علمية ومهنية عالية وعالمية.

مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية في مختلف القطاعات، كيف ترون تأثير هذه التقنيات على صناعة السياحة والضيافة؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة من «السياحة الذكية؟»

طبعا، نحن وبلا أدنى شك نعيش مرحلة جديدة تتشكل مع التطور التقني، لكن من المهم أن ندرك أن السياحة الذكية أو تلك القائمة على التقنية الحديثة لا تعني بالضرورة تحويل التجربة السياحية القائمة على الإنسان إلى تجربة باردة قائمة على الآلة أو التقنية، بل يمكن أن نصفها بأن هذه الأدوات تساهم في رفع جودة التجربة السياحية سواء في عناصر الضيافة، أو كفاءة التشغيل، أو تشكيل تجربة شخصية، وإجمالا تقديم تجربة أكثر عمقا، وأكثر إنسانية.

وإذا ما نظرنا إلى التحول الحاصل بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإننا نلاحظ تحولا جوهريا في أساليب التخطيط وتصميم الرحلات السياحية، فالسائح لا يخطط بناء على باقات مسبقة التصميم، لكنه يبحث ويتوقع تجارب مصممة وفق اهتماماته وتوقعاته وميزانيته ونمط سفره المفضل، وهنا تبرز أهمية أنظمة الحجوزات الذكية والذكاء الاصطناعي التوليدي. ويأتي هنا مفهوم التخصص الفائق في تشكيل الباقات السياحية، حيث أصبحت أحد أبرز ملامح التخطيط للسفر، فالسائح يتوقع أن تتفاعل الوجهة السياحية مع رغباته سواء من حيث نوع المسكن، أو النظام الغذائي، أو لغة التواصل، أو الأنشطة المفضلة، أو الإيقاع العام لرحلته.

غير أن هذا التحول لا يجب أن يفهم بأنه يلغي دور وكالات السفر أو المتخصصين في تصميم الرحلات السياحية، لكنه على العكس يعزز من دورهم ويرفع من مستوى الخدمة، فعليه من المهم أن تقوم هذه المنشئات على التفاعل الإيجابي مع هذا التحول والاستفادة منه في تصميم التجارب وتشكيلها للتواؤم مع التوقعات، وهنا تأتي أهمية الخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي.

نلاحظ اليوم تنافسا كبيرا بين الوجهات السياحية العالمية في تقديم تجارب مبتكرة ومستدامة، برأيكم ما العوامل التي أصبحت تصنع الفارق الحقيقي في جذب السائح الدولي؟

باعتقادي، أن الفارق الحقيقي سوف يبقى في القدرة على تقديم تجربة حقيقية أصيلة، تتوافق مع الرسالة الترويجية التي تقدمها الوجهة السياحية، وسوف تبقى الممكنات الأخرى مهمة، لكن في ظل التشابه الكبير في العديد من المنتجات السياحية في الوجهات السياحية، أصبحت وسوف تبقى الأصالة والاستدامة، وسهولة الوصول، والثقة والتميز في الهوية الثقافية عناصر مفصلية في المستقبل.

السائح الدولي أصبح أكثر حساسية تجاه التجارب السياحية المصطنعة المتكررة، أعتقد أن السائح أصبح أكثر وعيا في البحث عن روح المكان المتمثل في الهوية المكانية والثقافية والتي باعتقادي أصبحت أصلا استراتيجيا. في سلطنة عمان، الهوية هي منظومة قيم متكاملة تتمثل في السمت العماني الأصيل، والعلاقة المتوازنة مع المكان والطبيعة، والحضور العميق للتاريخ الحضاري، وتكاملها مع الحاضر العماني الواعد.

ثانيا، من العوامل الرئيسية -التي أعتقد أنها تتشكل وسوف تنمو بشكل رئيسي في المستقبل- قدرة الوجهات السياحية على تبني مفاهيم الاستدامة المتعددة بعيدا عن الصورية في تبني هذه المفاهيم. وهنا من المهم النظر للاستدامة على أنها مفهوم شامل يتعدى الجانب البيئي، لكن الاستدامة في البيئة والاقتصاد والأثر السياحي. على سبيل المثال لا يكفي أن نضع كلمة «منشأة صديقة للبيئة»، من المهم جدا أن تمثل هذا الجملة واقعا ملموسا لدى السائح. كذلك من المهم أن يتم دمج سلاسل القيم السياحية بحيث تعود بالنفع على المجتمعات الحاضنة للسياحة، بحيث تكون السياحة ممكنة لسلاسل القيم السياحية من التصميم المعماري، إلى التوريد للموارد المستهلكة، إلى تدريب العاملين وإشراك المجتمع المحلي.

ثالثا، سهولة الوصول الرقمي للوجهات السياحية. حديثا، من المتوقع أن يزور السائح الوجهة رقميا قبل أن يزورها واقعيا. لذلك من المهم الحضور الرقمي للمحتوى السياحي العماني وأهمية أن يكون هذا المحتوى مشكلا ومصمما بشكل يتناغم مع الأسواق العالمية والشرائح المختلفة، كما أنه من المهم أن يتسم بالسهولة في الوصول، والموثوقية في الاستخدام.

ثالثا، جودة الكادر البشري العامل في القطاع، لكون أن قطاع السياحة يقوم على التجربة المباشرة ويتميز باللمسة الإنسانية، أعتقد أن جودة العاملين في قطاع السياحة سوف تستمر لتصبح أحد أهم الميزات التنافسية في الوجهات السياحية. عليه، من المهم جدا تأهيل العاملين في قطاع السياحة بشكل أصيل ومتفرد يعكس أهمية القطاع لسلطنة عمان. سوف تبقى عناصر المعمار والجمال الحضري مهمة بالطبع، لكن سوف يبقى العنصر البشري أحد أهم المحددات الرئيسية في جودة التجارب السياحية، لذلك أعتقد أن الاستثمار في رأس المال البشري العامل في قطاع السياحة سوف يبقى أحد المحددات الرئيسية في عناصر التنافس وخلق صورة ذهنية تراكمية عن الوجهات السياحية، عليه من المهم العمل على تأهيل قوى وطنية ذات سلوك مهني رفيع، وثقافة عالية، وسمت عماني أصيل.

كيف تتصورون مستقبل السياحة في سلطنة عُمان خلال السنوات العشر المقبلة؟ وما القطاعات السياحية التي تتوقعون أن تحقق نموًا أكبر؟

أرى أن السنوات القادمة -خاصة العشر سنوات القادمة- سوف تشكل مرحلة مفصلية في تطور قطاع السياحة العماني. عليه من المهم باعتقادي أن يتم التعامل مع القطاع بشكل أكبر من كونه قطاع خدمي فقط، ولكن من المهم النظر له كأحد القطاعات الاستراتيجية للتنوع الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، وأعتقد أن الخطة الخمسية الحادية عشر وضعته في هذا السياق؛ بحيث رسمت الخطة للقطاع بأن يكون مولداً للفرص الوظيفية، ومسهماً في تنمية المحافظات، وممكناً لتعزيز الهوية الوطنية، وعنصراً فاعلاً في جذب الاستثمار، وهذا في اتساق تام مع «رؤية عمان 2040» التي تعتبر المرجع الوطني للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي طويل المدى.

وأعتقد أننا في الاتجاه الصحيح من حيث ابتعادنا عن استنساخ التجارب بشكل عشوائي، وأن قوة قطاع السياحة العماني في الاختلاف؛ فسلطنة عمان ليست وجهة صخب، بل وجهة عمق، وليست وجهة مشهد واحد، ولكن وجهة تنوع، وليست وجهة تسوق سريع -رغم أهمية التسوق في قطاع السياحة-، بل وجهة تجارب متنوعة وعميقة، وعليه أعتقد أن هناك العديد من الأنماط السياحية التي تستطيع سلطنة عمان أن تتميز فيها عالمياً وإقليمياً، وأخص منها هنا سياحة المغامرات، والسياحة القائمة على التجارب البيئية الفريدة، والسياحة القائمة على العناصر التراثية والثقافية، وسياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض، وسياحة الاستشفاء والرفاه، والسياحة التعليمية بالطبع. ولكل نمط من هذه الأنماط مقوماته وموارده المتنوعة في ظل التنوع الجغرافي والديمغرافي الذي تزخر به سلطنة عمان.

أعطي مثالاً واحداً وهو نمط سياحة الاستشفاء والرفاه. أرى أن هذا النمط من السياحة يحمل فرصاً نوعية لسلطنة عمان؛ حيث إن السفر من أجل الصحة النفسية والجسدية والبحث عن الهدوء والرفاه والتوازن والابتعاد عن الضغوط والصخب الرقمي أصبح اتجاهًا عالميًا. يمكن للسلطنة أن تطور منتجات سياحية راقية في هذا المجال قائماً على مواردها الطبيعية من جبال، وصحار، وسواحل، وغيرها. عليه، من المهم أن يكون التخطيط والتطوير رصينين، لا تجاريين سطحيين فحسب. سياحة الاستشفاء -على سبيل المثال- تحتاج إلى خبرات وبرامج مبنية على أسس صحية، وشراكات مع القطاع الطبي والرياضي والغذائي التخصصي، ومعايير جودة موثوقة. تشير التقارير العالمية الحديثة إلى أن النمو المضطرد في هذا النمط، وتتميز الشريحة السوقية من السوق السياحي العالمي بمعدلات إنفاق عالية.

هل يمكنك إيضاح الدور الذي يلعبه قطاع السياحة في تحويل المحافظات إلى محركات نمو ومراكز اقتصادية؟

في ظل التوجه السامي بتمكين الإدارة المحلية في المحافظات أعتقد أن قطاع السياحة يمكن أن يسهم في بشكل رئيسي في هذا التوجه بشكل عام؛ حيث من المعلوم بأهمية قطاع السياحة في جذب الاستثمارات، وتمكين المحتوى المحلي، وخلق فرص اقتصادية قائمة على الموارد البيئية والثقافية؛ حيث إن قطاع السياحة يمكن القطاعات الأخرى من النمو، وعليه يمكن لقطاع السياحة أن يقدم فرص متنامية في هذا الجانب.

أعتقد بأهمية قطاع السياحة في المحافظات، والانتقال إلى بناء منظومة سياحية أكثر شمولية بين المحافظات؛ فالسياحة في جوهرها أداة لتنمية المكان والمجتمعات، وتفعيل الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل للمجتمعات في بيئاتهم.

وإذا ما نظرنا للمشهد السياحي العماني في الوقت الحالي نرى أن محافظة مسقط تقدم مزيجاً متناغماً من التاريخ والحداثة، وظفار تتميز بمواسمها المتعددة وتنوعها البيئي والثقافي، والداخلية بإرثها المتمثل في القلاع والحصون والحارات والجبال، وجنوب وشمال الشرقية بالصحراء والسلاحف والإرث والتاريخ البحري، ومسندم بطبيعتها البحرية والجبلية الاستثنائية، والباطنة بسهلها وجبالها وشواطئها الممتدة، والبريمي بعمقها التجاري، والظاهرة بجبالها وواحتها وصحرائها، ومساراتها، والوسطى بصحاريها، وشواطئها الخلابة. وهناك الموارد المشتركة بين المحافظات من وديان وثقافة وحضارة عمانية متصلة ومتنوعة ومتكاملة. هذا وصف أولي لما يمكن أن تقدمه كل محافظة من فرص واعدة إذا ما جرى العمل على تحويل هذا الموارد إلى منتجات وتجارب مصممة بشكل مهني وحرفي يستجيب لمتطلبات الأسواق السياحية الدولية والإقليمية والمحلية.

هنا تأتي أهمية عدم المركزية أو ما أفضل أن أصفها بالمركزية المرنة؛ فبالرغم من أهمية التخطيط الاستراتيجي المركزي ينبغي تمكين المحافظات على العمل على تحويل هذه الموارد إلى منتجات سياحية. ويأتي هذا التمكين من خلال التخطيط الدقيق، ورفع مستوى الخبرات المحلية في المحافظات في هذا الإطار، ويمكن ذلك من خلال خلق الأنظمة المرنة، ومعالجة التحديات التنظيمية والتشغيلية حسب الاحتياج لكل محافظة، ورفع جاهزية الموارد البشرية في كل محافظة بما يتوافق مع احتياجاتها.

ما أبرز التحديات التي قد تواجه القطاع السياحي في سلطنة عمان خلال المرحلة القادمة؟ وكيف يمكن التعامل معها بفعالية؟

لا يوجد قطاع أو تنمية بدون تحديات، وقطاع السياحة ليس استثناءً، لكن التحدي الحقيقي في تحويل التحديات إلى فرص، هنا تأتي أهمية إدارة التحديات. أعتقد بأن تحديات قطاع السياحة في سلطنة عمان يمكن أن تكون فرص إذا ما استطعنا التعامل معها بشكل منهجي استراتيجي وتكاملي استباقي.

أبدأ بالمنافسة الإقليمية والدولية؛ حيث إن سوق السفر العالمي والإقليمي مستهدف من قبل العديد من الوجهات الإقليمية والدولية على حد سواء. وتشهد المنطقة استثمارات ضخمة في قطاع السياحة بشكل عام، خاصة في السياحة والترفيه والفعاليات، وأعتقد أن هذا أمر إيجابي؛ لأنه يرفع من الاهتمام العالمي بالمنطقة، لكنه أيضاً يفرض علينا أن نحدد موقعنا التنافسي وقيمنا التنافسية بشكل واضح وبما يميزنا في ظل هذا التنافس المتسارع. سوف يمكّن هذا الوضوح والتمايز كل من القطاع الخاص والعام من العمل على تعظيم هذه القيم التنافسية بما يسهم إجمالاً في الدفع بتنافسية سلطنة عمان إقليمياً ودولياً.

شخصياً لا أعتقد بأن سلطنة عمان تعمل بالمنطق نفسه الذي من الظاهر تتبعه الوجهات الإقليمية؛ فسلطنة عمان تراهن على الأصالة، والهدوء والثقافة والبيئة، والإنسان. عليه من المهم أن يكون التموضع العماني قائماً على جودة وتنوع التجارب أكثر من كثافتها، وأن تواصل العمل على تشكيل تجارب سياحية متناغمة مع المجتمعات الحاضنة للمنتجات والتجارب السياحية، وهذا ليس بالسهل، لكنه في الوقت نفسه مستدام وأكثر جاذبية.

ثانياً: توفير الكوادر الوطنية المؤهلة والمتخصصة باعتقادي هذا أحد أهم التحديات وأكثرها استراتيجية. لا يمكن بناء أي قطاع بعيداً عن تأهيل الكوادر الوطنية بالشكل الصحيح؛ فالتحدي هنا لا يتعلق بتوظيف العمانيين في القطاع أو رفع نسبة التعميين -رغم أهمية هذه المؤشرات-، بل في جعل العمل في قطاع السياحة جاذباً، وذا مسار مهني محترم وواعد، وعليه يتطلب هذا العمل على رفع جاذبية العمل في القطاع بشتى الأدوات التشريعية والتنفيذية، وتحديث مستمر للمناهج، وتوطين للخبرات في هذا المجال، وتحسين الصور الذهنية حول العمل في قطاع السياحة، ودعم رواد الاعمال ودعم الاستقرار الوظيفي في قطاع السياحة.

ما المهارات الجديدة التي باتت مطلوبة اليوم في خريجي تخصصات السياحة والضيافة؟ وهل تغيّرت متطلبات سوق العمل مقارنة بالسنوات الماضية؟

سوق العمل عموما يتفاعل بشكل مرن مع متطلبات السوق، وهذا يتمثل في قطاع السياحة بشكل أكثر عمقاً مع التحول الجذري في الطلب السياحي الذي أشرت إليه سابقاً. تقليدياَ، كان التركيز على المهارات التشغيلية الأساسية مثل الاستقبال، وتقديم الخدمات، وتنظيم الحجوزات، والتدبير الفندقي، والإرشاد بشكله التقليدي، وعلى الرغم من استمرار أهمية هذه المهارات، إلا القطاع حقيقةً يحتاج إلى مهارات متعددة، قادرة على الجمع بين الحس الإنساني، الفهم للثقافة المحلية والتعامل مع الثقافات الأخرى والسائح العالمي، والتعاطي مع التحولات الرقمية، وبين الانضباط التشغيلي والتفكير الابتكاري.

هناك العديد من المهارات التي تتجه أغلب المناهج والخطط الدراسية في دمجها ضمن المساقات الدراسية، وأذكر منها هنا على وجه الخصوص المهارات الرقمية، حيث أصبحت المهارات الرقمية المتقدمة (وليست فقط كيفية استخدام الحاسب الآلي)، مهمة جداً، استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، القدرة على التعلم المستمر لما تقدمة التقنية الحديثة، الأمن السيبراني وحماية البيانات. أيضًا من المهارات الرئيسية التي أعتقد من المهم أن يلم بها العاملون في قطاع السياحة بشكل أساسي هي مهارة إدارة الأزمات، وهنا ليس بالضرورة أن نقصد الأزمات السياسية أو تلك المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية بشكل خاص (رغم أهمية التعامل معها)، في قطاع السياحة يمكن أن تحدث الأزمات بشكل لحظي، على سبيل المثال وجود حالة تسمم، أو التعامل مع حالات طارئة سواءً في الفندق أو في الموقع السياحي، وعليه فإن الأزمات في القطاع قد تكون صحية أو أمنية أو تشغيلية أو حتى رقمية، وعليه فمن الضروري أن يلم الخريج بأساسيات التعامل مع هذه الحالات.

كيف تسهم كلية عُمان للسياحة في إعداد الكفاءات الوطنية وتأهيل الشباب العُماني للعمل في مختلف مجالات السياحة والضيافة؟

كلية عُمان للسياحة تنطلق من قاعدة رئيسية تقوم على قناعة أن العنصر البشري، خاصة الوطني منه، هو الذي سيسهم في تشكيل قطاع السياحة العُماني، وسيمنح التجربة السياحية العُمانية روحها وأصالتها ومصداقيتها واستدامتها. وعليه، لا ننظر إلى أن دور الكلية يقتصر فقط على منح المؤهل الأكاديمي، بل يتعداه إلى بناء شخصية مهنية قادرة على العمل في بيئة محلية ودولية، ولكن في الوقت نفسه شخصية معتزة بهويتها العُمانية وسمتها وقيمها الأصيلة، وهذا متسق تمامًا مع «رؤية عُمان 2040».

تقوم الكلية بشكل مستمر بتحديث برامجها التعليمية الأكاديمية والمهنية والحرفية بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل ومتطلباته متسارعة التغير، على سبيل المثال، نقوم في الكلية بتحديث المساقات التعليمية في برامجها الأكاديمية بكل ما هو حديث من إدارة الفعاليات والأزمات، والتحول الرقمي، وتشكيل التجارب السياحية وغيرها. وللقيام بذلك بشكل مثالي، تواصل الكلية خلق شراكات بشكل مستمر سواءً محليًا أو دوليًا، على سبيل المثال، العام الماضي قامت الكلية بإنشاء شراكة مع مكتب عُمان للمؤتمرات بوزارة التراث والسياحة، والذي من خلاله أرسلت عددًا من الطلبة لحضور فعاليات دولية، بحيث اطّلع الطلبة والمحاضرون على أحدث الممارسات في تنظيم الفعاليات الدولية، كما أن طلبة الكلية يساهمون بشكل مستمر في تنظيم الفعاليات الدولية في سلطنة عمان.