أكدت أعمال ندوة «واقع العمل الحر في سلطنة عُمان»، التي نظمتها اليوم غرفة تجارة وصناعة عُمان ممثلة بلجنة سوق العمل، على أهمية مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل المحلي والعالمي، وما يشهده من تغيرات نوعية في أنماط التوظيف وأساليب ممارسة الأعمال، الأمر الذي يجعل من العمل الحر أحد أبرز المسارات الاقتصادية الحديثة التي تفرض حضورها بقوة في المشهد التنموي.
وشددت الندوة على ضرورة تعزيز الاستفادة من الفرص التي تتيحها أنماط العمل الحديثة، بما في ذلك العمل عن بُعد والعمل المستقل والمنصات الرقمية، في دعم النمو الاقتصادي ورفع كفاءة الإنتاجية وتمكين الكفاءات الوطنية من استثمار مهاراتها وخبراتها في مجالات متعددة، بعيدًا عن الأنماط التقليدية للتوظيف، وبما يواكب متطلبات الاقتصاد المعرفي.
كما تأتي هذه التوجهات في ظل اهتمام متزايد بتطوير بيئة العمل في سلطنة عُمان وتعزيز مرونتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة ومستدامة، ويدعم توجهات التنويع الاقتصادي، ويرسخ مكانة العمل الحر كأحد الروافد المهمة للاقتصاد الوطني، القائم على الابتكار وريادة الأعمال وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية للأفراد.
وشهدت الندوة حضور سعادة الشيخ فيصل بن عبدالله الرواس رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان، إلى جانب عدد من أصحاب السعادة وأصحاب وصاحبات الأعمال والمهتمين بقطاع العمل الحر، في تأكيد على تنامي الاهتمام بهذا القطاع بوصفه أحد المسارات الاقتصادية الحديثة التي تعزز من قدرة الأفراد على الإسهام الفاعل في التنمية.
وتأتي هذه الندوة في إطار توجهات الغرفة الرامية إلى تطوير بيئة الأعمال، ودعم مسارات التنويع الاقتصادي، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، من خلال تمكين النماذج الاقتصادية الحديثة التي تفتح آفاقًا أوسع للإبداع والابتكار وريادة الأعمال، وتسهم في إيجاد فرص عمل مستدامة وتعظيم مساهمة الأفراد والمؤسسات في الاقتصاد الوطني، إضافة إلى دعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والمهارات المتخصصة.
كما شكلت الندوة منصة حوارية موسعة جمعت بين ممثلي الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمستقلين والخبراء، بهدف مناقشة سبل تطوير منظومة العمل الحر، واستعراض أبرز التحديات والفرص المرتبطة به، إلى جانب تبادل التجارب الناجحة والممارسات المتميزة في هذا المجال، بما يعزز دوره كقطاع حيوي واعد يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة وتنافسية.
وفي كلمته خلال الندوة، أكد سعادة الشيخ فيصل بن عبدالله الرواس أن الندوة هدفت إلى التعريف بفرص العمل الحر والمنصات المتاحة له، سواء لأصحاب الأعمال أو الباحثين عن عمل أو الأفراد الراغبين في ممارسة أنشطة إضافية إلى جانب وظائفهم الأساسية، مشيرًا إلى أن العمل الحر أصبح خيارًا اقتصاديًا مهمًا في ظل التطورات المتسارعة في سوق العمل.
وأوضح سعادته أن الندوة شهدت الإعلان عن عدد من المبادرات الداعمة لقطاع العمل الحر، من بينها تخصيص نسبة من المناقصات عبر هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي للعاملين في هذا القطاع، إلى جانب طرح منتج تمويلي من بنك التنمية العُماني يتيح قروضًا مخصصة للعاملين في العمل الحر دون فوائد، بما يعزز من فرص دخول الأفراد لهذا المجال وتوسيع نطاق استفادتهم منه.
وأشار إلى أن هذه الحوافز والمبادرات تأتي في إطار ترسيخ ثقافة العمل الحر وتشجيع الأفراد على استثمار الفرص المتاحة، معربًا عن أمله في أن يسهم هذا القطاع في تعزيز مساهمته في التنمية الاقتصادية وخلق مسارات جديدة للدخل المستدام، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.
كما أشار سعادته إلى أن الندوة لم تقتصر على عرض المبادرات والحوافز، بل تناولت أيضًا أبرز التحديات التي تواجه العاملين في هذا المجال، حيث تم طرح مجموعة من البدائل والحلول والمقترحات التي من شأنها الإسهام في تطوير بيئة العمل الحر في سلطنة عُمان، وتحسين مستوى الجاهزية المؤسسية والتشريعية لهذا القطاع.
ومن جانبه، أوضح المهندس فيصل الشنفري، عضو لجنة سوق العمل بغرفة تجارة وصناعة عُمان، أن هذه الفعالية تُعد من المبادرات المهمة التي تنفذها الغرفة لتسليط الضوء على قطاع العمل الحر باعتباره أحد الركائز الواعدة في الاقتصاد العُماني، مؤكدًا أن هذا القطاع يشهد اهتمامًا متزايدًا على المستويين الرسمي والخاص.
وبيّن أن العمل الحر لم يحظَ سابقًا بالاهتمام الكافي، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت جهودًا متزايدة للاعتراف بهذا القطاع وتنظيمه تشريعيًا وتمكين العاملين فيه، من خلال برامج الدعم والتمويل التي تقدمها الجهات المختصة، وفي مقدمتها بنك التنمية العُماني، بما يسهم في تعزيز فرص الاستفادة منه على نطاق أوسع.
وأضاف أن أهمية العمل الحر تنبع من كونه توجهًا عالميًا تتبناه الاقتصادات الحديثة، مشيرًا إلى أنه يتيح فرصًا مهمة لفئتين رئيسيتين؛ الأولى المتقاعدون ذوو الخبرات التراكمية، والثانية الشباب والباحثون عن عمل، لما يوفره من مرونة عالية وتنويع لمصادر الدخل وتعزيز للمهارات الفردية.
ولفت إلى أن العديد من المؤسسات، ومنها شركات النفط والغاز، باتت تستفيد من طاقات الشباب والكفاءات الوطنية، وتسهم في صقل خبراتهم المهنية، إلى جانب الاستفادة من خبرات الكفاءات الوطنية التي أسهمت في بناء الاقتصاد العُماني عبر العقود الماضية، وهو ما يعزز التكامل بين الخبرات المتراكمة والطاقات الشابة.
وأكد أن غرفة تجارة وصناعة عُمان تضطلع بدور محوري في دعم هذا القطاع وتعزيز حضوره، باعتباره أحد مكونات الاقتصاد الوطني الداعمة، ومتسقًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 من حيث تعزيز المرونة الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة وتنويع مصادر الدخل.
وفي السياق ذاته، أوضح ناصر الحارثي، أخصائي أول إعلام وتواصل مؤسسي بالغرفة، أن الندوة ناقشت دور منصات العمل الحر في دعم قطاع الأعمال وتعزيز الاستفادة منها، من خلال استعراض أبرز المنصات الدولية والإقليمية والمحلية، والتعريف بآليات عملها ونماذجها التشغيلية، بما يتيح فهمًا أعمق لآليات هذا القطاع المتنامي.
وأشار إلى أن النقاش تناول الفروق بين هذه المنصات ومدى ملاءمة خدماتها لاحتياجات المؤسسات والأفراد، إلى جانب استعراض أبرز التحديات المرتبطة بالاستفادة من الخدمات الرقمية في هذا المجال، وسبل تطويرها بما يتناسب مع التحول الرقمي المتسارع.
وأكد أن الندوة ناقشت كذلك أهمية إنشاء منصة وطنية متكاملة للعمل الحر، تتولى تنظيم العلاقة التعاقدية بين المستقلين وطالبي الخدمة، وتوفر بيئة عمل موثوقة وآمنة لجميع الأطراف، بما يعزز الثقة في هذا القطاع ويزيد من جاذبيته.
وبيّن أن سلطنة عُمان تمتلك أطرًا تنظيمية وتشريعية داعمة للعمل الحر، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة إلى منصة تقنية وطنية تُحوّل هذه التشريعات إلى منظومة تشغيلية متكاملة، بما يعزز كفاءة السوق ويرفع مستوى الشفافية ويوسع فرص الاستفادة من هذا القطاع.
وأشار إلى أن وجود منصة وطنية موحدة من شأنه أن يعزز موثوقية التعاملات ويرفع كفاءة الأداء، بما يواكب التحول الرقمي ومتطلبات سوق العمل الحديث، ويسهم في خلق بيئة أكثر مرونة وابتكارًا.
واختُتمت الندوة بجلسة نقاشية أولى بعنوان «العمل الحر: الواقع والتحديات والفرص»، تناولت رحلة العامل الحر من التسجيل إلى مزاولة النشاط، والحوافز والبرامج التمويلية، إضافة إلى تجارب وقصص نجاح واقعية والتحديات والفرص المستقبلية، بمشاركة عدد من الجهات الحكومية المعنية، في إطار تبادل الخبرات وتعزيز التكامل المؤسسي.
كما ناقشت الجلسة الثانية بعنوان «الإطار التنظيمي ودور الجهات في دعم العمل الحر» اللوائح والتشريعات المنظمة، والأدوار التكاملية بين الجهات الحكومية والخاصة، إضافة إلى سياسات تحفيز الشباب على اختيار العمل الحر مسارًا مهنيًا، بما يعكس توجه الدولة نحو دعم هذا القطاع الحيوي وتمكينه بشكل أكبر.